قصص السل ومصاصي الدماء من لوازم الحياة لساكن ضفة النهر تختفي حكايات وتظهر اخري ويتعلمها الاطفال
قلت، جئت لأحرر الأحرار من عبودية عقولهم فقالوا: لا تتعب نفسك وتتعبنا، فالعبودية موجودة، مهما قلتمصطفي محمد جمالقصص السل ومصاصي الدماء من لوازم الحياة لساكن ضفة النهر تختفي حكايات وتظهر اخري ويتعلمها الاطفال هذه رحلة في العادات والتقاليد علي ضفتي نهر السنغال وهي عن النمطيات وعن المواقف التي يحملها سكان الضفتين عن بعضهم البعض: اي السنغاليين والموريتانيين وفيها بعض المعلومات الانثروبولوجية عن المعتقدات والعادات والسحر والشعوذة. تنويع علي ماحدث سابقا يقولـ أثناء ليلة كنا نمضيها معها، وكان زوجها غائبا استيقظ ابن أختي فزعا، حوالي الساعة الواحدة ليلا، فشدني من قميصي بعنف، سألته ماذا حدث، أجاب بأن جسما ثقيلا يجثم علي صدره، هدأت من روعه قائلا: ـ هذا مجرد وهم، أفكارك وتصوراتك المسبقة هي التي تجثم علي صدرك، لا تزعجني. بعد دقائق انتفض وهو يصيح قائلا: الآن تأكدت، إنها هي (المصاصة).. مصاصة الدماء، آكلة البشر، هي التي تجثم فوق صدري، نهرته، زجرته بعنف وطردته من المنزل، بل إنه طرد نفسه، لقد فضحني تلك الليلة، لم أذق للنوم طعما، انشغلت بترضيتها، حاولت أن أشرح لها، أفهمها أنه مراهق رغم جسمه الناضج ولحيته.. عليها أن لا تنشغل به، وسوس له أحد أعدائك من حسادك، قلت لها، لكنها أبدت قدرا كبيرا من الجسارة والجلد.. عبرت لي عن حزنها عليه وعلي أمثاله من المغرر بهم، هشاشة روحه تستدر عطفها عليه، لو كان غيره لكان لها معه حساب آخر، لكنه ابن أختي أنا وهذا ما يحزنها، إنها تحزن أيضا علي أنا، تحزن علي موقفي منه باعتباره أقرب الناس إليّ، لكنها في النهاية تتوسل إليّ، تترجاني أن لا أتخذ ضده أي تصرف، فهو ابن أختي ومحتاج، محتاج للعمل، إنها تقدر موقفي جيدا! ولننس الأمر نحن الاثنين، وفي الأخير ترجتني وتوسلت لي أن لا أخبر زوجها، هذا هو ما تريد فقط، وافقتها علي كل ما طلبت، وجدت نفسي أتضاءل تحت نفسها الرفيعة.. شهامتها التي تفوقت فيها علي أهل زوجها الذين لم يخفوا احتقارهم لها وإن كانوا لا يظهرون ذلك أثناء حضورها، لقد أشعرتني في تلك الليلة بالخجل وجعلتني أراجع معتقداتي، فيما يتعلق بنبل المحتد وعلو شأن العرق والقبيلة، فكل إنسان ابن لنفسه، رذيل لأنه كذلك، وليس بسبب أبيه ولا أسرته، وطيب لأنه كذلك (كل يد تمسح الغبار عن وجه صاحبها)، لا تقل لي بأن الأراذل لا يحصدون ولا يستنبتون إلا الأراذل، قد يخرج من الشرفاء نذل وعربيد أيضا، إنه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، المهم يا صاحبي أن موقف المرأة في تلك الليلة جعلني أنسحق وأزداد هيجانا علي ابن أختي الذي ما كاد الصبح يبين حتي لحقت به في الحانوت وأنبته، وقرعته كثيرا، وأحجمت عن الكلام معه طيلة تلك المدة، لكن سبحان الله، يقول ضاحكا حتي تطاير ريقه، الدنيا لا تبقي علي حال، لقد اكتشفت أنني كنت مخطئا، وتعجبت أشد العجب من قدرة المرأة علي المداورة والتمويه، تتظاهر بأخلاق نبي، بينما تحت ذلك يقبع زلمبور (وزير الشيطان الشرير)، لقد أرغمتني تلك. فمها فم كلبـ كيف غيرت قناعتك بهذه السرعة إذن؟ سألته بلهفة، أجاب قائلا بمزاح: ـ لا تكن كمن ينقض علي عظمة من عشائه، ضحكت وضحك معي حتي أزيلت الكلفة بيننا وشرع من جديد يقول: ـ كيف سيكون موقفك إذا أخبرتك بأنني أنا نفسي كنت ضحيتها؟، أجبته بدهشة قائلا: ـ أنت نفسك، بلحمك ودمك رغم كل شيء؟ـ نعم قلت لك، أنا نفسي حاولت أن توقع بي.ـ وما دليلك علي أنها ليست غيرها؟ ـ إنها هي بنفسها، بشحمها ولحمها، لم يتغير منها سوي فمها الذي استبدلته بفم كلب. ـ أنه لأمر مخيف ومحير! قلت بخوف: ـ في تلك الليلة كان يفصلني عنها 25 كلم، بمعني أن المسافة بين القرية التي كنت أوجد بها وتلك التي كانت توجد هي بها 25 كلم. وحين حدث العراك بيني وبينها لم أكن نائما ولا ناعسا، فكرت في ذلك كثيرا. ـ في أمر المرأة؟ ـ لا، بل فكرت فيما إذا كنت نائما أو مستيقظا، وفي النهاية تأكدت من أنني كنت بعيدا من النوم، لذا أجريت كل المقارنات بين النائم والمستيقظ، وحصلت علي كل القرائن التي لا تتأتي إلا للمستيقظ. ـ ماهي تلك القرائن إذن؟ سألته.ـ في اللحظة التي حصل العراك بيننا كان القمر في كبد السماء مضيئا كقطعة مرآة في الشمس تبزغ وتختفي وراء مزن الليل، تحيط به هالة من الضوء علي نفس المسافة منه، كان في سيره غازيا باتجاه الغرب كمن يلتهم عدوا بلا رحمة ولا توقف، القمر لا يكل من المسير في تلك الليلة، بدا لي أسرع من المعتاد، ربما كان في موعد مع الصبح، ضوؤه في تلك الليلة باهر، كأنه علي علم بما يدور وسيشترك عن وعي في العملية بواسطة ضوؤه الفاضح لنا، أو كأنه يحقد علي تلك المرأة ويحتقرها فأضاء بقوة علي وجهها حتي تبدت ملامحه (الكلبية)، ظل المنازل في تلك الليلة كان واضحا وكثيفا، وأصوات نباح الكلاب تتجاوب في كل اتجاهات القرية، الراديو في زاوية البيت الذي أبيت فيه تصدع، وأحاديث بعض المارة كانت تصل مسامعي كجلبة مبهمة، أنا لم أكن نائما، ذهني كان يدور وعيناي كانتا مغمضتين، عندما فتحتهما كانت أنياب كلب ستلتقيان علي بلعومي، بينما كانت يدان آدميتان تضغطان علي ذراعي بإحكام وعنف، وجسم يلقي بثقله علي صدري، انتفضت بما لديّ من قوة حتي استطعت تخليص قبضتي وضممتهما علي فكي الكلب وأنا أحاول الوقوف بصعوبة معتمدا جسمي الأسفل، عندما وقفت