عندما عدّد الرحالة والعلامة والرياضي والصيدلاني والفلكيّ أبو الريحان البيروني (ت 1050 م) «الطبقات التي يسمّونها ألواناً وما دونها» في معرض كتابه «تحقيق ما للهند من مقولة في العقل مقبولة أو مرذولة»، ذكر «علياها» أي «البراهمة»، المولودين من رأس الإله «براهما»، و«الكشتريا» المنبثقين عن مناكبه ويديه، وطبقتين أخريين ولدتا «من رجلي براهما». لم يميّز البيروني كثيراً بين هاتين الطبقتين «الأخيرتين المتقاربتين» كما وصفهما، وانتقل مباشرة للحديث عمّن دون هؤلاء مرتبة، الذين ليس لهم مكان في الطبقات الأربع «التي يسمّونها ألواناً»، وتعهد لهم بـ«رذالات الأعمال». إلا أن البيروني يعود فيميّز في صفحة تالية بين الطباع المرغوب أن يتخلّق بها أبناء كل من هذه الطبقات الوراثية التراتبية الأربع التي ينقسم إليها المجتمع الهندوسي (طبعاً لم يجمل البيروني مجمل هذه الطبقات بتسمية دينية جامعة «الهندوسية»، لأنّ هذا لن يكون أمراً مفكّراً به قبل استحداثه في مطلع القرن التاسع عشر) ذلك أنّه «كل من هؤلاء إذا ثبت على رسمه وعادته نال الخير في إرادته». فحسب الأثر البراهماني الذي يستعين به البيروني، على المتحدر من طبقة الكهّان، البراهمة، أن يسعى ليكون «وافر العقل، ساكن القلب، صادق اللهجة، ظاهر الاحتمال، ضابطاً للحواس»، مؤثراً للعدل، بادي النظافة، مقبلاً على العبادة، مصروف الهمّة إلى الديانة»، فيما يتوجب على المتحدّر من طبقة الأمراء والفرسان، «الكشتريا» أن يكون «مهيباً في القلوب، شجاعاً متعظّماً، ذلق اللسان، سمح اليد غير مبال بالشدائد حريصاً على تيسير الخطوب»، وأن يكون «البيش» (الفايشيا)، «مشتغلاً بالفلاحة واقتناء السوائم والتجارة»، في حين يفترض بالمنتمي إلى طبقة «الشودرا» أن يكون «مجتهداً في الخدمة والتملّق». من دون الشودرا منزلة لا حاجة له أساساً، وفقاً لهذا التصنيف، للتخلّق بأي طبع يعود له بالخير.
بعد ألف عام على إيراد البيروني لهذا التصنيف على هذا النحو، ينهض مفكّر من تلنغانا (الولاية الجنوبية المستحدثة عام 2014، وعاصمتها حيدر اباد التي كانت حتى أواخر الأربعينيات من القرن الماضي مركزاً لدولة سلالة «نظام الملك») هو كنجا ايليا للتنبيه إلى أنّ رابعة الأربعة في التسلسل الهرمي للطبقات الدينية الهندوسية، «الشودرة»، تلك التي لم يميّز البيروني كثيراً في الأعمال والسكن بينها وبين الطبقة الأعلى منها كعباً، وإنمّا ميّز في الطباع المرغوبة أن تكون لها، هي في آن واحد أكثرية الهنود، وأكبر جماعة في العالم اليوم، 650 مليون نسمة، أي ضعفي سكان الولايات المتحدة، وثلاثة أضعاف سكان باكستان والبرازيل، لكن تمثيلها متواضع للغاية في مختلفة جوانب الحياة بالهند، ومستلبة تماماً على الصعيد الديني للبراهمة. فما من «شودري» مسموح له أن يصير كاهناً، والشودرا هم في الوقت نفسه خزان التديّن المتصّلب والعدواني في المجتمع. يشدد كنجا ايليا الذي ينتمي إلى هذه «الطبقة الوراثية»، بل قل أكبر «طائفة ـ طبقة» على وجه الأرض، على أنّه من الصعوبة بمكان أن تجد مثقفين شودريين يمكنهم أن يتكلموا عن الجماعة وموقعها الإجتماعي والسياسي، وفي أحسن الأحوال يقتصر حضور هؤلاء في النطاقات المحلية، واللغات الإقليمية، وبإنقطاع عن النقاشات الرئيسية التي تشمل عموم الهند.
