القاهرة ـ «القدس العربي»: بعد 65 عاما على إنشائها، توقفت الصحف المسائية المصرية الحكومية عن طباعة إصدارتها. إذ أعلنت الهيئة الوطنية للصحافة الموافقة على تحويل إصدارات «الأهرام المسائي» الصادرة عن مؤسسة الأهرام، و«الأخبار المسائي» الصادرة عن مؤسسة أخبار اليوم، و«المساء» الصادرة عن مؤسسة دار التحرير، إلى إصدار إلكتروني، ما أثار غضب الصحافيين.
وجريدة «المساء» هي جريدة حكومية تعتبر أول جريدة مسائية مصرية، تتبع مؤسسة التحرير للطباعة والنشر ويعود تاريخ إصدارها لعام 1956.
ولفت القرار الصادر عن الهيئة، مساء الأحد، إلى احتفاظ العاملين بالإصدارات الإلكترونية بكافة وظائفهم وحقوقهم المالية من أجور ومزايا مالية أخرى، على أن يسري هذا القرار اعتبارا من 15 يوليو/ تموز 2021.
كما قررت الهيئة الموافقة على منح العاملين في المؤسسات الصحافية القومية اعتبارا من 2021/7/1 حافزاً شهرياً بفئة مالية مقطوعة بمقدار 175 جنيها، على ألا تضم الى الأجر الأساسي، وأيضا تصعيد صالح عبد السميع الصالحي محل رفعت رشاد عضو مجلس الإدارة المنتخب بمؤسسة أخبار اليوم عن الصحافيين لبلوغه سن المعاش، والموافقة على تعيين أيمن محمود القاضي مدير تحرير في وكالة أنباء الشرق الأوسط، محل القاسم محمد عوض عضو مجلس الإدارة المعين لوفاته.
كما استعرضت الهيئة طلبات بعض المؤسسات الصحافية لاستثمار أصولها، وقد طلبت تقديم دراسات جدوى لتقييم العروض المقدمة، مؤكدة، حسب بيانها الذي أصدرته، أن ذلك يأتي حرصا على استثمار الأصول المملوكة للمؤسسات لتعظيم مواردها المالية.
خطاب للسيسي
وفي الوقت الذي تبرر فيه الهيئة قرارها بأنه يأتي ضمن خطة لإعادة هيكلة وتطوير الصحافة القومية الحكومية، ومحاولة علاج الخسائر المتراكمة، اعتبر صحافيون مصريون أن الخسائر تعود لطريقة إدارة الصحف، وغياب الحرية.
وقد دفع القرار عشرات الصحافيين العاملين في جريدة «المساء» إلى تدشين وسم «لا لإغلاق جريدة المساء» عبروا من خلاله عن رفضهم للقرار.
وأرسل عدد من الصحافيين العاملين في الجريدة، أمس الإثنين، خطابا إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، جاء فيه: «تظل جريدة المساء التي صدر عددها الأول في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول 1956 كأول جريدة مسائية في الوطن العربي ومنطقة الشرق الأوسط، واحدة من أهم وأعرق الجرائد وأكثرها تأثيرا».
وأضاف الصحافيون في خطابهم: «صحيح أنها عانت في بعض فتراتها من تراجع نسبي مثلها مثل أي تجرية، لكنها في كل مرة كانت تتجاوز أزماتها وتعود سريعا إلى كامل تألقها سواء على المستوى التحريري أو التوزيع والإعلانات».
وتابع الخطاب: «نؤكد أنها في الأشهر الأخيرة حققت طفرة مهمة على هذه المستويات واستعادت طبيعتها كجريدة مسائية لا تعول كثيرا على الخبر بقدر ما تعول على المتابعة وتبادر بفتح ملفات مهمة تخص الشارع المصري وتعرض إنجازات الدولة غير المسبوقة في كافة المجالات من خلال التحقيقات والحوارات والأبواب الجماهيرية لتعود مجددا جريدة شعبية وطنية بكل المقاييس».
وطالب الصحافيون بـ«وقف العمل بالقرار واستمرار إصدار الجريدة».
وكتب الصحافي أحمد العطار رئيس تحرير جريدة «الصباح» الأسبق: «لو أردنا رصد أسباب انهيار الصحافة المصرية، فأول وأهم هذه الأسباب، من وجهة نظري، هو الأخ الزميل أمين الشرطة».
وسم «لا لإغلاق جريدة المساء»… ودعوات للسيسي للتدخل
وقال: «تضم منظومة الصحافة في مصر عنصرين لا ثالث لهما، العنصر الأول، صحافيون يحبون مهنتهم ويفهمون قواعدها ومعاييرها وأهدافها، وكل ما يخصها، والعنصر الثاني: أمناء شرطة بكل ما يحمله اللقب من معان، انتسبوا للمهنة بطريقة أو بأخرى».
وزاد: «على يد أمناء الشرطة انهارت صحف ومواقع وتحولت إلى مساحات للتطبيل وتخليص المصالح وتصفية الحسابات والابتزاز والتشهير ونشر الشائعات والأكاذيب».
وتابع: «على يد أمين الشرطة اختفت الصحافة المهنية التي تراقب وتكشف وتحلل وتتحرى الحقيقة، وحل محلها ما أطلقوا عليها الصحافة الوطنية، وهو اسم ليس له معنى ولا وجود، في أي مكان في العالم إلا في مصر، لكنه براق ويلمع لزوم غسيل السمعة، وهي صحافة مقيدة من كل أطرافها ومحاصرة من كل اتجاه ومهددة طول الوقت، ومهمتها الطبل والزمر فقط لكل سلطة ولكل حاكم ولكل كفيل».
وتابع: «على يد أمين الشرطة لا توجد حرية صحافة، إنما هناك أوامر ونواه واكتب ولا تكتب، فاختفت الصحافة تدريجيا، وأصبحت البيانات سيدة الموقف، ومن يخرج عن الصف تكتب فيه التقارير لتذهب إلى من يهمه الأمر».
وأضاف: «على يد أمناء الشرطة تحول مندوب الصحيفة لدى أي مؤسسة أو كيان إلى مندوب الكيان والمؤسسة لدى جريدته، فكثرت الهدايا والمصالح واختفت التقارير والتحقيقات الكاشفة للفساد ومواضع الفشل داخل هذه الكيانات، تحولت المهنة لسبوبة، فلا داعي لتطوير الأدوات أو مواكبة التطورات، ونركز في توافه التريندات وبث المكالمات والتسريبات».
وزاد: «على يد أمناء الشرطة استبدلنا مبدأ حق القارئ في المعرفة بحق الكفيل في التطبيل، وجفت منابع الإبداع، وأصبح الرأي الأخر خيانة، والحرية جريمة، وفسدت النقابات والجمعيات وأغلقت المؤسسات والإصدارات، وماتت المهنة إكلينيكيا وانهار أي أمل في مستقبل أفضل للصحافة».
واختتم: «حل أزمة الصحافة الورقية والصحافة الإلكترونية والصحافة التلفزيونية مرهون أولا وأخيرا باختفاء كل أمناء الشرطة المتغلغلين في أعصاب وشرايين هذه المهنة العظيمة».
وقبل أيام أثارت مسودة مشروع لائحة إدارية موحدة للعاملين في المؤسسات الصحافية القومية (الحكومية) أعدتها الهيئة الوطنية المصرية للصحافة، غضب وانتقاد صحافيين مصريين.
وحسب اللائحة المسربة، فإن الصحافيين باتوا محاصرين بمواد فضفاضة تمنعهم من الكتابة عن الشأن العام أو ما يخص جهة العمل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو مناقشة الأمور السياسية والدينية في مقر عملهم، كما قد يتعرضون للفصل نهائياً في حال تقييم أدائهم المهني بـ«الضعيف» من قبل رئيس التحرير لمدة 24 شهراً متصلة، إضافة إلى تجاهلها قانون النقابة.
مفهوم الصحف القومية
وظهر مفهوم الصحف القومية في مصر في أعقاب قانون تنظيم الصحافة الذي أصدره الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر عام 1960 الذي يقضي بضم ملكية الصحف الخاصة إلى الاتحاد القومي مع تعويض أصحابها الأصليين، لتخضع الصحافة المصرية للسيطرة المباشرة للدولة، وإن كان ذلك قد حدث بالفعل بعد ثورة 1952، حيث فرضت الرقابة على الصحف بدءاً من 25 يوليو/ تموز 1952، وجاء ذلك بالتزامن مع إلغاء الأحزاب السياسية، الذي نتج عنه توقف الصحف الحزبية.
وخضعت الصحف القومية في فترة عبد الناصر للرقابة المباشرة، عبر رقيب موجود في مقرات الصحف؛ لكنها حصلت على مساحة من الحرية بعد حرب عام 1967 وصدر بيان 30 مارس /آذار عام 1968 لينص على حرية الصحافة، أعقبه صدور قانون نقابة الصحافيين عام 1970، ثم أصدر السادات قراراً بتشكيل المجلس الأعلى للصحافة، الذي تولى مسؤولية إصدار تراخيص الصحف، ووضع ميثاق شرف للصحافيين، ورغبة في إحكام السيطرة على الصحف القومية، أصدر السادات في مارس عام 1976 قراراً بإعادة تشكيل مجالس إدارات وتحرير هذه الصحف، التي لجأ بعض كتابها للكتابة في الصحف الحزبية المعارضة، والتي عادت للصدور بدءاً من عام 1978.