وأنا متشبث بفم الكلب أسحبه باتجاهي أحسست به نابتا في جسم كائن بشري أرفع قامة من الكلب بكثير، ورغم أن الخوف لم يدع في روحا للتمييز، تمكنت من تبين جسم امرأة كانت هي، هي بنفسها، زوجة صديقي ومخيفة ابن أختي، لم يتغير منها سوي فمها الذي أمسكته بين يدي مدفوعا بغريزة حب البقاء، ولما لم تكن من الضعف بحيث تسقط تحت هصري لفهما، طال عراكنا، وتدافعنا حتي أخذت تصدر صوتا من بين يديَّ كالغمغمة الهادرة فواصلت ضغطي بقوة لم أعد أعرف من أين أوتيتها، وهي تغمغم وتنتفض وتهتز وقبل أن أفقد آخر نفس لمحت شخصا أعرف فيه شيخا كبيرا صالحا من سكان القرية ممسكا بقدمها اليمني ساحبا إياها بقوة حتي وقعت وراءه علي بعد عدة أمتار، وهو يقول لها بتأنيب وتقريع: ـ ف. ت، ألم أحذرك من تكرار هذا الفعل؟. ثم توارت وتواري خلفها وراء المنازل المتناثرة. ـ ألا تعتقد أن هذا مجرد وهم خصوصا وجود الرجل، أيعقل أن تحصل هذه الصدفة؟ سألته.ـ لا إنها ليست صدفة، لأنني سأتأكد بعد ذلك. ـ كيف تأكدت؟ ـ في ليلتي تلك لم أعرف للنوم طعما، بت أضرب أخماسا بأسداس وأخمن وأقرر وأنسف وفي الأخير استقر رأيي علي قرار محدد. ـ ما هو إذن؟ـ حسمت أمري وقررت بدلا من الذهاب إلي الشيخ أن أذهب إلي القرية التي توجد بها السيدة، وبناء علي استقبالها ومعاملتها لي سينكشف الأمر، فإذا كان استقبالها لي ومعاملتها معي بنفس الطريقة التي عهدتها منها، سأراجع حسابي وأقنع نفسي بأن ما حدث البارحة مجرد وهم رغم صعوبة إقناع نفسي بذلك، وإن حصل العكس حسمت أمري وتأكد لي ما كان يقال! ـ وأي الأمرين حصل معك؟ سألته بلهفة وشوق. ـ في الصباح الباكر، انطلقت دون أن أذوق شيئا، لا شايا ولا ماء، وجعلت قريتها مقصدي، لم يكن أحد قد سبقني للانطلاق، فكل الآثار علي الطريق تعود للأمس أو البارحة، فآثار الحشرات كالخنفساء والزواحف لا زالت ترسم بتعرج علي آثار البشر، وقبل أن تنهي أم زوجها وأخواته الشاي الصباحي صحت عليهم من بعيد وهي متربعة بينهم تنسج ثوبا أحمر: كأس، كأس يا ناس لرجل دائخ، التفتوا كلهم فجأة إلا هي، لم تلتفت ولم تغير من جلستها، بل إنها لم تنبس ببنت شفة حتي بعد أن ألقيت السلام عليهم، فدق قلبي بعنف بسبب الصدمة التي حصلت معي، صدمة التأكد من حادثة البارحة، ولكي لا ألفت الانتباه إليها أردفت قائلا: ـ ما بك لا تردين السلام؟ أجابت بسرعة وارتباك قائلة: ـ لم أرك، لم أرك. وابتلعت لسانها بعد ذلك، منكسة رأسها، فأجبتها:ـ أنت رأيتني علي بعد 25 كلم، فكيف بك لم تريني وأنا علي بعد 5 أمتار منك؟ فخيم صمت أثقل من الرصاص، أتبعته بعد ذلك قائلا كي يعود الماء إلي مجراه: ـ إنها مجرد مناكفات غالبا ما تدور بين الأصدقاء. وضحكت النسوة الجالسات وضحكت معهن، لكن المرأة واصلت تنكيس رأسها وحبك ثوبها عابسة.