وما يزيد الطين بلّة أنّ الإهتمام انصبّ في تاريخ الهند الحديثة، وفي الأكاديميا والميديا، على من هم «خارج الطبقات الأربع»، أي المنبوذين من «نظام الكاست»، والمصنفين على أنهم «الداليت».
غاندي المنتمي الى طبقة التجار، كان مقتنعاً بالهيمنة الضمنية لطبقة المتحدرين من الكهنة، البراهمة، وهيمنة «حزب المؤتمر» الطويلة على البلاد، باسم التحرر الوطني ثم الاشتراكية، غلفت الى حد كبير استمرار الهيمنة البراهمانية
لقد برزت القضية «الداليتية» في الهند، وكان رائدها المصلح الإجتماعي وأحد صائغي دستور البلاد، ب.ار. امبكدار. ساهم امبدكار في منح المنبوذين، الداليت، هوية كفاحية خاصة بهم، بل شخصية روحية، حين دعاهم للقطيعة مع الهندوسية نفسها بوصفها نمط تسيّد البراهمة على الآخرين، واعتناق البوذية، وهو ما سار عليه هو شخصياً، وكشف عن رياء غاندي فيما يتصل بحرص الأخير على نظام «الكاست».
لم يحدث شيء من هذا القبيل بالنسبة إلى الشودرا. الى وقت قريب كان المساهم بإثارة النقاش حول هذه الطبقة ـ الطائفة اليوم، كنجا ايليا، يدعو جماهيرها للإندماج بالمنبوذين، ويصنّف نفسه هو الآخر «داليتياً»، إلى أن شعر بأنّ الحركات المنتمية إلى الداليت لا ترحّب أبداً بهذا الأمر، وتشتبه به نزعة لمصادرة هويتها وتاريخها الكفاحي من أجل تغيير أوضاعها: «الشودرا» اليوم غير ميسّر لهم حتى أن يكونوا «منبوذين». لا مرئيتهم نافرة.
قبل ألف عام من تاريخه، لم يتحدّث البيروني طبعاً عن «الكاست» برسمها، لأنّ المصطلح الإسباني ـ البرتغالي، والذي استخدم في أمريكا على أنه يفيد «العرق» لم يكن قد وطأ بعد أرض الهند، ليدمج كل من التقسيم الميثولوجي الشامل للمجتمع إلى أربع طبقات «ألوان ـ فارنا» (الكهنة، الأمراء، التجار وأصحاب الصناعات، الشغيلة والخدم) وبين ما تتفرّع إليه كل واحدة من هذه الفئات ويبلغ «3000» جاتي، وهي «الكاست» بالمعنى الملموس في الهند، أي المجموعة التي يرغب في حصر الزيجات داخلها. يستغرق تاريخ الهند المعاصرة في مساعي هذه الجاتي أو تلك، على مدار الوقت، في أن ترفع من درجة تصنيفها الهرمي من «فارنا» إلى أخرى، إن تمكنت من السير قدماً بسرديتها، وجعلتها قابلة للتسويق. في الزمن الكولونيالي إذا جعلتها قابلة للإدراج في تصنيفات الإحصاء، وفي زمن ما بعد الإستقلال اذا نجحت بتضمنيها في التصنيفات التي تحوز أو لا على «تمييز إيجابي» لصالحها.
تتألف «الشودرا» مثل سواها من «الفارنات» من آلاف الفئات المتفرّعة أو «الجاتي»، وغالباً ما يدغم الهنود بين الحديث عن «الكاست» بالمعنى الشامل، الفارنا، وبين تناولها بالمعنى المحلي، الجاتي. لطالما سعت «الجاتيات» الأعلى مرتبة ضمن «الشودرا» للإنشقاق عن هذا الإنتماء الإثني ـ الديني، وإعادة صياغة سردياتها، ومحاكاة النموذج الأخلاقي ـ السلوكي للبراهمة، ومن مثل هذا تبني نظامهم النباتي بحرفيته. ما كان مرغوباً في الأصل من البراهمة أنفسهم أن يتبنى نباتيتهم سواهم، ثم كان السعي إلى تعميمها في أواخر القرن التاسع عشر، في إطار النزعات الإحيائية الهندوسية والمستنفرة تجاه المسلمين (انطلاقاً من حركة «حماية الأبقار»)، المتمركزة حول نظرة البراهمة لتاريخ شبه القارة وتصنيف الطبقات الوراثية.
«أين الشودرا؟» بهذا العنوان اختارت مجلة «كارافان» التقدمية الهندية التي تصدر باللغة الإنكليزية أن تكرّس في تشرين الأول/اكتوبر الماضي ملفّها الرئيسي إلى كنجا ايليا. للأمر في الهند حيثيتان سياسيتان أساسيتان. أولها، ما تبيّن بعد عقود على «تقرير لجنة ماندال» أواخر الثمانينيات، الذي وجّه السياسات الحكومية بإتجاه منح «كوتا» لـ«الطبقات المهمشة الأخرى»، أي بشكل أساسي للشودرا (في حين يشار في الوثائق الرسمية لمن هم خارج الطبقات الأربع، بـ«الطبقات المدرجة» بالنسبة إلى المنبوذين، و«القبائل المدرجة» بالنسبة إلى «الآديفاسي»). تبيّن أن الكتلة الأساسية من الطبقة الرابعة، الشودرا، لا تزال مستثناة عملياً من كل ما يفترض أنه منح لها، من حصة في الوظائف الحكومية وفرص التعليم العالي، وأنّ فئات من خارجها تسلّلت إلى هذا التصنيف لتأخذ منها معظم هذه الوظائف، في حين أن مجموعات من «الشودرا العليا» التي استثنت نفسها أواخر الثمانينيات من اطار «الطبقات المهمشة الأخرى» عادت اليوم تطالب بإعادة إدراجها في هذا الباب، نظراً لإعادة تعطّل السلّم الإجتماعي بالنسبة لها، خاصة وأنّ الفئات الأكثر ثراء من الشودرا بقيت تعتمد على الإقتصاد الفلاحي.
الحيثية الثانية التي يتوقف عندها ايليا أنّ رئيس الوزراء الهندي نارندره مودي، الزعيم القومي الديني اليميني، يدّعي انتساب طبقته المحلية «المود غانشي» الغوجاراتية إلى الشودرا، في حين أنه سابقاً كان يصرّ على انتمائها الى طبقة «بانيا»، أي التجار. ينتمي نارندره مودي في التقسيم الهندوسي إلى نفس «الكاست» التي يتحدر منها المهاتما غاندي، مع فارق مهم يقترحه علينا كينجا ايليا، هو أن غاندي المنتمي الى طبقة التجار، كان مقتنعاً بالهيمنة الضمنية لطبقة المتحدرين من الكهنة، البراهمة، وهيمنة «حزب المؤتمر» الطويلة على البلاد، باسم التحرر الوطني ثم الاشتراكية، غلفت الى حد كبير استمرار الهيمنة البراهمانية، في حين ان القوميين الدينيين من «حزب بهاراتيا جاناتا» يفككون الصدارة البراهمانية، صحيح، لكن لصالح «كاست» التجار، وخصوصاً «البانيا»، وهم الطبقة الثالثة في «الفهرست الرباعي» الهندوسي.
كاتب لبناني
اقل ما يقال : رائع
يقال ان الاريين القادمين من خارج الهند هم من
.
وضعوا هذا التقسيم الطبقي الصارم حتى يبقوا
.
متعاليين متحكمين في السكان الاصليين الذين
.
تذيلوا اسفل المراتب شكرا لك سيد وسام سعادة
.
على غوصك بين الحين و الآخر في تاريخ الهند
.
تحياتي
رغم اني لست شيوعيا ولكن لو كان للشيوعية دور مهم في الهند لتغيرت الامور في ذلك البلد بشكل مهم واستثثنائي