استراتيجية مصادرة «حقوق الإنسان» في مصر

«الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان» التي أصدرتها اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان في مصر، لا تعبِّر عن حقوق الإنسان كمقولة متداولة في كل العالم، بقدر ما أنها تعبر عن استراتيجية نظام عسكري قام عام 2013 بانقلاب سياسي بغيض في حياة مصر والمصريين، ويرغب في أن يُؤَمن له البقاء إلى غاية 2026، كما جاء في الوثيقة. وبتعبير أوفى وأوضح، أن هذه الوثيقة السياسية لا تندرج في تاريخ مصر في مرحلتها المعاصرة، لأنها من الوثائق المزيفة، ولا يقف عندها المؤرخ القادم، عندما يريد أن يؤرخ لمصر العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.
ما قدمه «نظام السيسي» للشعب المصري وثيقة بلا معنى، لا تنطوي على أي مضمون، لأن القصد الكبير منها هو مصادرة حقوق الإنسان كمقولة عالمية لا تحتاج إلى من يشرحها أو يقف عندها، لأنها موجودة قيد التداول العام، ولا تتطلب أي مبادرة وطنية، لأنها تصادرها حتما. فالشّرْعة العالمية لحقوق الإنسان التي صدرت عن هيئة الأمم المتحدة عام 1948، هي وثيقة عالمية وإنسانية، لا تقبل الاحتكار والمصادرة أو الاختراق والانتهاك، على ما فعل النظام العسكري في مصر منذ انقلابه على الشرعية الدستورية، والمشروعية السياسية والتاريخية عام 2013.
مقولة حقوق الإنسان ثقافة مشتركة بين كل أمم وشعوب العالم، والدول التي ترغب في احترامها هي تلك التي ضمنتها في قوانينها الداخلية، من دون مصادرة وطنية، أي أن حقوق الإنسان كمفهوم لا تقبل التضييق، وتفرض نفسها بالمعاني الجديدة التي تظهر في المجتمعات والدول المتقدمة والمتطورة، لأنها تحترم حقوق الإنسان، وأن وجدان شعوبها يتجاوب مع آخر ما وصلت إليه حالة الإنسان، وليس فقط لأنها دول غنية. وعليه، فإن النظام المصري القائم لا يمكنه إطلاقا أن يتطرق إلى موضوع كان قد صادره، ويريد أن يعرضه مرّة أخرى. ونقدم هنا الفقرة الأولى من هذه الوثيقة، لنؤكد على المفارقة التي يتخبط فيها النظام العسكري في مصر: «تتقدم مصر بخطى واثقة نحو بناء مستقبل يليق بمكانتها بين الأمم وبطموحات شعبها الذي قام بثورتين في عامي 2011 و2013، مطالبا بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبإعلاء قيم الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية» (ص 4 من الوثيقة). ومن الواضح تماما أن المقصود بثورة 2011، أو الحراك الجماهيري العظيم هو ثورة 25 يناير، بينما ثورة 2013 هي ثورة الانقلاب على ثورة يناير، التي نفذها العسكر في يوم 30 يونيو 2013. وتلك هي الحقيقة التي سوف يكتب عنها المؤرخ، وليس بالضرورة أن يكون مصريا، لأن الكتابة الجادة والرصينة، وذات المصداقية هي تلك التي تكتب خارج مصر وبلغات غير عربية أيضا، لأن كثيرا من العرب صاروا يكتبون بلغات أجنبية ولديهم من المقاربات والمناهج وطرق البحث ونظم المعالجة، ما يساعدهم على الدقة التاريخية، والفهم المعقول والتقييم المنصف. لا يمكن لنظام انقلابي أن يقدم أي تصور عن مقولة قد صادرها في البداية والسياق والنهاية، لأنه حددها ضمن استراتيجيته الأولى، «استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030» أي مدة عمر حكم «الرئيس السيسي. والوثيقة الثانية «الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان» 2021 ـ 2026.

صدور وثيقة «الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في مصر» وصفة كاشفة لحالة ذهنية يعاني منها النظام، بسبب ارتكابه أكبر وأعظم جرائم في حق مصر

و«الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان» تحمل كلمات فارغة من المعنى، وخطابا إنشائيا لا يفهم ولا يمكن أصلا قراءته، لأن لغته ليست من وحي العصر الذي يعيشه الإنسان المصري، الذي سبق له معرفة معنى «حقوق الإنسان» كما وردت في الشرعة العالمية الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة، وقرأ تاريخها في كل لغات العالم الحية، وقدّر أن الأمم التي يمكنها الحديث عن حقوق الإنسان والمواطن والديمقراطية والقانون والدولة، هي الأمم الحية في تفاعلها مع هذه المفاهيم بالقدر الذي تضيف إليها بالفعل وليس بالكلمة الجوفاء.
وعلى خلاف ما يذهب إليه النظام المصري، تضيف الوثيقة ما يؤكد حالة مصادرة حقوق الإنسان في مصر: «ومن هنا تأتي أهمية هذه الوثيقة التي تعد أول استراتيجية وطنية متكاملة لحقوق الإنسان في مصر، وهي تبنى على التقدم الفعلي المحرز، كما تأخذ في الاعتبار ما يفرضه السياق الوطني من فرص وتحديات. إن المبادرة بإعداد هذه الوثيقة يمثل ترجمة لقناعة وطنية ذاتية، بضرورة اعتماد مقاربة شاملة وجدية، لتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية وهي مقاربة تتسم بوضوح الرؤية والتوجه الاستراتيجي في التخطيط» (ص 4). قراءة متَمَعِّنة وفاحِصة لهذه الفقرة، وكل الشروحات التالية لها، مجرد كلام أيديولوجي جدير بدولة عصابة بلا أخلاق ولا ضمير، تفرض أول استراتيجية لحقوق الإنسان في مصر، مع أن المصريين يعرفونها عن وعي ولا يدركونها في الواقع، لأن النظام لا يملك لا حق ولا واجب الحديث عن حقوق إنسان، صارت من الثقافة السياسية المعاصرة في دنيانا المتجَدِّدة. صدور وثيقة «الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في مصر» لا يندرج في تمكين الشعب من قدرات وحريات وسلطات، بقدر ما هو «وصفة كاشفة» لحالة ذهنية يعاني منها النظام، بسبب ارتكابه أكبر وأعظم جرائم في حق مصر والمصريين منذ الأزل. والوثيقة بهذا المعنى، محاولة يائسة لمداراة خطايا، والتستر على فضائح وأفعال منكرة تُدِين النظام وتضعه في قفص عُتاد المجرمين والمنتهكين لحقوق الإنسان. ومن هنا، فلا يحق للنظام أن يحتكر عُدّة قيمية وقانونية عالمية، وبتعبير آخر يوضح المعنى نفسه، لا يجوز لنظام عسكري أمْنِي مخابرتي فاسد أن يلتمس من الشرعية الدولية والأخلاق الإنسانية ما يسعفه على انتهاكهما واختراقهما في الداخل. عالمنا المعاصر ودنيانا الجديدة هي للقيم العالمية والآداب العامة والعلاقات البينية والاعتماد المتبادل وحرية التنقل والسفر والتواصل مع الغير في كل بقاع الكون. فالآلاف الذين زج بهم النظام الانقلابي في السجون، والآلاف من الآخرين الذين قتلهم ودمرهم مع عائلاتهم، لا يعنونه بقدر ما يعنيه أن يبرهن للدول الكبرى والمؤسسات الأممية أن كل هذه الجرائم لا تدخل في الجرم السياسي.
والخوف كل الخوف أن تنفيذ «الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان» سوف يؤول إلى اختراق وانتهاك عادي لحقوق الإنسان، بعد عملية المصادرة الوطنية لها، على اعتبار أن الأمر يتعلق بحقوق وطنية وهي من الشأن الداخلي، الذي لا يجوز لأي تنظيم في العالم أن يتدخل فيه. ولعلّ قضية جوليو ريجيني الطالب الإيطالي الذي تعرض للقتل في سجون مصر، في يوم له دلالة تاريخية يوم 25 يناير 2016، المصادف للذكرى الخامسة للإطاحة بنظام حسني مبارك، واحدة من العينات التي تُرَسِّخ أن حقوق الإنسان لدى النظام المصري مصادرة وجرى اعتقالها ومحوها من القانون، وما بقي منها هو فقط تلك التي تتعلق بالأجانب، وفي هذه الحالة، يجب أن تتدخل دولة الضحية ومعها المجموعة الدولية من أجل إجبار الطغمة العسكرية على تسليم الجناة ومحاسبتهم.

كاتب وأكاديمي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول سامى عبد القادر:

    وهل رأى التاريخ البشرى عصابة إجرامية مسلحة, هوايتها سفك الدماء وانتهاك الأعراض والسلب والنهب, وهى تحترم أبسط حقوق الإنسان?!!
    .
    لا يصدق إدعاءات نظام السفاح السيسى عن حقوق الإنسان, إلا كائن فاقد تماماً لعقله, أو معتوه بالوراثة, أو منتفع من هذا النظام القميئ, أو

  2. يقول alaa:

    نعم للكاتب المحترم وللاسف الشديد كثير من المواطنين خافوا من بطشه وخنعوا وشاهدوا القتل من شرطة توحشت واقترفت جرائم لا مثيل لها حتي لا يفكر احد في ثورة ثم جعل ثلة من قادة الجيش سماسره وتجار وطبعا اقال كل الشرفاء – وجعل نفسه فوق القضاء يعين ويقيل وووووو لهذا لن يفلت ومن معه من كل هذه الجرائم وستقوم ثورات ضده وسيهرب مثل الزين

  3. يقول احمد الغريب:

    الدول التي تطبق حقوق الانسان بحق لا تحتاج اي كلام لتثبت انها تحترم هذه الحقوق بل تترك افعالها تنبئ بذلك

اشترك في قائمتنا البريدية