كانت تلك آخر مرة أزورها فيها كما كانت لي بمثابة حادثة قطعت لي الشك باليقين في هذه المسألة، وعندما يتحدث الناس عن إنسان سلال (سحار) أكون حذرا جدا منه. زادني حديث هذا الحرسي القديم ولعا علي ولع، رغم أنه لم يقدم الدليل الكافي علي وجود (السل) فسألته مدفوعا بحب النهايات: ـ وماذا كان من أمر صديقك، هل قطعت علاقتك به؟.ـ لا ، أبدا، لم أقطع علاقتي به، إذ أن الأحداث المتوالية ستجعله يطلقها. ـ أي أحداث إذن؟ ـ لقد كشف أمر تلك المرأة علي نحو فاضح، بعد أن تضرر منها العديد من الأشخاص في القرية، ولم يسلم منها حتي والد زوجها وخاله، والذي كشف أمرها هو أحد أقرباء زوجها نفسه، وهذا الأخير رجل ورع يجله ويحترمه زوجها. ـ ما هي الطريقة التي فضحها بها، هل نادي عليها الناس، أم حبسها في هيئة طائر أو حيوان؟ سألته برغبة الاستزادة. أجاب: ـ إن ذلك الرجل ورع وطيب جدا وكل سكان القرية يحترمونه، وليس من عادته أن يتحدث في هذه المسائل، بل إنه يكره تعاطي الرقي إلا في الحالات الضرورية، وعندما كثرت حالات الصرع والموت المفاجئ في القرية، هرع إليه السكان، وبعد أخذ ورد رفض أن يصرح لهم بأن المرأة هي السبب، رغم تلميحه ضمنيا بذلك، وأبلغهم بأنه سيبذل أقصي جهده لمعالجة المصابين ومحاولة ربط فم من قام بهذه الأعمال، لكنه يطلب منهم التروي والطمأنينة وحذرهم في المقابل من اتهام أي شخص. فقلت مستهدفا إثارته من جديد: ـ فقط وانتهي الأمر علي هذا النحو! ـ لا لم ينته، أتتصور ذلك؟ أيموت منا أطفال ويصرع رجال ونساء ونسكت علي مضض؟ أنت لا تعرف سكان تلك القرية حقا، ولك العذر، لم تمض تلك الليلة والناس تترقب حتي تعالت أصوات الضجيج والصخب والشتم في الجانب الشرقي من القرية، حيث تسكن المرأة مع أهل زوجها. ـ أي ضجيج وأي صخب ؟سألته مجددا.ـ ضجيج المرأة وصخبها، فقد كانت تصيح وتلعن وتشتم، تلعن سكان القرية وتندب حظها العاثر الذي قادها إلي هذه القرية المشؤومة حسب زعمها، فهؤلاء السكان كما تقول، لا يجيرون مظلوما، ولا يسقون عطشانا، ولا يطعمون جائعا، ومجلبة للنحس والويل والثبور، ولا يمكن لأي إنسان أن يستفيد بحوزتهم لأن قلوبهم ملأت حسدا وحقدا.. ـ وماذا تفهم من هذا الكلام؟ ـ هذا واضح ولا يحتاج للفهم، ألم تقل بأنه ليس بالإمكان الاستفادة، وأن الناس حسادون، لم يعد بإمكانها الاستفادة لأن فمها ربط وهو مصدرها الوحيد للعيش من دماء ضحاياها، هكذا تقول، وتصف الذين منعوها من ذلك بالحسد، فما ضرر العقرب عندما تنتزع إبرتها وما تأثير الحية عندما تستأصل أنيابها! وهذا هو ما حصل معها، فلم يعد باستطاعتها أن تضر أحدا. فسلاحها لم يعد فعالا.ـ لكن أيتطلب منها هذا كل هذا الصخب والشتائم؟ ـ بالتأكيد، لأنها في النهاية ستعرض نفسها للخطر من طرف صاحباتها وأصحابها. ـ أي خطر؟ سألت ببلاهة وببراءة. قبل أن يجيب زود فمه بالدخان ثم نفثه علي دفعات قطعها السُّعال، وأردف منتشيا: ـ عن أي خطر تسألني؟، خطر الدين الذي يجب عليها تسديده، فهي لا شك مدينة لأصحابها بالكثير، فممارسو مهنة (السل) يتحالفون في مجموعات تعرف باسم وكالة (تعاونية) فعلي كل واحد منهم أن يحصل للجماعة علي ضحية أو صيد ويتم ذلك بالتناوب حسب الأدوار، مثلا: هذه الليلة أنا والليلة القادمة أنت والليلة الأخري فلان، ومن عجز عن الوفاء بدينه لسبب أو لآخر سيكون هو الضحية، وفي هذه الحالة سيضطر أحدهم للتضحية بزوجه أو أبيه أو حتي ابنته، والعياذ بالله، وإلا فعليه أن يضحي بنفسه، وهذا هو ما يفسر غضب المرأة وخروجها عن طورها، لأنها ستجد نفسها بين فكي كماشة لا ترحم. وعلي هذا الأساس طلقها زوجها خوفا علي نفسه؟. ـ بالتأكيد، أيعقل أن يحتفظ بزوجة مصاصة دماء وبلا أخلاق أيضا، أو لم تعد لها أخلاق إن كانت عندها أصلا. ـ وهل وصلتكم أخبارها فيما بعد، مصيرها، أولادها؟. ـ لحسن الحظ لم تنجب منها أولادا، أما هي فقد علمنا بما كنا علي يقين من حصوله. ـ وما هو؟ ـ الموت طبعا، فقد ماتت بعد فترة وجيزة من طلاقها، ومن المؤكد أنها راحت ضحية لهم، بلا شك.. اقشعر جسدي وأنا أسمع ذلك، لم أتمالك نفسي من الخوف، فلكل تنظيم قوانينه الخاصة به وبئست قوانين هؤلاء القوم. قصص اغرب من الخيالبالنسبة لساكن الضفة العادي لا تعتبر هذه المسائل ملفتة للغاية، إذ كثيرا ما تتردد علي الألسن قصص أغرب من هذه بكثير، ولا تعاد ثانية، لأن قصص أخري ستحل محلها، وهكذا تصبح أمور السل والاعتقاد فيه من لوازم الحياة واستمرارها وجزءا من تشكيل شخصية ساكن هذه المنطقة، حتي الأطفال الصغار يلفظون تلك الكلمة بلغتهم المتعثرة فعندما يريد أحد الكبار أن يدرب ابنه علي النطق يأمره قائلا: ـ قل سلاّل، قل سلاّلة. قل مصاص، قل مصاصة، قل أنت سقني، فيجيب الصبي ببراءة: ـ شلاّل، شلاّلة، ماص، ماهَّ، سكني. إن مثل هذا الصبي يلفظ هذه العبارات دون أن يدرك معناها الحقيقي، غير أنه سيدرك ذلك ما إن يصل إلي 5 أو 6 سنوات، بعد أن تنضاف إليها ألفاظ الحياة الأخري مثل تكملة الكلام (كي) وأنت عبد أو أنت خادم، لكن عقله سيحار في إدراك معني هاتين الكلمتين الأخيرتين (سلال، وعبد). هؤلاء عبيد وأولئك مملوكونرغم كثرة استخدام كلمة (عبد) و (خادم) لم أتمكن من ربط أي صلة بين معناها اللفظي ومعناها التطبيقي! لا علاقة بين الدال والمدلول، ستشاهد أشخاصا كثر يأكلون مثلك، يلبسون مثلك، يضحكون علي هواهم ويتصرفون كما يحلو لهم، يدرسون، يعملون، يتسكعون، علاقتهم مع غيرهم علي ما يرام، لكن حذار، فهؤلاء الأشخاص ليسوا عاديين، ليسوا مثل غيرهم من الأشخاص الذين يسيرون أو يتحدثون أو يتعاملون معهم، وعندما تفتش باستماتة عن الفارق، ستلاحقك لعنة سيزيف الأبدية وستعجز عن تحديد الفارق، لأنه بكل بساطة لا يوجد فرق ملموس، لا في اللون ولا في الشكل ولا في الرائحة، إلا أن الفرق يوجد حسب البعض، وعندما تسأل أين؟ سيجيبونك: ـ إنهم عبيد، ليسوا أحرارا، فهذا اختلاف. مما سيزيد من حيرتك وشعورك باتساع الهاوية التي تقع تحت قدميك، فالفرق إذن يوجد في عقلية أولئك الذين يصفونهم بالعبيد. أسأل من جديد، عبيد لمن؟ ـ عبيد لأهل فلان. ـ وهل يتصرفون فيهم كما يتصرفون في بضاعتهم؟. ـ لا، لكنهم عبيد لهم، فقط. ـ وما دليلكم علي أنهم عبيدهم؟ ـ كل الناس يعلمون بذلك، حتي هم أنفسهم يعلمون ذلك لكنهم آبقون. ـ وما هي الشجرة التي اقتطعوهم منها؟ ـ لا تتعب نفسك وتتعبنا، فالعبودية موجودة، مهما قلت، تعوذ منها واحمد ربك أنك لست عبدا. ـ أنا أحمد ربي علي كل حال وأتعوذ من الشيطان الرجيم، لكنني لا أري شيئا تسمونه عبودية. ـ نحن كذلك لا نري، لأنه لم يعد بالإمكان بيع الشخص ولا شراؤه. ـ انتهي الأمر إذن! أجيبهم.ـ لا، لم ينته، فالعبد سيظل عبدا، مهما بلغ، وهؤلاء عبيد، لأن آباءهم كانوا عبيدا، وهم سيظلون كذلك ما لم يشتروا حريتهم أو يعتقهم أسيادهم لوجه الله. ـ مهما يكن، ألا تدركون أن آباءكم كانوا عبيدا، عبيدا للاستعمار، وهو أبشع عبودية وأقساها. ـ ذلك الاستعمار، وإن كانوا عبيدا للاستعمار فإنهم لم يعودوا كذلك ؟ـ كذلك هم، لم يعودوا عبيدا، وإن كنتم تشيرون إليهم بالبنان، إن هذه الأوصاف والنعوت محرمة، ولا يمكن لأحدكم أن يواجههم بهذه الكلمة. ـ من باستطاعته أن يحرمها، هل هم العبيد إذن؟ ـ حرمها القانون والدولة والشرع. ـ الدولة تحرم ما أحل الله؟!، العبودية واردة في القرآن: الحر بالحر والعبد بالعبد، ومن يعترض علي هذا يسير في طريق الكفر، لأنه سيحرم ما أحل الله. ـ لا، أبدا، أنا لا أحرم ما أحل الله، لكن العبودية التي ذكرت في القرآن وردت في سياق آخر وبشروط مختلفة. ـ نحن لا نفهم ما تقول، وإن كنا مقتنعين باستمرار وجود العبودية كما تقول. يجيب أحد الواقفين علي الضفة بانتظار وصول الزورق من الجهة الأخري، يتحلق حوله الآخرون ويرددون من فم واحد بصيغة استهجان: ـ هو هذا من أين جاء؟ جئت لاحرر العبيدـ جئت من موريتانيا، من إحدي جهات موريتانيا، بالتأكيد، أأبدو مختلفا؟ سألت بتحفز. أجاب أحدهم وكان أسمر اللون مفتول العضلات: ـ جئت إذن من موريتانيا، وستُفهم العبيد أنهم ليسوا عبيدا؟ أم أنك ستساوي بينهم وغيرهم من الأحرار؟ ـ بل جئت لأحرر الأحرار من عبودية عقولهم، أجبته بحنق. فانخرط بقية الحضور في موجة من الضحك، وهم يقولون من خلال ضحكهم بصيغة موحية: ـ كأنك تعتبر مولود عبدا إذن؟ حرت في الجواب، وأدركت أن في الأمر مكيدة، وقبل أن أرد متلافيا التوتر هوي عليَّ الأسمر الذي اتضح لي أنه هو مولود، وأمسكني من ذراعي بشدة وهو يقول مهددا: ـ سأريك من منا العبد، وسألقنك درسا لم يتعلمه (أحيمد).تدخل أحد الحضور لتهدئة الوضع ـ يبدو أن له سلطة علي مولودـ وربت علي كتفه وهو يقول: ـ اهدأ يا مولود، هو لم يقصدك، ولم يكن يعرفك، فلتسامحه ولتنسَ الأمر. ثم انتحي بي جانبا وهو يهمس: ـ اصعد يا أخي في الزورق، فهذا شخص جاهل ومتعصب، أجبته مندهشا: ـ لكنه كان متسرعا، أنا لم أكن أقصده ولو كنت أعرف لما كلمته أصلا. فأجابني ونحن في الزورق المتهادي علي الماء: ـ هذا يسمي مولود ولد بنجك، أخو (حليمة).ـ من تكون حليمة هي الأخري؟ ـ أنت لا تعلم إذن، وأنت تقيم هنا منذ سنتين! حسنا، حليمة هي أخت هذا السيد، وقد طردها من المنزل بالتمالؤ، مع بقية إخوتها بحجة أنها تزوجت عبدا، لا تفاجأ، فمثل هذه المسائل عادية هنا وتحدث بتكرار. ـ (أحيمد) إذن الذي ذكر هو زوج أخته؟ أجبت هامسا:ـ أش، أش، اخفض صوتك، نعم هو بالتأكيد، أجاب.ـ لكن، لا أري فرقا بينه وبين أحيمد هذا الذي يتحدث عنه، فهما يشتركان في اللون والانتماء. ـ أنت لا تفهم، هو هذا ـوأشار إلي خصميـ يعتبر نفسه أنبل أصلا وأعلي مكانة من أحيمد.ـ وما دليله علي ذلك؟ ـ الناس هنا تقول بأن أصل أحيمد ليس نبيلا، فحتي ولو كانت أمه حرة، فأبوه عبد رقيق. ـ حتي هذه العقليات ما زالت سائدة في هذه المنطقة! لكنني أري أحيمد يعمل ويتعامل مع الناس باحترام؟. أفصح، سألته، وقد بدأ صبري ينفد ونحن نشارف علي الضفة الأخري للسنغال. ـ ما يزيد المسألة تعقيدا كون الناس هنا تتحدث سرا عن ملكية أسرة أهل (أنكذي) لدم رقبة والد (أحيمد) وأسرة أهل (بنجك) تري نفسها أرفع مكانة من أسرة أهل (انكذي)، فكيف إذن يتزوج مملوك لهذه الأخيرة ابنتهم؟ ألا يعتبر هذا الأمر خطيرا؟.وصلنا الشاطئ الآخر دون أن أشعر، وإذا بالمحصل مادا يده كمن يستجدي، فقفزنا علي الشاطئ المنحدر ونحن نصعد بقوة دفع مضاعفة، عندما اعتدلنا أعلي الشاطئ وقفت لأسترجع أنفاسي اللاهثة بسبب مشقة الصعود، وإذا بمحدثي يمسك بيدي وينتحي بي جانبا وهو يقول: ـ لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، فالأخت أصرت علي الزواج من أحيمد، متحدية إرادة إخوتها ويقال بأنها صارحتهم بذلك قائلة: ـ سأتزوجه ولو كان يرسف في أغلال عبوديته، فأنا مطلقة ولم أعد بكرا، مما يعني أن وكالتي بيدي، لو كنتم تغارون علي شرفكم حقا وتبتغون لي المصلحة لشجعتهم زواجي منه، ويضيف محدثي بعد أن يتعوذ بالله: ـ فضحتهم وجردتهم من رجولتهم، خصوصا عندما ذكرتهم بفضله عليهم عندما أجابت أختها الأكثر إصرارا قائلة: ـ لو كان لدي أخي مولود مثقال ذرة من كرامة لقبل قدميْ (أحيمد)، فالفضفاضة التي يلبس من فضل أحيمد والعربة التي يستخدمها لنقل الحشائش مشتراة من نقود أحيمد. ثم وجهت الكلام إلي أختها قائلة: وأنت الأخري، لماذا لم تعترضي منذ أول يوم جاء فيه أحيمد؟ لماذا تتغاضين عنه مدة سنة كاملة من معاشرتي إياه في الحرام؟. اليوم فقط عندما عرض علي الحلال ترفضين؟ ما هذا التناقض؟ تفضلين لي العيش في الحرام بدل العشرة في الحلال؟ فلتعلمي أني سأتزوجه مهما كان، ولو سقطت السماء علي الأرض، ما هذه الحرية وأين الشرف الذي تدعون؟ أهي حرية المتخلف عن الركب، حرية من لا حرية له؟. ـ أجبته قائلا، وهو لا زال ممسكا بيدي: ـ يا لها من عاقلة، هذه هي عين الحكمة، فأجابني متخلصا من يدي: ـ أتعرف ماذا جري بعد ذلك؟ ـ لا، أجبته ـ لقد طردوها من المنزل، طردوها كما تطرد الكلاب، وقلبوا القدر الذي كانت تحضر فيه الطعام. ـ وزوجها، أين كان؟. ـ كان معها، لكنه لم يستطع التدخل، فهو المستهدف الأول ويدرك ذلك جيدا، لملم متاعه وخرج دون أن يفتح فمه بكلمة، حتي أنه لم يحل بينها وبين إخوتها الذين أخرجوها عنوة، لم تتدخل سوي والدتها الطاعنة في السن، ولا حول لها ولا قوة سوي شتم الأخوة والدعاء عليهم بالويل والنار، لأنهم لم يبالوا بذلك وسحبوا البنت التي ملأت المكان سبا وصياحا.. الجيران والمارة أقبلوا من كل صوب، تحلقوا بهم متفرجين، لا أحد منهم يتجرأ علي الاقتراب، فمولود مجنون ومغفل كما يقولون، وبعض الحاضرين كان يردد هامسا بأن هذا جزاء من اختارت العبودية بدل الأهل، عندما خرج زوجها أحيمد، لم يكن قد شاهده سوي قليل من الناس.. الذين لم يجدوه خمنوا قدومه منقذا زوجته ولو بإحضار الشرطة، لكنه لم يعد إلا وحده علي عربة تجرها خيل صهباء، أقبل ولم ينطق، انحني فقط علي الشنط ووضعها فوق العربة وأشار إلي زوجته أن تركب، فتمنعت في البداية، لكن بعض الحضور شجعها، فصعدت العربة بمعونة أحد الفضوليين، لكز (أحيمد) الحصان وانحدر به جانب النهر ثم سار بمحاذاته عدة أمتار، ليستدير شمالا إلي أعلي حتي وصل دارا قد أجَّرها في ذلك اليوم وأنزل أمامها الحمولة. تفرق الحضور بعد أن لم يعد هناك ما يغريهم بالتجمع، وفي أثناء عودتهم كانوا يسيرون جماعات، جماعات، يتحدثون ويعلقون علي ما حدث بصيغ مختلفة، لكن الجملة الوحيدة التي كانوا يتفقون عليها هي: إن أحيمد وإن كان عبدا كما يقال، فإنه اليوم أظهر أعمال الرجال الأحرار وهذا هو المهم!!!!. 7