ابراهيم درويشماهر زين، الاسم الأشهر في الصناعة الموسيقية ‘الإسلامية’، الملايين من الشباب والشابات والأطفال الصغار يستمعون إلى أغانيه. كل أغنية منها على ‘يوتيوب’ استمع إليها مليون أو أكثر، واستمع لبعضها مثل ‘المختار’ و’الحرية’، ‘فلسطين ستحرر’ أكثر من ثلاثين مليونا. في أول حفل له في لندن الشهر الماضي احتشدت الصبايا والأطفال أمام مسرح ‘أبولو’ في ‘هامرسميث’ بالآلاف لمشاهدة ‘نجمهم’ وهم يصرخون، بخاصة الصبايا على طريقة نجوم ‘البوب’ الغربيين، وظلوا جالسين ينتظرون ظهوره لساعة متأخرة بعد أربعة نجوم آخرين من سلوفينيا، مصر، كندا وأمريكا، وكل واحد منهم نجم بطريقته. ظاهرة ماهر زين المولود في لبنان والذي هاجر مع والديه إلى السويد، هي جزء من مشهد غنائي ‘إسلامي’ عالمي بدأ يتخذ شكل الصناعة ويستخدم نفس أدوات الترويج، حيث تتبنى شركة توزيع تسجيلات الفنان وتروج أعماله مقابل حقوق كما هو متعارف عليه في الصناعة، وماهر زين هو الفنان الجديد الذي تبنته شركة ‘أوويكننغ- الصحوة ‘ للصناعة الموسيقية ‘الحلال’. ومنذ حفلة لندن سافر إلى عمان ودبي ومنها إلى إندونيسيا وبروناي وعاد إلى أوروبا ومنها سيعود مرة أخرى إلى جنوب شرق آسيا، ماليزيا.ماهر زين هو نجم الشركة بعد سامي يوسف الذي سجل أول فيديو كليب ‘اسلامي’ يحمل اسمه وعلامته، وظل ابن الشركة حتى اختلف معها عام 2009 وانفصل عنها ليواصل مشواره الفني. مقارنة مع الحضور الشعبي لفنانين عرب مثل هيفاء وهبي ونانسي عجرم وكاظم الساهر وتامر حسني، فالمغنون المسلمون الجدد لديهم حضورهم أيضا، ولهم جاذبيتهم في الغرب بين الأقليات وفي العالم الإسلامي، فماهر زين مثلا محبوب جدا في ماليزيا وصور فيديو بعض أغانيه هناك، وشارك نجما آخر ‘عرفان مكي’ في أغنية بالأردو ويحرص على إصدار نسخ لأغانيه بالعربية ولغة الملايو والتركية، وبرنامجه حافل ومتعب لشاب عمره 31 عاما. ومع ماهر زين وسامي يوسف هناك عدد كبير من الفرق التي خرجت خلال العقدين الماضيين حيث بدأ يتشكل هذا المشهد في التسعينات من القرن الماضي خاصة أن معظم المغنين الجدد هم من مواليد الربع الأخير من القرن العشرين، فزين بيخا من جنوب إفريقيا بدأ الغناء في بداية التسعينات ولحقه آخرون وأخريات.من أبناء الأقليات والمسلمين الجدد ما يميز هذا المشهد أن معظم نجومه هم من أبناء الأقليات أو المهاجرين، (زين بيخا وماهر زين ويوسف ومكي ومسعود كيرتس)، وأحيانا من المسلمين الجدد من مثل الكندي داوود وانزنبري علي، وهؤلاء نشأوا في تقاليد ثقافية موسيقية غربية وبعضهم نهل من ثقافة موسيقية مثل يوسف، وأتيحت له فرصة الدراسة في الأكاديميات الموسيقية، فيما طور آخرون اهتماماتهم الفنية معتمدين على المشهد الموسيقي الغربي الفني، فبعض أغانيهم ما هي إلا إعادة إنتاج لأغاني ليونيل ريتشي، وبوب مارلي وربيكا بلاك وغيرهم ولكن بطريقة ‘إسلامية’. يعتمد كل أولئك على الأدوات الموسيقية، فسامي يوسف لا يظهر إلا مع فرقة موسيقية تذكر بنجوم الطرب العربي، مثل أم كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب، بينما يكتفي آخرون بالأدوات الأساسية (طبل وطبلة وناي وعود أحيانا أو غيتار)، لكن ما يجمعهم أنهم متحررون من قيود الخوف من إشكالية تحريم الغناء بالمعازف الموسيقية.