موريتانيا: مشاورات وطنية حول إصلاح التعليم وجدل حول لغات التدريس

حجم الخط
0

نواكشوط ـ «القدس العربي»: يتواصل في موريتانيا تجاذب قوي حول إصلاح التعليم المرتقب، وبخاصة حول لغة التدريس التي يجب أن يقرها هذا الإصلاح، حيث يطالب الكثيرون باعتماد اللغة العربية بينما يطالب سياسيون من الأقليات الزنجية الموريتانية باعتماد الفرنسية وكذا بتدريس اللهجات الإفريقية المحلية وهي البولارية والسوننكية والولفية، فيما يطالب آخرون بتعليم مزدوج بين العربية والفرنسية والإنكليزية.
ويتواصل هذا الجدل بينما ستشهد موريتانيا بعد أسبوع تنظيم أول أيام تشاورية موسعة حول إصلاح التعليم، أساسها خريطة طريق اعتمدتها الحكومة مؤكدة “أنها تستهدف الإصلاح الشامل للمنظومة التربوية بواسطة جملة من الآليات، تم تنفيذ العديد من جوانبها، كإنشاء لجنة وزارية برئاسة الوزير الأول للإشراف على مسار إصلاح التعليم، وكتأسيس المجلس الوطني للتهذيب وإعداد دراسة حول الإصلاحات السابقة وتقييم إصلاح 1999”.
وأنهت وزارة التعليم مشاورات جهوية حول إصلاح التعليم ممهدة للتشاور الوطني المزمع تنظيمه في نواكشوط بعد أسبوع من الآن، بينما أعلن تحالف أساتذة موريتانيا عن مقترح لواقع التعليم في موريتانيا، ومقترحات عملية لإصلاح ما يعانيه من خلل.

وثيقة الأساتذة

وأكد التحالف في الوثيقة التي تضمنت مقترحاته، والتي حصلت “القدس العربي على نسخة منها، أن “أول ما يجب أن يقره الإصلاح المرتقب هو التوحيد الفعلي للنظام التربوي على أساس عاملين أساسيين يتمثل أولهما في نموذج الإنسان الذي نريد لوطننا، والثاني في المضمون القيمي والحضاري والعلمي الذي يمنحه التعليم الجيد لهذا الإنسان والذي تمثل اللغة الحاملة أحد أهم مرتكزاته”.
“إننا في تحالف أساتذة موريتانيا، تضيف الوثيقة، نؤمن بأن مواطن الغد ينبغي أن يكون متصالحاً مع ذاته ومندمجاً بإيجابية في عالمه وقادراً على التفاعل والعطاء، مؤمناً بمبادئ التعايش الوطني المتمثلة في الاعتراف بالمضمون الإيجابي لتنوعنا القومي وتعدد مصادر ثقافتنا الوطنية ملتزماً بالثوابت والقيم العامة التي تقتضيها مضامين الدين الإسلامي الحنيف كأساس جامع للهوية الوطنية، مؤمناً في الوقت نفسه بالحق في مراعاة ما يترتب على المعطيات الديموغرافية من حقوق وفق منطق الحق في الاختلاف كأساس للديمقراطية”.
وأكد التحالف “أن أول خطوة في الإصلاح يجب أن تكون اعتماد اللغة العربية لغة تدريس جامعة في جميع المراحل والشعب الدراسية، مع تدريس اللغات الوطنية وهي البولارية والولفية والسوننكية، على امتداد سنوات المرحلتين الابتدائية والثانوية كمواد إلزامية، إلى جانب اعتماد اللغتين الفرنسية والانجليزية لغتي انفتاح في المرحلة الأخيرة من التعليم الأساسي، وفي جميع مراحل التعليم الإعدادي والثانوي بضارب متساو يضمن العناية بهما”.
وانتقد التحالف التشعب الحاصل في توزيع الخريطة المدرسية وارتهانها لمقتضيات من خارج الإطار التربوي، مؤكداً “أن ذلك التشعب أضفى على هذه الخريطة سمة فوضوية فأدى إلى عجزها عن تحقيق أهداف التمدرس الشامل والمفيد”. واقترح “إخضاع توزيع الخريطة المدرسية لمعايير تربوية دقيقة بعيدة عن التوظيف السياسي للمدرسة”.

حالة المدرسين

وفي محور الموارد البشرية، أوضح التحالف “أنه ما لم يتغير الوضع المادي للمدرسين فلا أمل في تحقيق الإصلاح مهما كانت دقة وملاءمة المقاربات التربوية، مقترحاً “تخصيص أزيد من نسبة 45% من الميزانية العامة للدولة لقطاع التعليم، مع توجيه الجزء الأكبر من هذه النسبة لتحسين ظروف المدرسين من خلال مضاعفة الرواتب والعلاوات واستحداث علاوات جديدة ومراجعة معايير علاوة النقل داخل القطاع”.
واقترح “تعزيز المساواة والاندماج المدرسي عبر فرض زي مدرسي موحد تتكفل به الوزارة لإزالة الفوارق في ساحة المدرسة، مع تشجيع التمدرس في الفئات الضعيفة من خلال إعادة منحها معونات مالية شهرية، وإنشاء صندوق وطني لدعم تمدرس البنات وإحياء تجربة السكن الداخلي للتلاميذ الفقراء في بعض المدارس”.

