قصة الفشل الأمريكي في أفغانستان

ما الذي كانت تفعله الولايات المتحدة في أفغانستان لمدة عشرين عاماً؟ يقول الرئيس الأمريكي إن الحرب على الإرهاب كانت الهدف الذي تحقق، ويعود في كلمته ليناقض نفسه عندما يستعرض خريطة التهديدات الإرهابية، التي تمددت إلى سوريا والعراق والصومال ومالي ودول افريقية أخرى، أي أن المحصلة الصافية لوجود الإرهابيين تمددت وتوسعت، صحيح أن العالم لم يشهد هجمات إرهابية كبيرة خلال الآونة الأخيرة، إلا أن ذلك يرتبط بوباء كورونا وتدبيراته الوقائية أكثر مما يرتبط بأي نجاح استخباراتي أو ميداني.
يتنصل الرئيس بايدن من مهمة بناء دولة في أفغانستان، مع أن الوجود الأمريكي استلزم ذلك، والرؤساء الأفغان خلال العشرين عاماً الأخيرة جاءوا برعاية أمريكية كاملة، والجيش الأفغاني الذي يصفه بايدن بأنه أقوى من بعض جيوش حلف الناتو، كان صنيعة أمريكية تبخرت خلال أيام، ولم تحاول إيقاف أو عرقلة تقدم طالبان الذي أتى أسرع من المتوقع.
تستدعي مشاهد دخول طالبان إلى المدن الأفغانية، السقوط السهل لمدينة الموصل أمام تنظيم «داعش» ويتطلب ذلك فهماً لأسباب الفشل الأمريكي المستمر في الدول التي احتلتها تحت دعاوى محاربة الإرهاب، أو أسلحة الدمار الشامل، وطريقة الإدارة الأمريكية التي شجعت على الفساد، وعلى تفاقم الصراعات داخل هذه الدول، فالأمريكيون يلوذون بمنطقة آمنة يطلقون عليها المنطقة الخضراء، ويستدعون لها الآلاف من العملاء والوكلاء الجاهزين لتقديم خدماتهم، وتبدأ محاولاتهم لبناء دولة قابلة للاستغلال، وتحويل الثروات، وبينما تقوم هذه المهمة بشكل متواصل، فإن التطرف يتصاعد في المناطق خارج الاهتمامات الأمريكية سواء لفقرها في الثروات الطبيعية، أو لتركيبتها السكانية الرافضة للوجود الأمريكي. أشارت التقارير الصحافية بخصوص تمويل حركة طالبان، إلى زراعة الأفيون وإلى امتيازات التنقيب عن المعادن في المناطق الخاضعة لسيطرتها، التي شكّلت نصف مساحة أفغانستان، وهي أنشطة اقتصادية واسعة تحتاج إلى علاقات دولية وشبكات لوجستية، أي أنها أفيال لا يمكن أن تختبأ بين الحشائش، وكانت هذه الأنشطة تتم تحت مرأى ومتابعة الأمريكيين الذين كانوا منشغلين في صفقات المنطقة الخضراء. يتحدث الرئيس الأمريكي عن تريليون دولار، أو أكثر أنفقت في عشرين عاماً في أفغانستان، ويعرف أنه يستخدم مغالطة كبيرة، فجزء ضئيل من هذه المبالغ كان يذهب لفائدة الأفغان، الذين استفادوا بصورة أكبر من المنظمات التنموية في مجالات التعليم والصحة، أما الأموال الأمريكية فأعيد تدويرها في عملية نقل للثروة داخل الولايات المتحدة نفسها، واستحوذت الشركات الكبرى على معظم هذه الأموال، وهذه المغالطة ليست جديدة على الأمريكيين، وهي تقدم للاستهلاك المحلي، فالأموال خرجت من جيوب دافعي الضرائب لكنها لم تذهب كلها إلى أفغانستان، بل تحولت في عملية معقدة إلى جيوب أمريكية أخرى.

أي انتصار أمريكي سيبقى هشاً، لأنه لا يسعى إلى تحقيق تغيير جذري، ولا البحث عن حلول وتسويات للمشكلات القائمة

طالبان الجديدة تتحدث عن تغيرات جذرية في فكر الحركة، فتعليم الفتيات ممكن، البعض منهم يتحدث عن تعليم ابتدائي، وآخرون يقولون التعليم والعمل، وغطاء الرأس يأتي بصور كثيرة، ليس بالضرورة البرقع، لكن ثقافة طالبان ستحضر لتلقي ظلالها على أفغانستان، لكن كل هذه الوعود لا يمكن ضمانها، فالحركات العقائدية تميل إلى التطرف، من أجل ارضاء أعضائها وأنصارها، لأن التطرف أقل كلفة من الانفتاح. الدول المجاورة التي لعبت أدواراً في حروب المخابرات الخفية، لا يمكن أن تفلت من المستجدات في أفغانستان، فطالبان ورثت هذه المرة جيشاً كبيراً ومقلقاً، وبمجرد دخولها إلى كابول تحدث نور والي محسود زعيم طالبان باكستان عن طموحات واسعة تنتظر الدعم من الأفغان، ليعلن عن هدف استراتيجي يتمثل في السيطرة على المناطق الحدودية القبلية الباكستانية، وتحويلها إلى مناطق مستقلة، ومع أن الحركة أصدرت أوامراً بعد التعرض للشيعة، إلا أن ذلك ربما يبدو مرحلياً، وفي حال تحققه فسيكون الأمر محرجاً لإيران التي اعتادت في السنوات الأخيرة على تقديم الدعم للشيعة في العراق واليمن ولبنان، وعليها في حالة تعرض الشيعة الأفغان إلى أن تتخذ موقفاً متشدداً.
للفشل الأمريكي عناوين كثيرة، أهمها داخلياً، فمرة أخرى يخرج الأمريكيون من غير تحقيق أي أهداف بعيدة المدى، والسياسة الخارجية الأمريكية أصبحت عبئاً على أمريكا المحملة بمشكلاتها الداخلية، خاصة بعد فترة رئاسة ترامب الصاخبة، والأمريكي متوسط الثقافة يعرف أن جزءاً من حياة الرفاهية التي يعيشها تتمدد أسبابه داخل شرايين الاستغلال في الدول الأخرى، وما فعلته طالبان يؤثر بصورة بالغة في السطوة الأمريكية. الحروب الأمريكية لا يمكن حسمها من الجو وبالقوة الصاروخية، فالأرض واسعة ومليئة بالتفاصيل، وأي انتصار أمريكي سيبقى هشاً في جميع الأحوال، لأنه لا يسعى إلى تحقيق أي تغيير جذري، ولا ينصرف إلى البحث عن حلول وتسويات للمشكلات القائمة، وفي أفغانستان استعرضت أمريكا قوتها في التدمير، بينما كانت البلاد تحتاج عملية بناء، وهو أمر لا يتقنه الأمريكيون ولا يهتمون به، ولا يتواجد أصلاً في ثقافتهم الانتهازية (اضرب وأهرب Hit and Run) أما الوكلاء المحليون الذين يخدمون الأمريكيين في مغامراتهم، فهم شركاء في اللصوصية ولا يمتلكون أي تأثير لإحداث التغيير، وأشرف غني نموذج آخر جديد عن رجال أمريكا المفضلين، الذي استطاع أن يقلدهم في الهرب لكن بحقائب كثيرة من الأموال. من الصعب استشراف المستقبل في أفغانستان، لأن السماسرة والوسطاء لا يهتمون بوضع معالم على الطريق، وليس بوسع العالم سوى الانتظار لما سيتفاعل في الأسابيع المقبلة.
كاتب أردني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول يوسف الفندي:

    ابدعت

  2. يقول خليل ابورزق:

    لفت نظري في المقال ان ما تصرفه امريكا ( و غيرها) من مساعدات إنما هو استثمار يعود الى جيوب امريكية أخرى. و غالبا ما يعود اضعافا مضاعفة من ثروات طبيعية او أسعار باهظة للسلع والخدمات التي تحتكر تقديمها او رشاوي صغيرة لعملائها او القيادات المتوسطة و الصغيرة على هيئة تدريب و سفر و مصاريف و عمولات.
    امريكا و غيرها لا تقدم شيئا الا لمصلحة مباشرة او غير مباشرة. و معظم ما يسمى منحا أو مساعدات تخلق استغلالا و فسادا في كلا الطرفين

  3. يقول ربيعه محمد شومان:

    انا ساكنه بالبرازيل ومطلوب مني موضوع عن ما يحصل في أفغانستان.وحبيت قصتك وأتمنى أن ترسل لي قصه ملالا يوسف

اشترك في قائمتنا البريدية