الرباط – «القدس العربي»: بين عشية وضحاها، وعلى هامش هبوب عاصفة جائحة فيروس «كورونا» المستجد، تناسلت المقاهي المتنقلة، أو مقاهي السيارات، حسب ما اتفق عليه سكان مدينة من مدن المغرب على تسميتها.
في كل نقطة كيلومترية من طريق داخلي أو خارجي لمدينة من مدن الغرب، تصادفك سيارة وقد تزينت بحبوب البن وفناجين القهوة الدافئة التي يتعالى بخارها في الصورة، كما فتح الباب الخلفي للسيارة وتوزعت بضعة مقاعد قليلة جداً، ليستريح الزبون أثناء إعداد قوته فقط.
بين الرباط وسلا، العاصمة وجارتها، المشهد نفسه لمقاهٍ متنقلة منحت متعة فنجان قهوة لعابر سبيل، أو لمواطن في طريقه إلى عمله، يوقف سيارته ويرشف بضع جرعات ثم يعود إلى القيادة والكأس بين يديه يرشف منها نشوة عابرة.
المقاهي المتنقلة
لم يكن تناسل هذه المقاهي المتنقلة بالغريب ولا العجيب، فكل مشروع ينجح تجد نسخاً له متعددة وبأشكال مختلفة في كل المناطق الأخرى، وإذا سئل المغربي عن بداية المقاهي المتنقلة لن يجيب، لأنه لا يعرف بالضبط أي مدينة أطلقت هذا المشروع التجاري البسيط والجميل.
لكن في المقابل، إذا سألت أي عابر عن سبب تكاثر المقاهي المتنقلة، سيكون الجواب هو «كورونا»، ومنهم من يزيد على ذلك بالحديث عن بطالة الشباب.
الطريق المؤدي من مدينة سلا الجديدة الواقعة على ضفاف سلا المدينة، وفي اتجاه الرباط، عبر قرية الفنون، تصادفك مقاهٍ متنقلة عديدة، أحدها كان الأول ذلك الذي حط رحاله قرب المدار الطرقي وقبل بلوغ القرية المهنية بمسافة قليلة.
بسبب الجائحة، تملك الخوف العديد من المواطنين من الإقدام على شراء فنجان قهوة عابر من يد لا يعرفون إن كانت خالية من الفيروس، لكن خوف صاحب المقهى المتنقل من عدوى كورونا يتجاوز خوف أي مواطن، فهو يتعامل مع الكثير من الأيادي والوجوه ويتجاذب أطراف الحديث مع الكل، فما كان منه إلا أن حصّن نفسه بالمعقمات ويتفادى المصافحة، كما أن التباعد سيد الطلب.
ذلك المقهى المتنقل الأول في الطريق، كان صاحبه في عقده الثالث أو يزيد، وكان صاحب ملامح مرحة وبشوش، ليس بحكم «الماركوتينغ»، بل بحكم طبيعته الإنسانية الخالصة التي هي هبة ربانية.
إتقانه لحرفته، وكيفية عصر القهوة وتعامله مع الآلة، تشير رأساً إلى أن الرجل له خبرة في الميدان، قد يكون نادلاً سابقاً أوقف «كورونا» عمله أيام الحجر الصحي، وقد يكون صاحب مقهى، وقد يكون مجرد راغب في الخروج من عنق زجاجة الأزمة إلى رحابة كسب لقمة عيش.
بالنسبة لهذا الرجل، فإن الفكرة راودته من خلال ما سمعه عن مقهى مماثل في مدينة الدار البيضاء، وهنا مربط الفرس، فالعاصمة الاقتصادية للمملكة، يبادر سكانها إلى ابتكار الأساليب لكسب رزقهم، فهم لا يقفون عند «ويل للمصلين» بل يكملون الآية، ويواصلون حياتهم دون شكوى أو أنين، هم يؤمنون بأن الرجل عليه أن يكسب رزق أبنائه وأن يقاوم كل العراقيل الحياتية.
السلطات المحلية من جهتها، كانت صارمة في مراقبة احترام التدابير الاحترازية للحد من تفشي فيروس «كورونا»، لكنها لم تكن لتضغط أو تقيد وجود بعضهم إذا ما احترموا الشروط الصحية والتدابير الأخرى.
حالات إغلاق مثل هذه المقاهي المتنقلة، كانت قليلة ومرتبطة أساساً بعدم احترام التدابير الاحترازية، أما بالنسبة للترخيص فقد عكفت جمعية أنشئت لهذا الغرض وتتحدث باسم أصحاب هذه المقاهي، وعملت على توجيه الراغبين في فتح مقهى جديد إلى طرق استخلاص الرخصة من الجهات المخولة لها منحها.
توقف مراسل «القدس العربي» قليلاً أمام مقهى متنقل بين سلا والرباط، أراد خوض تجربة يعشقها المغاربة وربما العالم بأسره يعشق فنجان قهوة أو كأس شاي أو أي مشروب آخر وهو على سفر، تلك نشوة أخرى أن يرشف المرء من كأس، يعلم أنه سيغادر مكانه بعد حين.
تلك الوقفة كان فيها حديث قصير من صاحب المقهى المتنقل، لم يقل ما إذا كان مهنياً من محترفي العمل في المقاهي أم لا، لكنه اكتفى بالقول إنه عاد إلى الحياة من جديد من خلال هذا المشروع البسيط.
وحسب ما أكده عبد الله، فإن المقهى المتنقل أنقذه من أزمة خانقة عاشها خلال فترة الإغلاق بسبب جائحة فيروس «كورونا» المستجد، وقال إنه تنفس الصعداء بعد أن تمكن من كسب لقمة أبنائه وتوفير الأساسيات وفي بعض الأحيان أكثر.
الأكيد في هذه الظاهرة أن الدار البيضاء وطرقها الداخلية والخارجية الرابطة بينها وبين مدن أخرى، لها النصيب الأوفر من المقاهي المتنقلة، وهي ظاهرة إيجابية تدخل في إطار التوظيف الذاتي والاستثمار الشخصي، خاصة أن السيارة يمكن أن تصلح لمآرب أخرى غير التنقل، وهي اليوم تتحول إلى مقهى.
الزبائن من جهتهم، عبّروا عن استحسانهم للفكرة، ورحبوا بالسماح لمتنفس اقتصادي واجتماعي خاصة للشباب، لكنهم في والوقت نفسه يشددون على ضرورة الالتزام بالتدابير واتخاذ كافة الاحتياطات الصحية.
لم يكن طريق المقاهي المتنقلة مفروشاً بالورد، فقد انتابته بعض الأشواك، خاصة عندما احتج أرباب المقاهي العادية، وطالبوا بوقف هذه المشاريع بسبب ما اعتبروه «منافسة غير شريفة».
«المنافسة غير المشروعة»
غضب جمعيات مهنيي وأرباب المقاهي بالمغرب، ترجمته إلى مراسلة وجهتها إلى الحكومة ووصفت هذه المشاريع بـ «فوضى المقاهي المتنقلة».
وبالنسبة لجمعية أرباب المقاهي، فإن مثل هاته المشاريع تدخل في خانة «المنافسة غير المشروعة»، خاصة أن أصحابها لا يؤدون أي ضرائب ولا يصرحون بالمشتغلين معهم عكس مقاولاتهم، وفق تعبيرهم.
رغم ذلك، تواصل «المقاهي المتنقلة» تقديم خدماتها المرغوبة للزبائن عابري الطرقات والمسافرين الذين يريدون أن يحضنوا فنجان قهوة أو كأس شاي بين أيديهم وهم في الطريق إلى وجهتهم.
قد تكون المقاهي المتنقلة حديثة العهد في المغرب، وتزامنت مع ظهور الجائحة، لكن بالنسبة للعديد من الدول الأخرى خاصة في أوروبا، فإن الظاهرة قديمة ومنظَّمة، وتتجاوز المقاهي إلى المطاعم المتنقلة أيضاً… ببساطة إنه عصر التنقل والحداثة والسرعة.
ليس من حق ارباب المقاهي منافسة مقاهي السيارات
الله يحسن العوان