التعليم الخاص

وتناولت الوثيقة حالة التعليم الخاص، حيث أكد تحالف الأساتذة “أن التعليم الخاص استطاع منذ قيامه كقطاع مواز للتعليم العام تحقيق عدة فوائد منها توسيع دائرة الاستيعاب في ظل العجز البين للقطاع العام”، مبرزاً “أن التعليم الخاص يعاني مع ذلك من اختلالات بينة جعلت منه مصدر استنزاف لطاقات التعليم العام فجذرت الفوارق الاجتماعية وزادت من ترهل التعليم العمومي”.
واقترح تحالف الأساتذة “إعادة هيكلة قطاع التعليم الخاص وفق معايير تربوية صارمة تتحكم في مستوى الانتشار الفوضوي الذي أضر كثيراً بقيمة المردود التربوي لصالح الأبعاد التجارية، وتخضع منظومة التعليم الخاص لمقتضيات المنهاج التربوي الوطني من حيث احترام تدريس كافة المواد ومراعاة ضواربها المحددة”.
وضمن النقاش المتواصل على شبكة التواصل الاجتماعي، كتب المفكر الإسلامي البارز محمد جميل منصور معلقاً على إصلاح التعليم، “يحتاج موضوع اللغة في التعليم إلى مقاربة مركبة ذات أضلاع أربعة، أولها اعتماد اللغة العربية لغة رئيسية وغالبة في كل مستويات التعليم وفي مختلف التخصصات، فذلك مقتضى الهوية، والضامن لجودة التعليم وجعله سبباً في التقدم والتطور، فالأمم بلغاتها تكون”.
وقال: “أما الضلع الثاني للمقاربة فهو اعتماد اللغات الوطنية الأخرى البولارية والسوننكية والولفية مدمجة ومدرسة، ومطورة في أفق التدريس بها في المستويات التي تسمح بذلك، وذلك من مقتضى الهوية ويخدم اللحمة الوطنية؛ أما الضلع الثالث فهو ازدواجية انتقالية تتحدد مستوياتها وحجمها ومداها بناء على اعتبارات فنية وعملية، بعيداً عن الأيديولوجيا والسياسة”.
وأضاف: “أما الضلع الرابع للمقاربة فهو تدريس اللغات الحية وخصوصاً الفرنسية (لاعتبارات موضوعية وجغرافية) ووالإنكليزية (لاعتبارات علمية وعالمية) وغيرها على نطاق واسع، ولكن في إطار تدريس اللغات لا لغات التدريس، ذلك أن النظر إلى إشكال اللغة من زاوية واحدة، أو التهوين من آثار أحادية النظرة والمقاربة، لا يناسب بلادنا ولا واقعها، ولا يخدم مصلحتها ولا مستقبلها”.

سلسلة إصلاحات

يذكر أن المنظومة التعليمية الموريتانية تعاني من مجموعة من العراقيل تشكل عثرة في طريق أي تنمية، وهي، كما أجمعت على ذلك دراسات عدة، حصيلة إخفاقات متراكمة لسياسات تربوية اتسمت بالارتجالية وضعف الوسائل؛ الأمر الذي يؤكد مدى الحاجة إلى تقويم شامل يفضي إلى إصلاح حقيقي مؤسس على منطلقات سليمة .
وعرف النظام التربوي الموريتاني سلسلة إصلاحات في سنوات 1959، و1967، و1973، و1979، و1999.
وسعى إصلاح 1999 الجاري به العمل حالياً إلى معالجة النواقص الموروثة عن إصلاح 1979، حيث استهدف توحيد النظام التربوي في شعبة واحدة مزدوجة، بعد أن كانت العملية التربوية تتم في شعبتين إحداهما تقدم الدروس بالعربية والثانية باللغة الفرنسية.
ويجمع الدارسون المهتمون بهذا الشأن على أنه بعد أربعين سنة من الإصلاحين لم تتحقق الأهداف المرسومة، ولم تحصل الكفايات المطلوبة، وبات التعليم الموريتاني يتخبط في حلقة مفرغة.
وسيكون على التشاور الوطني المرتقب حول إصلاح التعليم، الإجابة على أسئلة منها: أين يكمن الخلل يا ترى؟ هل هو في المناهج، أم في المقاربات المعتمدة، أم في هيئات القيادة، أم في هيئات التدريس، أم هو في هيئات التأطير التربوي، أم يكمن في الخريطة المدرسية، وفي البنى التحتية والتجهيزات، وفي قيام تعليم حر تجاوز سن الفطام ولا يزال يتوكأ على أكتاف التعليم العمومي الوهن، أم هل الخلل يكمن في نقص الوسائل المادية وتدني دخل المدرس، أم إنه يكمن في كل هذه النواحي مجتمعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية