التفعيل الأمريكي لآلية الزناد

فشلت الولايات المتحدة قبل أيام في تمرير قرار كانت قد أعدته، يتضمن عدم رفع حظر توريد السلاح من وإلى إيران، الذي سيتم رفعه في الثامن عشر من شهر أكتوبر المقبل، حسب ما ورد في الصفقة النووية بين الدول الكبرى الست مع إيران، التي أبرمت في يوليو 2015.
فشل الولايات المتحدة في تمرير قرارها، شكّل إشارة واضحة لعزلة الولايات المتحدة، وتراجع تأثيرها في المحيط الدولي، حتى لأقرب حلفائها من دول الاتحاد الأوروبي، فرنسا وألمانيا وبريطانيا. الولايات المتحدة التي أصابها هذا الإخفاق بالهستيريا، ما دفعها إلى توزيع الاتهامات حتى لحلفائها في حلف الناتو، بوصف موقفهم هذا، وعلى لسان بومبيو وزير الخارجية الأمريكي، بالمخيب للآمال، واتهمهم بالانحياز إلى آيات الله، على حد وصفه، من جهة، ومن جهة أخرى أوضح أن إعادة فرض العقوبات على إيران، أي تفعيل «سناب باك» في خطة العمل المشترك.. سيتم على الرغم من اعتراض الآخرين، وهنا يقصد روسيا والصين وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، هذه الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، كانت قد أعلنت موقفها، بمعارضة تفعيل الزناد الوارد في خطة العمل المشتركة بين إيران والدول الست الكبار؛ واصفة العمل الأمريكي بأنه لا يستند إلى سند وذراع قانونيين، يسمح لها بإعادة تفعيل «سناب باك» لأنها كانت قد انسحبت من الصفقة النووية في وقت سابق، قبل ثلاث سنوات.

التفعيل الأمريكي لآلية الزناد للعمل المشترك في الصفقة النووية الإيرانية، سيقود إلى الانقسام في مجلس الأمن الدولي

وزير الخارجية الأمريكي، قدّم طلبا وشكوى ضد إيران إلى الأمم المتحدة، كون إيران قد اخلّت بالتزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق النووي، على اعتبار أنها زادت كمية اليورانيوم المخصب المسموح لها فيه، والبالغ 8/202 إلى اكثر من1571، إضافة إلى اختراقات أخرى، من وجهة النظر الأمريكية أو التقييم الأمريكي، التي تنفيها إيران، أو لا تعتبرها خروجا على ما جاء في الاتفاق النووي. الدول الأوروبية الثلاث، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تعتبر زيادة مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، خروجا على ما ورد في الصفقة، وحثت إيران وفي عدة مرات بالعودة إلى التزاماتها ببنود الصفقة. رئيس المنظمة الدولية للطاقة النووية، أعلن عن زيارته إلى إيران، بصحبة فريق عمل؛ لتفتيش المواقع النووية الإيرانية، وحث إيران على السماح بدخول فرق التفتيش إلى موقعين، لم تسمح إيران بتفتيشهما من قبل فرق التفتيش، التي يشتبه في أنها تحتوي على نشاطات نووية إيرانية مخالفة للاتفاق النووي. وقد تمت الزيارة، وحسب إيران أن المباحثات بينهما كانت بناءة. التوقيت هنا مثير للريبة، لناحية، ربما، الاستثمار الأمريكي لما سيتمخض عنها.. تفعيل «سناب باك» حسب الطلب الأمريكي سوف يستمر لمدة 30 يوما، بعد انقضائها، إذا لم يصدر قرار من مجلس الأمن بالضد منه، أو يلغى هذا التفعيل، يصبح ساري المفعول، أي تتم إعادة فرض العقوبات الدولية على إيران، التي علقت أو أُلغيت منذ عام 2015، وهو عام إبرام الصفقة بين إيران والدول الكبرى الست. هنا تبدأ المشكلة التي سوف تقود حتما إلى انشقاقات في مجلس الأمن الدولي. بقية الدول الكبرى تعارض إعادة فرض العقوبات على إيران، مع أن موقف الدول الأوروبية قد يتغير بفعل الضغط الأمريكي عليها؛ لضغطين قد تستخدمها الولايات المتحدة الامريكية؛ الأول ما سوف يأتي به، ربما في غير صالح إيران، رئيس المنظمة الدولية للطاقة النووية، لكن مع هذا، ربما تلعب إيران لعبتها البراغماتية، في تفويت تلك الفرصة على الولايات المتحدة، وعلى مسؤول المنظمة الدولية للطاقة النووية، بافتراض أن هناك هدفا مبيتا لزيارته؛ بالسماح لفرق التفتيش بالدخول إلى الموقعين آنفي الذكر. والثاني الزيادة الإيرانية لمخزونها من اليورانيوم المخصب عن الحد المسموح به لها في بنود الاتفاق النووي.
في جميع الأحوال إن تفعيل العقوبات على إيران، ربما، يأخذ طريقه إلى العمل به، للسببين سابقي الإشارة، في حالة انصياع الدول الأوروبية، للإرادة الأمريكية؛ في تفعيل آلية الزناد، أو الوقوف على الحياد، أي عدم التحرك في رد الطلب الأمريكي. في هذه الحالة، ستضطر الصين أو روسيا، أو كليهما؛ في صياغة قرار، يلغي الطلب الأمريكي على أساس قانوني، يستند إلى عدم أحقية الولايات المتحدة في تفعيل «سناب باك» لأنها قد انسحبت من الصفقة قبل ثلاث سنوات. هذا القرار أي قرار روسيا أو الصين أو كليهما؛ لن يُقرر في أروقة مجلس الأمن الدولي؛ حتى إن حصل على الأغلبية من أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر؛ باستخدام الولايات المتحدة، عندها، حق النقض، لإبطال القرار.
هذا الوضع، سوف يقود حتما إلى انقسام أعضاء مجلس الأمن الدولي في ما يخص هذه العقوبات، ما سيخلق مشكلة عويصة ولأول مرة منذ عقود في مجلس الأمن الدولي، ويضع الولايات المتحدة في عزلة، ويقلل من فعلها وتأثيرها في المحيط الدولي. الصين عقدت اتفاقات مع إيران بعيدة المدى وبضمنها توريد السلاح، وتوطين بعضه صناعيا في إيران، لذا، من الصعوبة أن تقبل العمل بآلية الزناد، وكذلك روسيا. وزير الدفاع الإيراني، زار روسيا، للبحث في التعاون بين الجانبين، وبضمنها بل من أهمها هو التعاون العسكري بين الجانبين. مشكلة الولايات المتحدة في سياستها الخارجية مع جميع دول العالم، لا تريد أن تتقبل أن ريادتها للعالم وتحكمها فيه قد انتهى، أو على أقل تقدير، قد قل فعله ومفعوله لجهة السيطرة والتحكم من المنصة المتعالية جدا. هذه السياسة، التي تتركز على فرض العقوبات الاقتصادية، كسبيل لفرض إرادتها على تلك الدول، قد انتهى أو على أقل تقدير، تقلصت مساحة تأثيره، بل اكثر من هذا، وبفعل العدد الكبير من دول العالم، التي طالتها العقوبات الأمريكية، ومن ضمنها دول عظمى وكبرى كالصين وروسيا، دفع هذه الدول إلى تشكيل محاور، أو محور موحد للتعاون في ما بينها للتغلب على العقوبات الأمريكية، في جميع الحقول، التي من أهمها أو أكثرها تأثيرا مستقبليا على الاقتصاد الأمريكي؛ هو تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، كعملة للتبادل التجاري وللاحتياط.
كاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية