دوما ـ «القدس العربي» «كان شيئا لم يشبه أي شيء آخر، لم يكن هنالك أبشع من روائح الجلد المحروق بعد سقوط القذائف إلا رؤية الناس في عريّها ماثلة أمام عينيه كما يوم الحشر، أشعلت سيجارتي، ووصل بي الحد لأن أشعر بالذنب لأنني لازالت حياً بين كل هذه الجثث الملقاة من النساء والأطفال والرجال»، هذا ما رواه لنا جهاد في ذكرى «مجزرة الكيميائي» التي حصلت في الغوطة الشرقية العام الماضي.
وعلى الرغم من أن جهاد من دوما، استطاع حينها مرافقة فريق طبي بجمع عينات من صاروخ كيميائي وكبد طائر ميت والثياب والجثث، وتهريبها إلى خارج الغوطة بعيدا عن أعين النظام السوري، في رحلة خطرة استغرقت 15 يوما، «لكن تهريب هذه العينات لم تؤت ثمارها حتى اليوم بسبب التخاذل» بحسب أحد أعضاء الفريق الطبي.
بداية القصة
يروي لنا جهاد الناجي من مجزرة الكيميائي في الغوطة القصة لـ»القدس العربي» حينما «كان متواجداً في منزله بدوما عندما بدأت الناس تصرخ مخبرة عن وقوع المجزرة ، ليتوجه مسرعا بصحبة أصدقائه إلى مدينة زملكا بهدف تقديم المساعدة، بعد أن وضعوا كماماتهم على وجوههم».
يقول: «إن أكثر من 90٪ من الحالات التي رأيناها تتوافد إلى النقاط الطبية أصبحت في تعداد القتلى»، مستحضرا أقسى المواقف التي مرت أمام عينيه عندما كان يرى الطفل المستنشق غاز السارين وهو يرجف ويحتضر».
هذا أصعب ما مر به جهاد، «أحسست بروحي تصعد قبل روح الطفل الذي يحتضر، ولم نستطع حينها فعل أي شيء سوى الوقوف مصدومين بداية الأمر وبعد استيعاب الأمر صعدنا إلى المنازل وكسرنا الأبواب لإخراج الضحايا والمغمى عليهم». يصف جهاد المكان بقوله «لم يكن هنالك أبشع من روائح الجلد المحروق بعد سقوط القذائف، إلا رؤية الناس في عريّها ماثلة أمام عينيه كما يوم الحشر»، موضحا «لم نفكر لا بوضع الرجال والنساء داخل بيوتهم ولا ما هو مكشوف أو مغطى، أشعلت سيجارتي ونظرت إلى أصدقائي نظرات مبهمة فلم استوعب أي شيء».
وصل الأمر بجهاد لأنه يشعر بالذنب لأنه مازال حياً بين كل هذه الجثث الملقاة من النساء والأطفال والرجال، فقد شاهد مسبقا مصابين بضربات كيماوية في جوبر وعدرا لكن الذي رآه في «مجزرة الألفي شهيد» لم يره في مكان آخر، متابعا «هذا شيء أكبر من الحقد والكراهية وأعجز عن تسميته».
عيّنات
في اليوم الثاني مباشرة من وقوع للمجزرة، قام جهاد برفقة الطبيب ياسر الشامي وكادره الطبي في الغوطة الشرقية بجمع عينات من صاروخ كيميائي مرمي على رأسه على الأرض، كانوا حذرين عندما سحبوا قطعة منه خشية من سقوطه على الأرض قبل انفجاره، بالإضافة لعينات من كبد طائر ميت، وعينات من الثياب والجثث قاموا بوضعها ضمن «كونيتير» أي جهاز حافظ للبرودة كي لا تفسد، فيما حفظوا العينات ضمن ثلاجة لضمان سلامتها.
وعن المكان الذي تم فيه دفن ضحايا المجزرة في بلدة حزة في الغوطة، يقول جهاد بخجل: «تم دفنهم بطريقة مخزية، حيث رأى يد فتاة خارجة من القبر ولم يتم دفنها جيداً وكذلك رأى قدم رجل آخر»، متابعا «تم رمي الجثث فوق بعضها البعض»، مبرراً ذلك بكثرة عدد الضحايا والجرحى مقارنة بعدد المسعفين والمسؤولين عن الدفن.
جهد كبير بذله جهاد ورفاقه أثناء جمعهم عينات المجزرة الكيميائية قبل دخول فريق المراقبين الدوليين إلى المنطقة للاستقصاء عن الموضوع، وهذا الأمر الذي جعلهم يسارعون لتأمين طريق إلى خارج الغوطة الشرقية لإيصال العينات المذكورة، بعد مرور شهر على المجزرة بسبب انتظارهم لتأمين طريق سفرهم. يوضح أن «كل عينة كانت متواجدة داخل كيس عندما خرجت أنا والطبيب ياسر وكادره من البلاد، بعد أن كلفتنا ما تسمى الهيئة الطبية العسكرية بتمثيلها في الخارج، كما نسق أحد الأطباء المرافقين لنا مع السفارة الفرنسية وجهات أخرى».
وحول طريق الخروج من الغوطة، يروي لنا جهاد أنهم «خرجوا تهريب عبر طريق بعيد عن أعين قوات أمن النظام السورية»، مبينا أن الرحلة كانت شاقة جداً واستغرقت 3 أيام مشياً على الأقدام، لكن ما جعل رحلتهم بالغة الخطورة هو تخوفهم من أن تفسد العينات التي في حوزتهم أثناء الطريق ما لم يصلوا في الوقت المحدد.
نقطة الخروج
من بلدة البحارية كان الموعد المنشود لخروج جهاد والفريق من البلاد، الفريق كان مؤلف من مئة وثلاثين شخصا، أحدهم كانت قدمه مصابة والآخر كان على النقالة، مشوا على أقدامهم 3 أيام، فيما بقيت العينات داخل «الكونتيتر» حافظ البرودة كما وضعوا ثلجا بداخله.
عند الساعات الأولى للرحلة انفجر لغم بأحد الشبان الذين كانوا ضمن القافلة وجلس جهاد ورفاقه على الأرض مدة ساعة كاملة يفكرون بما يجب فعله حيث كانت الرحلة ستلغى، وهنا تبرع أحد الشبان بالعودة بجثة الشاب وهو عسكري منشق عن جيــــش النظام السوري من دير الزور وأكملت القافلة طريقها، وبما يشبه «النمـــل» تابعوا المسير صفاً واحداً وراء بعضهم البعض، كل فرد منهم عينيه مصوبة على قدمي الشخص الذي أمامه، لأنه لو خرج أحدهم مترأ عن الخط من الممكـــن أن ينفجر به لغم كما حدث بداية الطريق.
وكان الأمر الأكثر صعوبة بحسب جهاد، هو الشخص الممدد على النقالة، حيث كان كل من في الرحلة يتناوبون على حمله في البداية لكن المعظم بدأ يتهرب من حمله بعد منتصف الطريق، كما أن الزوادة المخصصة للرحلة «التمر والماء» قاربت على الانتهاء فيما بعد لأن الرحلة استغرقت اكثر مما توقعوا، أي مدة 15 يوماً وكاد الكثير منهم أن يموت عطشاً وجوعاً.
يتابع، كان الطقس حارا جداً و»صار الشاطر يلي بيخبي المي عن رفيقو، برغش ودبابير كأننا في جهنم وليس في طريق»، ويصف جهاد هول الموقف عند وصولهم إلى مكان وقف فيه الدليل على الطريق ليخبرهم بأن هنالك مرحلة تدعى مرحلة الخطر، وبدأ الجميع ينطق بالشهادة استعداداً للموت، حيث كان
على يمينهم نقطة تابعة لقوات النظام وعلى يسارهم مخافر لشرطة النظام، لكنهم تابعوا المشي لمدة خمس ساعات وسط الأهوال والمخاطر.
وصلنا بأمان
وفي هذه المرحلة بحسب جهاد «أصيب بعض الأشخاص بإغماء وبعضهم بكى»، وما لبثت طائرة الهليكوبتر التابعة للنظام تحلق وتغور فوق رؤوسهم لدرجة أن دليل الرحلة الذي يفترض أن يكون معتادا على الطريق أن نطق بالشهادة استعداداً للموت.
وكي لا يراهم الطيار «مكثوا مدة نصف ساعة على الأرض، وبدأ الدليـل يخبرهم أن عليهم أن يخلعوا كل ما يمكن أن يلمع في ثيابهم ويديهم سواء كانت ساعة أو أي شي آخر، وهنا كاد جهاد أن يسقط رعباً، وبدأ يشعر بالندم على قيامه بتلك الرحلة التي كان من الممكن أن يخسر حياته من أجلها، كما كانت خسارتهم للعينات محتملة جداً في هذا الطريق».
وصلوا أخيرا إلى «بئر القصب أو بر الأمان» كما يسميه جهاد ، وتم حمل المصابين وأخذهم إلى الدراجات وهنا افترق أعضاء القافلة، وبقي الطبيب ياسر الشامي وفريقه الطبي لإتمام مهمتهم.
بدوره، قال الطبيب ياسر الشامي إنه: «كان أرسل عينات عن المجزرة قبل خروجه من الغوطة الشرقية إلى المخابرات الفرنسية في العاصمة الأردنية عمان لكن بعض المخابرات الأردنية باعتها للروس مقابل آلاف الدولارات».
وعندما وصل الطبيب ياسر الشامي مع الفريق الطبي إلى معبر باب الهوى شمال سورية، قام بالتواصل مع «إيرك» مسؤول السفارة الفرنسية في تركيا وأخبره بوصولهم فطلب منهم إرسال العينات مع أحد الوافدين الذي خصصه لتلك المهمة، ووطلب منهم أن يعودوا من حيث أتوا، لكنهم رفضوا. وبعد الخلاف الحاصل مع الفرنسيين على معبر باب الهوى وإصرارهم على تسليم العينات وعودة الفريق إلى سورية لجأ الطبيب الشامي لكتيبة أحرار الشام من أجل حمايتهم، وبالفعل قدمـــوا لهم المساعدة للدخول إلى تركيا، حيث تم تسليم العينات للفرنســـيين بعد مفــاوضات.
فرنسا تنكر
يوضح الشامي أن فرنسا الآن تنكر استلامها للعينات، و»لم نستطع بعد كل هذا العناء الحصول على نتائج تحليلها، وإلى الآن وبعد مرور سنة كاملة بقى الموضوع قيد البحث لكن دون فائدة»، مشيراً إلى أنهم برحلتهم تلك قاموا بتوفير آلاف الدولارات على المخابرات الفرنسية لدراسة عينات كيميائية ملتقطة حديثاً ومعرفة مدى خطورتها، فهم لا يأبهوا لما فعله الغاز بآلاف السوريين.
ويشير الشامي إلى أهمية العينات المأخوذة من قبلهم مقارنة مع عينات المراقبين الدوليين الذين قدموا إلى زملكا لفترة وجيزة لا تذكـــر بعد مضـــي شهـــر على المجزرة، إذ أن العينات التي سلموها إلى فرنســـا تم جمعها بعد مرور يوم واحد على الحادثة، وهذا ما لم يستطع القيام به فريق المراقبين بالإضافة لقيام الشامي وفريقه بسحب العينات من كبد طائر ميت وكبد جثة مدفونة بعد الاستئذان من أهلها، وهذا أيضاً لم يستطع المراقبون الحصول عليه في عيناتهم.
1700 ضحية
وكان الائتلاف الوطني المعارض سجل في نهاية سنة 2013 ما يزيد عن 1700 ضحية جراء قصف الغوطة بالكيميائي معظمهـم من النساء والاطفال بالإضافة إلى أكثر من ستة آلاف مصاب.
وفي إحصائية للجان التنسيـق المحلية، أشارت فيها أنّ عـدد الإصابات بتلك المـجزرة قوبل بالزيادة الى 7000 مصاب، في ظل النقص الحاد بالأدوية من الأتروبين وعبوات الأوكسجين ومواد الإسعاف في المشافي الميدانية ضمـن مناطق الـريف الدمشقي.
ومما لا يمكن تجاوزه هو الحصار الخانق من قبل قوات النظام السوري على مداخل الغوطة الشرقية والتي تقوم بتنفيذ عمليات الإعدام الميداني لكل من يحاول إدخال مواد طبية إلى المناطق المحاصرة وهو ما يعني صعوبة شديدة في حصول المصابين على الأدوية ما أدى إلى إبطاء شفائهم وتفاقم حالتهم.
وكانت المنظمة السورية لحقوق الإنسان حذرت من ارتفاع حـصيلة الضحايا لتتجـــــاوز عدد 3000، مشيرة إلى أن الإحصاءات الأولية لمصابين مجـــزرة الكيميائي شملت من تمّ إسعافهم وممن كانوا في الملاجئ ، فيما لم تشمل الأسر والعوائل التي تم اختنـــاقها ضــــمن المنزل ولا زالت أبواب منازلها موصـــدة تــحول بين الوصول إليها.
وبحسب شهود عيان كان النظام السوري قصف حينها المنطقة المستهدفة بالكيميائي بشتى أنواع الصواريخ والقذائف الأخرى ما أرغم الناس على النزول للملاجئ لضمان سلامتهم وهذا الشيء أسهم في ازدياد عدد الضحايا البشرية والمادية على اعتبار أن غاز السارين أثقل من الهواء.
نوران النائب:
لا أ دري بماذا سوف يعلق مؤيدي الأسد على هذا التقرير
هل أصبح الشعب السوري بنظر النظام حشرات
لماذا لم يجربها على اسرائيل
الذي اتضح لي وللكثيرين أن تسليح النظام كان ضد شعبه وليس اسرائيل
ولا حول ولا قوة الا بالله
لم اكن في يوم من الأيام اعتقد انه في نظام يستخدم الكيماوي ضد ناس مدنيين مهما كنت الظروف سواء أبناء شعبه أو مواطنون دولة في حالة حرب مع دولة إخرى بل حتى ضد جيوش الدولة العادية حتى تاريخ جريمة االغوطة. شكرًا لك .
يالله
يامن صعدت إليك كل تروح الأرواح البرية في تلك الساعات الحالكة يامن سمعت أنات الجرحى وعويل الثكالى والايامى انتقم منهم يالله وأرنا بهم عجائب قدرتك
إنك على كل شي قدير
مقال اكثر من رائع وحقيقي بكل ماجاء به مكتوب ومدروس بطريقة جميلة وملفتة شكرا لنقل حقائق يخاف الكثير من نقلها
مقال يحمل معاني المجزرة باكملها
مقال اكثر من رائع وحقيقي بكل ماجاء به مكتوب ومدروس بطريقة جميلة وملفتة شكرا لنقل حقائق يخاف الكثير من سردها