دخل سالم بن عبد الله خال عمر بن عبد العزيز، على الخليفة سليمان بن عبد الملك بثياب رثة، فأكرمه الخليفة وأجلسه إلى جواره، فقال أحد المتأخرين في المجلس لعمر بن عبد العزيز: أما استطاع خالك أن يلبس ثيابًا فاخرة أحسن من هذه، ويدخل على أمير المؤمنين؟ فرد عليه عمر قائلًا: ما رأيت هذه الثياب التي على خالي وضعته في مكانك هذا، ولا رأيت ثيابك هذه رفعتك إلى مكان خالي ذاك”، إنه الدفاع الحار عن ذوي القربى إذا كان عن جدارة واستحقاق.
وبين يدي هذه السطور، حديث ذو شجون، عن داعية خاض فيه الأضداد، فقد سخط عليه بعض الإخوان، وبدّعه مدعو السلفية، وهو خارجي عند الجامية، ومتطرف رجعي لدى العلمانيين والليبراليين، وعدو للأولياء عند الصوفية، وناصبي تكفيري معادٍ لآل البيت عند الشيعة، ومتهاون عميل عند الدواعش والتكفيريين.
نتحدث عن العالم والداعية محمد سرور بن نايف زين العابدين، مؤسس تيار الصحوة، أو السرورية كما بدا لخصومه أن يطلقوا عليها، إذ انبرى ولده عبد الله بن محمد سرور ليوثق دفاعًا عن أبيه الذي يؤمن بمبادئه ودعوته، ويستعرض مسيرته العلمية والدعوية من البداية إلى النهاية، من خلال كتاب سماه “محمد سرور بن نايف زين العابدين.. سيرة ومواقف” أُهديتُ نسخة منه، لأجد نفسي مُبحرةً في حياة الرجل الذي تتفق معه أو تختلف، لكننا سنُجمع لا ريب على أنه قد أحدث تطورًا هائلًا في مسار الحركات الإسلامية. “كيف لولدٍ مكلوم أن يُعبر عن مشاعره الجياشة تجاه والده العالم الجليل الرباني، صاحب الفكر الناصع، والقلم الرصين، والنظرة الثاقبة والمواقف الفذة”، تلك إحدى العبارات التي تضمنتها مقدمة المؤلف الابن، تُنبئك بمقدار إحاطته بتفاصيل حياته ومنهجه، وهو ما لمستُه في الكتاب، وذلك على غير عادة كثير من أبناء العلماء والدعاة الذين يعيشون في شبه انفصال عن درب آبائهم. المؤلف لم يسرد سيرة والده فحسب، وإنما أبرز بوضوح منهج ذلك التيار الذي كثُر خصومه، ليكون توثيقًا مزدوج المسلك يُغطي مسيرة الدعوة والداعية. يرسم لك المؤلف لوحة فنية تصور المنشأ والمولد، يستدعي فيها عبق التاريخ، حيث قرية “تسيل” الحورانية بسوريا، ونهر العلان شديد القرب من نهر اليرموك، الذي يحدثك عن خالد بن الوليد وابن الجراح، وتل الجابية عاصمة الغساسنة، الذي شهد لقاء الخليفة عمر بجيش اليرموك بعد الواقعة، وتل الجموع الذي شهد انطلاقة صلاح الدين لتحرير القدس، ليبرز لنا كيف أثّرت البيئة بجغرافيتها وتاريخها في تكوينه ونشأته.
