كيف تنظر دول المغرب لما يجري في تونس؟

حجم الخط
17

حتى مساء الاثنين الماضي لم تحدد بعد أكبر دولة في العالم، وحسب ما صرحت به المتحدثة باسم البيت الأبيض الأمريكي، ما إذا كان الوضع في تونس يعد انقلابا أم لا. فهل ممكن في تلك الحالة إذن أن يستبق الجيران الأقربون أي الجزائريون والليبيون والمغاربة والموريتانيون الأمر و يحسموا في المسألة باكرا؟ ليس سرا إن مؤشرات كثيرة كانت تدل على أن التجربة الديمقراطية في الدولة المغاربية الصغيرة بدأت وقبل عدة شهور بالانحدار شيئا فشيئا نحو أكثر السيناريوهات بشاعة ومأساوية. ولأجل ذلك فإنه كان مستبعدا جدا أن يفاجأ أحد ما بمصيرها. لكن هل كان ورادا مثلا أن لا تكون الجارة الكبرى لتونس بالذات على علم مسبق بالتطورات الدراماتيكية التي حصلت فيها ليل الاحد الماضي؟ الثابت أنه لم يكن من باب الصدفة أبدا أن يكون عبد المجيد تبون أول رئيس عربي ومغاربي يبادر قيس سعيد للاتصال به ظهر الاثنين الماضي، أي ساعات قليلة بعد الإعلان عن قراراته، التي قلبت تونس ولم تقعدها، وذلك ليتبادل معه «مستجدات الأوضاع في الشقيقة تونس» وآفاق العلاقات التونسية الجزائرية وسبل تعزيزها حسب بيان صادر عن الرئاسة الجزائرية. وهو ما يعني تحصله وبشكل عملي على نوع من الإقرار الرسمي من جانب الجزائر بشرعية ما قام به. فلا ينبغي التغافل عن أن تبون يبقى حليفه الإقليمي الأكبر، إذ ومنذ وصول سعيد للسلطة قبل أقل من عامين نسج النظام الجزائري في مرحلة بوتفليقة ثم لاحقا تبون معه روابط وثيقة جعلته يبدو كأكبر داعميه فيما عرف بعدها بصراع الرئاسات الثلاث. لكن كان واضحا انه وعلى عكس مما فعله بوتفليقة في وقت ما حين دعا كلا من الرئيس التونسي الراحل قايد السبسي ثم رئيس حركة النهضة وبشكل منفصل إلى الجزائر للتباحث معهما حول بعض التوترات التي حصلت بينهما في فترة من الفترات اختار تبون أن يحصر اتصالاته رأسا بسعيد وحده وأن لا يعرض عليه حتى في ذروة الأزمة السياسية الأخيرة في تونس أي وساطة بينه وبين غريميه، أي رئيس البرلمان ورئيس الحكومة. لكن إن كانت الجزائر تشعر الآن بنوع من الرضا لأن حليفها الإقليمي قد نجح بطريقة ما في إزاحة كل خصومه والانفراد بالحكم فمالذي تتوقع أن تجنيه من وراء قطع الطريق على التجربة فما الذي الديمقراطية التونسية بذلك الشكل الدراماتيكي؟ إن تصوير السقوط المدوي لتلك الديمقراطية ربما يمثل في حد ذاته انتصارا رمزيا لتصوراتها ولعله يسمح لها بالتصرف بشكل أرحب وأوسع في محاولاتها تحجيم ما تبقى من حراك شعبي. لكنه قد يجعلها أيضا تفكر في تطوير روابطها بالنظام الجديد في تونس في اتجاه قد يخدم رؤيتها ومشاريعها الإقليمية ضمن الصراع المفتوح بينها وبين جارتها الغربية. وهنا فإن السؤال، الذي قد يطرح نفسه، هو هل ستزداد العلاقات التونسية المغربية، التي لم تكن أبدا على مدى الشهور الأخيرة في أفضل حالاتها تبعا لذلك الوضع، سوءا على سوء وتدهورا على تدهور؟ حتى الآن لا تعليق في الرباط على التطورات التي حصلت في تونس. وربما كان ذلك استمرارا لعرف مغاربي. فقد جرت العادة، وعلى مدى عقد كامل، أن آخر من يبادر للتعليق أو لإعطاء موقف من الأحداث أو التطورات التي كانت تشهدها من وصفها يوما رئيس البرلمان التونسي بالـ «شمعة الأخيرة في الربيع العربي» هم جيرانها الأقربون. إن ذلك ظل بوجه عام قاعدة التعامل من نواكشوط إلى طرابلس مع ما كانوا يرونه انتقالا ديمقراطيا هجينا مخالفا لسنن المنطقة وتقاليدها و ما كان يعتبره أغلبهم ليس شأنا داخليا يهم الجارة الصغيرة وحدها بقدرما هو أشبه بالفيروس الخطير الذي قد تتسرب عدواه بسرعة إلى دولهم إنْ لم تتم محاصرته وتطويقه في الوقت المناسب و قبل خروجه عن السيطرة. وبقدر ما تفاجأ كثيرون بإعلان الرئيس قيس سعيد في ساعة متأخرة من مساء الأحد الماضي عن إعلانه عن جملة من الإجراءات كتعليق عمل البرلمان وإزاحة رئيس الحكومة ورفع الحصانة عن جميع النواب وتوليه النيابة العامة في الدولة فإن ما كان لافتا، بالمقابل في ردود الفعل الخارجية الفورية على ذلك، هو أن الجارة الجنوبية لتونس كانت وقبل مضي أربع وعشرين ساعة على إعلان تلك الإجراءات من أوائل المعلقين على ما جرى والمقدمين لموقف واضح وصريح منها. ورغم أن الأمر لم يكن يتعلق ببيان رسمي صادر من المجلس الرئاسي الليبي بل بتدوينة لرئيسه على حسابه على فيسبوك إلا أنه لم يكن من البسيط أن يصف خالد المشري العملية بالانقلاب ويعقد مقارنة بين ما وصفه بانقلاب الجنرال خليفة حفتر وما أطلق عليه انقلاب قيس سعيد، مرددا «ما أشبه الليلة بالبارحة»، ثم يضيف وبشكل صارم : «نرفض الانقلابات على الأجسام المنتخبة وتعطيل المسارات الانتخابية».

أحداث تونس على المغاربيين هو فيما إذا سيكون ممكنا للإسلاميين أن يظلوا حاضرين بدرجة ما في السلطة

لقد حصل ذلك في الوقت الذي بارك فيه الجنرال الذي أشار إليه في تدوينته ما رآه «انتفاضة» الشعب التونسي معتبرا «ما قام به الرئيس التونسي استجابة لإرادة الشعب». ومن الواضح أن الاختلاف في وجهات النظر، بين المسؤول السياسي الذي وصل للمنصب في أعقاب تسوية عسيرة بين الليبيين للتحضير لانتخابات يفترض أن تجري أواخر العام الجاري وبين القائد العسكري الذي لا يعرف كيف نصب ولأجل أي هدف وما مصيره إذا تكللت العملية الديمقراطية بالنجاح، يبدو مفهوما. فنحن هنا إزاء منطقين متضادين هما منطق الشرعية الانتخابية المعلوم والمحدد ومنطق الإرادة الشعبية المعوم والمتحرك والقابل للقولبة والتحريك والتشكيل وفقا لنوايا وأهداف المتبنين له. إن هذا هو مربط الفرس في الأزمة السياسية التي عصفت منذ شهور بتونس وانحدرت بتجربتها الديمقراطية اليوم إلى القاع. لكن ذلك أيضا هو واحد من وجوه الارتياب العربي عموما والمغاربي على وجه الخصوص من تجربة الجارة التي ظلت تختزل دائما في المنطقة في مسألة واحدة لا غير وهي تحديد المدى الذي قد تصله مشاركة الإسلاميين بالذات في السلطة. لقد كان تمثل ويلات العشرية السوداء في الجزائر حاضرا بقوة في تصور الدول المغاربية لطبيعة تلك المشاركة رغم أنها كانت تدرك جيدا وربما حتى أكثر من غيرها أن الاختلاف الجوهري في الظرف وفي طبيعة المشهد السياسي في البلدين يجعل من الوصول إلى النتيجة نفسها مستبعدا وحتى غير ممكن. وهنا فإن وصول هؤلاء أو بقاءهم في تلك المواقع لم يكن ليرتهن كثيرا بنظرها بوجود صناديق اقتراع حرة أو شفافة أو بعدم وجودها. ولعل أهم ما تطرحه هنا أحداث تونس على المغاربيين جميعا هو فيما إذا سيكون ممكنا للإسلاميين في الدول المغاربية أن يظلوا حاضرين بدرجة ما في السلطة. غير أن الأهم من ذلك كله قد يكون أي ديمقراطية ستبقى في المنطقة إنْ ودع التونسيون تجربتهم وسقطوا في المجهول؟

كاتب وصحافي من تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول سعيد السعيدي:

    ما قام به قيس سعيد يعتبر انقلابا على الديموقراطية الفتية..لكننا لا نملك الا الدعاء للتوانسة للخروج من هذه الازمة..أما الجزائر فلا هي مثال يقتدى به او نظام موثوق فيه..إنها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تخرب و لا تصلح.. تقسم و لا توحد.. تساند الإنفصال و التقسيم..فحذار ثم حذار ..

    1. يقول الثورة:

      عاشت الجزاءر حرة شا مخة والموت الى العبيد المطبعين

  2. يقول المرابط:

    تتغدى الإسلاموفوبيا السياسية في المنطقة المغاربية بروافد عديدة ، منها التأثير الفرنسي ، والطابع الشمولي للأنظمة الحاكمة ،ومنظومات الفساد المسيطرة ، مع تسجيل استثناء مهم وهو التجربة المغربية التي قادت فيها العدالة والتنمية الحكومة لتجربتين على مدى عشر سنوات ، وتمكن المواطن من تقييم التجربة وتكوين قناعات حولها … وبالمقابل ترفض الجزائر والان تونس هذه التجربة من الأساس، خوفا منها طبعا ، لكن ما مبرر هذا الخوف ، هل هي هشاشة النظم السياسية ، ام الخوف من النجاح المرتقب لهذه التجارب ، الأكيد ان عدم السماح للتجربة الإسلامية بالظهور هو ما يغذي شرعيتها ، وكل مجهود لاقبارها سيؤدي لنتائج عكسية …

    1. يقول ابن سعيد:

      السيد المرابط
      هل انت تصدق كلامك حقيقة وتؤمن ان المغرب دولة ديموقراطية بالفعل ،، ياعزيزي انت تعيش في نظام سياسي شعاره الوحيد
      ماأريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ..

    2. يقول ابن الوليد. ألمانيا.:

      ان لم يكون ديمقراطي، فهو الاكثر دمقرطة في شمال افريقيا و حسب آخر الدراسات التي قرأناها ههنا مؤخرا. يعني متوفق حتى
      على العزيزة تونس التي تعد رمزا للدمقراطية في المغرب العربي .. و هذا هو الوضع كما هو .. و اليك عنوان المقال:
      .
      “المغرب هو الأول مغاربياً في مؤشر الديمقراطية العالمي” 24 – يونيو – 2021
      .
      و ما تفضل به الاخ المرابط حقيقة، أن حزبا اسلامي التوجه قاد الحكومة لعهدتين متثاليتين في المغرب يعد تجربة فريدة فعلا.
      .
      و كل شيئ مر على ما يرام، و لا اثر لتخوين اي حزب بسبب توجهه الاسلامي . و قد يفوز الاسلاميون بعهدة تالثة ايضا .. و لا مانع في ذلك في المغرب.

  3. يقول ابن الوليد. ألمانيا.:

    شاهدنا سباقا ضد الساعة اجراه نظام الجزائر من اجل شرعنة احداث تونس .. و شرعنة ما قام به قيس سعيد.
    .
    المسألة تجاوزت بكثير خوف نظام الجزائر من عدوى تجربة تونس .. بل كان و لا زالت محاولة تسجبل نقاط غلاض عند
    سعبد من اجل معارك الاستقطاب الدائرة بينه و المغرب فيما يخص مسألة الصحراء المغربية .. والتي سجل فيها المغرب
    مؤخرا اهدافا عدبدة في مرمى نظام الجزائر .. و ها هو يسارع الزمن من اجل استقطاب تونس .. حتى و ان كان موقفها الرسمي
    ضبابي بميل الى موقف الجزائر ..
    .
    المغرب و في تاريخه لا يشرعن اي شيئ من قبيل ما جرى في تونس، و ينتظر عادة حتى توضح الصورة. لكنه هذه المرة فهم لعبة
    نظام الحزائر .. و يبدو ان جلالة اللك قد ارسل رسالة الى قيس سعيد قدمها له وزير خارجية المغرب في زيارة البارحة.
    .
    و لكي تتوضح الرأية .. فما ان سمع نظام الجزائر بالامر .. الا و ارسل رمطان العمامرة في زيارة على وجه السرعة البارحة كذلك ..
    زيارة لمدة ساعات معدودات .. و هذا هو المشهد .. و كم هو بئيس ..

    1. يقول لاعق اليد:

      تريدون سحب تونس الى الاعتراف باسرائيل و نسج علاقات… تزمير و تطبيل و سياحة و احضان… السماء اقرب اليكم.

    2. يقول زيد:

      بعد هذا الانقلاب ستعترف باسرائيل. لأن من انقلب على الديمقراطية الهشة في تونس لا يخفي توجهاته بالتعامل مع إسرائيل. سنرى موقفكم عندها.
      نسيت: هل قدمتم الغاز لقطاع غزة المحاصر؟ نرجو الاجابة

    3. يقول loco:

      الى ابن وليد:ان كنت من قراء القدس العربي الاوفياء فاقرا المقال حول تنديد 40 منظمة حقوقية بعمليات التجسس الاخيرة و التي صنفت نظام المخزن كنظام استبدادي مناصفة مع الامارات و السعودية

    4. يقول هيثم:

      الى Loco : هل قدمت المنظمات الحقوقية التي تذكرها دليلا واحدا يقنع العالم بصحة التهم الموجهة للمغرب ؟ هل تساءلت عن أسباب و خلفيات تلك التهم ؟ و هل تساءلت عن التركيز على المغرب دون غيره من الدول التي تذكرها هذه الجهات ؟ وهل تعرف أن كثيرا من الجمعيات تتخذ من حقوق الإنسان منصات للاغتناء وتكديس الأموال ؟ المغرب سارع الى التوجه للقضاء الفرنسي ضد لوموند و قصص محظورة و أمنستي انترناسيونال و ميديا بارت التي انخرط في هذه الحملات المسعورة وعند ذاك ستظهر الحقيقة ساعة واضحة لتفضح الترهات والأكاذيب. أخيرا هذا التعليق الذي قمت به لا يمكن أن يقوم به إلا Loco . مع كامل التقدير والاحترام.

  4. يقول نوري:

    مجرد تخمينات

  5. يقول طرفة:

    كم تمنينا أن تكون فلسطين وإسرائيل بلدين جارتين بين تونس الخضراء والمملكة الشريفة.

    1. يقول ابن المغيرة:

      الا تكفيكم جمهورية الريف و الجمهورية الصحراوية؟
      وقد راينا ديمقراطيتكم في تدوينة ترامب كيف عرت رئيس حكومة اكبر ديمقراطية مغاربية للأسف السياسة ما زالت بعيدة عندكم ما دام شعاركم لا أريكم الا ما اري

    2. يقول عبد الرحيم المغربي .:

      تونس ستسير الى الأمام… لأنها بلد نخب علمية على مر التاريخ…وما يحصل هي سحابة صيف لا أقل ولا أكثر…. وستكون تونس أقوى عندما تسترجع كل أراضيها التي ضمتها فرنسا…وتكون مجاورة لجمهورية القبائل الديموقراطية…بعد استقلالها من نير الاحتلال العسكروني…

  6. يقول صالح/ الجزائر:

    “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” صدق الله العظيم .

  7. يقول كريم:

    انقلاب تونس يمكن قراءته أنه خطة فرنسية لترسيخ نفوذها التلاشي في المغرب الكبير امام صعود سيارات الإسلام الاسلامي و ربما هو استمرار و ملحق لخطة فرنسية غير معلنة لحصار تمرد المغرب و إعادته إلى بيت الطاعة ،يبدو أن المخزن بدأ يثير الريبة و القلق لدى الدولة العميقة في فرنسا و يهدد مصالحها ،استفراد قيس السعيد في السلطة هو تقوية لمحور فرنسا و الجزائر على حساب المغرب ،لذلك اعتقد أن الوضع سيزداد تعقيدا في المستقبل و الخطة الفرنسية مٱلها الفشل و لن تؤدي إلا لمزيد من ترسيخ تحالف ضد الطبيعة بين المغرب و الكيان الصهيوني لاختراق مخططات فرنسا لاستعادة نفوذها في المغرب الكبير و جنوب الصحراء .و لن اصدق أن انقلاب تونس لم يكن تحت إدارة مباشرة من ماما فرنسا.

  8. يقول بدر:

    الجزاءر كانت دوما وابدا سندا وظهرا لتونس وتتمنى لها كل الخير،عكس ماتقول ياصاحب المقال ،ونحن في الجزاءر لا تخيفنا الديمقراطية في تونس بل نشجعها ونعتز بها،

اشترك في قائمتنا البريدية