ومن تلك الأسرة شريفة النسب، ومن مناخ خشونة العيش وحياة الكرم ونبل الأخلاق، نبت محمد سرور، واحْتكّ في تعليمه المتوسط والثانوي بالمتدينين، وسط صراعات حزبية لاتجاهات شتى، لينضم آنذاك إلى جماعة الإخوان، ويتربى على يد رموزها أمثال مصطفى السباعي، وعلي الطنطاوي، وعصام العطار، ليصبح شعلة من النشاط الدعوي، إلى أن حدث انشقاق 1969 في صفوف الجماعة، تحت ضغط الواقع الصعب، ليبدأ في رحلة الهجرة إلى الديار السعودية. من أجواء الشيوعية والقومية والبعثية في سوريا، إلى حيث التدين السلفي، ومن الاهتمام بالثقافة الإسلامية العامة والواقع السياسي إلى التأصيل الشرعي والإبحار في كتب التراث، ذلك باختصار ما يعبر عن البيئة الجديدة التي انتقل إليها الشاب محمد سرور، الذي انبهر بتلك الأجواء الصافية، لكنه أخذ عليها خلوّها من شمولية المنهج الإسلامي، ومن هنا كانت الانطلاقة.
تيار يجمع بين الأصالة والمعاصرة، شمولي منفتح، يستوعب الآخرين ويتلاقى معهم بغير مزاحمة، ينبذ المسميات والتعصب للرايات الجزئية، وسطية بغير جنوح إلى الغلو أو التفريط، يدعو إلى توحيد الراية، يفضح مخططات الأعداء والطابور الخامس في الأمة، يكشف عوار الأنظمة الديكتاتورية، تلك بعض المعالم المنهجية لذلك التيار الناشئ بعد الانفصال الرسمي لمحمد سرور عن الإخوان، التي أشار إليها مؤلف الكتاب.
لاقت دعوته رواجا بين الشباب السعودي، وتأثرت بها شرائح واسعة، لكنه بذلك تجاوز الحد المسموح به والمتفق عليه سلفا بين الدولة وضيوفها من جماعة الإخوان، من الابتعاد عن استقطاب السعوديين، وعدم نشر تلك الدعوة بينهم، ليغادر بعد ثماني سنوات إلى الكويت حاملًا معه أروع الذكريات. انتقل الشاب الثلاثيني إلى الكويت عام 1973، ليجد بيئة أكثر انفتاحا، تضم تيارات إسلامية مختلفة، أبرزها الإخوان والسلفيون، وأشهر قلمه في تناول قضايا الأمة ونشر الوعي من خلال مجلة “المجتمع”، وأسس دار الأرقم لنشر العصارات الفكرية لكبار الكتاب، واهتم بمتابعة الاجتياح السوري الطائفي للبنان، بحجة حماية الفلسطينيين بالتنسيق مع الكيان الصهيوني، ومجازره في تل الزعتر وغيرها.
تيار السرورية يجمع بين الأصالة والمعاصرة، يستوعب الآخرين ويتلاقى معهم بغير مزاحمة
وكان محمد سرور صاحب أول الأقلام التي حذّرت من الثورة الخمينية ذات الطابع القومي المحمل على رأس طائفي، وصنف – باسم مستعار – في ذلك مؤلفه المشهور “وجاء دور المجوس”، وواجه صعوبات في طباعته ونشره وتوزيعه، نظرًا لميل معظم الدول العربية إلى تأييد الثورة آنذاك، إلى أن تبدلت العلاقات مع إيران، فذاع صيت الكتاب واستعان به واستفاد منه كبار علماء السعودية أمثال ابن باز في تحديد الرأي الشرعي تجاه ثورة الخميني.
تعرض الشيخ مرة أخرى للتضييق الأمني، فاتخذ قراره بالرحيل إلى لندن بعد 11 عامًا، وجّه اهتمامه بالجاليات العربية، وتم توسيع نشاط دار الأرقم هناك، وتأسيس مركز الدراسات الإسلامية لمواصلة نشاطه الدعوي، وأصدر مجلة “السنة” التي تناولت القضايا المعاصرة للأمة، ولاقت انتشارا كبيرا، وبعدها بسنة عام 1990حدث الغزو العراقي للكويت، فوقف موقفا وسطًا، إذ استنكر الغزو ورفض الاستعانة بالأمريكان، وحذّر من عاقبة ذلك ومآله وأثره اللاحق، ووافقه في ذلك دعاة الصحوة في السعودية أمثال العودة والحوالي والعمر وغيرهم، فوقف تيار الجامية الموالي للسلطة أمام محمد سرور ورفاق دعوته، ووجد التيار الليبرالي في ذلك فرصة كبيرة للنيل من هذا التيار، وركز الطرفان الهجوم على حملة هذا المنهج، ونتجت عنه اعتقالات واسعة في صفوف دعاة الصحوة، التي انتشرت كانتشار النار في الهشيم، فوجد نفسه في مواجهة السلفية الجهادية المتشددة، بعد أن دعا جبهة الإنقاذ الإسلامية الجزائرية إلى إلقاء سلاحها إثر صدامها مع الجيش الذي انقلب عليها بعد فوزها بالانتخابات، ورفض الفتاوى الشاذة لتيار السلفية الجهادية تجاه قتل المدنيين، ما عرضه لسخط هذا التيار. بعد سنوات من العمل والصراع مع المرض، كان الحنين إلى الديار الأولى، فنزل إلى الأردن ليكون قريبا من مسقط رأسه، لتلوح له في الأفق فكرة السفر إلى قطر، وهناك كان الترحاب والتبجيل وحسن الضيافة، إلى أن سكن ترابها.
أجد نفسي في نهاية المقال لم أقدم إلا لمحات من ذلك الكتاب، الذي جمع بين البعد الإنساني ورقة المشاعر التي تجيش بصدر ابن فقد والده القدوة والمثال، والسرد المرتب الواضح لمسيرة الشيخ محمد سرور ودعوته، لكنه جهد المقل، رحم الله رجالات الأمة ومصلحيها، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
كاتبة أردنية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اقدم شكري واعتزازي لتناولك سيرة هذا الشيخ والاديب والفقيه الجليل، الذي لم اقرأ عنه من قبل، فمقدمتك عنه سيدتي اثارت قريحتي للبحث عنه والقرأة له حتى ابحر في افكاره التي استشهدتي بها، وانا اثق بما تدلين به دائما. فجزاك الله كل الخير راجين منك ان تسردي لنا مزيد من الاعلام الذين للاسف نجهلهم، لا لقلة شهرتهم او لعلمهم ولكن لتقصيرنا نحوهم. فنسأل الله العفو والمففرة.
هل بشير زين العابدين – كتاب ” الجيش والسياسة في سوريا” ٢٠٠٨ نشر دار الجابية
والذي يمكن اعتباره من اكثر الكتاب توثيقا لموضوع معقد عن سوريا حتى ٢٠٠٧. هو من نفس الاسرة الكريمة الفاضلة؟
كتب بموضوعية وبدقة ولا استبعد ان يكون من نفس الاسرة
نعم بشير زين العابدين هو أبن الشيخ محمد سرور زين العابدين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نعم بشير الذي ذكرته يا اخي هو نجل الشيخ محمد سرور بن نايف زين العابدين وهو شقيق عبدالله الذي تناولنا في المقالة كتابه عن والده..
نسأله تعالى أن يوفقنا واياكم الى ما يحب ويرضى ..
لقد سمعت عن هذا الداعية والذي نسبت إليه الدعوة السرورية فاليه يرجع الفضل بعد الله إلى إحياء كثير من السنن ولكن كما هو معروف فهذه الأمة تريد أن يكون رجالاتها وقدوانها كلهم نكرة لك أختاه جزيل الشكر على هاته الأطلالة البسيطة لحياة هذا الداعية
بارك الله فيك أستاذة إحسان لما تقدميه من دفاع مستميت خدمة للإسلام وأهله .
فكل حرف تكتبيه يحيي فينا كرامة المسلم ويغرس في قلوبنا نبتة الأمل أن لهذا الدين جنوداً أوفياء بعد تخاذل البعض .. أدام الله عليكِ نعمة الإسلام ونعمة العلم .. كل التحية
كيف ممكن الحصول على الكتاب