ليسوا نجوم بوب وما يعطيهم الثقة بالنفس أن أغانيهم ـ حلال- نظيفة من الغنج والحب الفاضح الذي يميز الأغاني الغربية والعربية على حد سواء. فتحررهم من قيود الفتوى نابع من أن الموسيقى كانت بالنسبة لهم طريقا لاكتشاف الإسلام من ناحية اعتناقه أو التوبة، ولكن ليس على طريقة الفنانات التائبات في مصر في الثمانينات من القرن الماضي. كما أن معرفة هؤلاء الشباب بطقوس وتقاليد الفن الغربي جعلتهم يتحررون أيضا من المظهر الديني التقليدي، وأقصد مظهر المنشد بالثوب الأبيض وغطاء الرأس ومظهر التقوى والتماهي مع أغاني المديح، فهم ليسوا ‘مداحين’ على طريقة ‘القوالي’، ونصرت فاتح علي خان وجيله، أو محمد الكحلاوي ‘لاجل النبي لاجل النبي’ أو ياسين التهامي وغيرهم من نجوم المديح النبوي صوفي الطابع، ففي حالة المغنين المسلمين ‘الاسلاميين ـ الحلال’ هناك مشكلة في الهوية أو تحديد هوية الأغنية. شبان معاصرون، يظهرون بمظهر نجوم البوب، وليسوا بنجوم بوب، فقد تحدث سامي يوسف مرة إلى صحيفة ‘زمان’ التركية قائلا إنه ليس نجم بوب حتى يعامل بنفس الطريقة.هوية الأغنية وما دمنا أشرنا إلى هوية الأغنية، فماذا نطلق عليها في ضوء ظروفها الخاصة، أي تأثرها في المجال الأوروبي. هل نسميها الأغنية الدينية، الأغنية الإسلامية، أغاني المسلمين، الأغاني الإسلامية النظيفة أم ماذا؟ فكل اسم من هذه الأسماء محمل بالدلالات ليس أقلها الأيديولوجية كما في وصف ‘إسلامي’ أو حمولة روحية كما في دينية أو صوفية، ولكن نجوم الغناء الإسلامي الذي سأسميه الشبابي، ليسوا متصوفين أو إسلاميين بمعنى انتمائهم لحركات إسلامية ذات برنامج سياسي، وكما يقولون عن أنفسهم، فهم دعاة تسامح واعتدال واندماج في الحياة العامة التي يعيشون فيها، وإنهم تعبير عن فكرة ‘الإسلام الأوروبي’ بما فيها من معان وتناقضات وقصور، كما أنهم متحررون من الأيديولوجيا الفظة. أغنياتهم مكرسة للحب والفضيلة، يحضر فيها رمز الأم، كما أن رمز الرسول العظيم مركزي فيها، إذ يحضر كتعبير عن كل المعاني التي تمثلها رسالته من خير وحب وإخاء وسلام. وعلى الرغم من صخب الموسيقى التي تحيط بالمغني فهو يقدم في النهاية رسالة هادئة، ضد العنف، وحتى الأغاني التي قدموها عن الربيع العربي أو فلسطين مثل أغنية مايكل هارت ‘غزة تحترق في الليل’ أو أغنية ماهر زين ‘فلسطين ستتحرر’ فيها تركيز على الألم الإنساني وفظاعة العدوان وقسوة الآلة العسكرية التي تدمر وتقتل الأماني وأحلام الأطفال، وعادة ما تحتوي الفيديوهات صورا لأطفال جرحى، وأمهات يصرخن وهن يحاولن حماية أبنائهن. هذا الشجب لفظاعة الحرب فيه رسالة للحب ودعوة للرأفة.اكتشاف الهويةوفي إطار آخر تختزن الأغنيات كل معاني الإيمان ورحلة الفنان في اكتشاف دينه، أي هويته، فالأغنية بالنسبة لكل هذا الطيف من المغنين والمغنيات والفرق ما هي إلا محاولة لتأكيد الهوية والافتخار بالانتماء لحضارة الإسلام العالمي. ومن هنا فالأغنية تظل هويتها شبابية، لأن هذا الجيل الثاني أو الثالث من أبناء المهاجرين غالبا ما يشعر بالإهمال والتهميش من الآباء الذين لا يتحدثون نفس اللغة، وغالبا ما يتسمون بالتقليدية ويعملون على تأكيد تقاليد الوطن والتراث والدين و’فرضه’على الأبناء، كما أنهم يشعرون بالتهميش والإهمال من القطاع الأوسع من المجتمع الذي ينتمون إليه، ولهذا فالأغنية والموسيقى ما هي إلا تعبيرا عن أزمتهم ورحلة تأكيد على ولائهم للهوية الدينية والوطنية، وتميزهم كونهم يعيشون على الحافة. وبنفس السياق تعبر بشكل آخر عن أزمتهم الروحية، فماهر زين الذي بدأ في المجال الموسيقي العادي في نيويورك شعر بتلك الأزمة وقرر أن يخدم الأمة بأغنياته، وهو في نظري كاتب أغان وملحن أفضل منه مغنيا أمام الجماهير، أي أن ظهوره في فيديوهات الكليب يختلف عنه على المسرح.هموم الأغنيةوفي سياق طموح الأغنية الشبابية الإسلامية، فهي تطمح للتصدي للإشكاليات الاجتماعية التي تواجه الشباب مثل مشاكل الإدمان على المخدرات وذوبان الهوية. ولهذا نفهم أو نتفهم أن المتأثرين أو الجمهور المنشود هم الشباب والشابات من أبناء نفس الجيل والجيل التالي، وهؤلاء لا يجدون مشكلة في التعبير عن مشاعرهم كأي معجب أو معجبة غربية بفنانيها، ولهذا فالتحفظ والاحترام بل والخشوع الذي كان آباؤهم يتسمون به في حضرة الغناء الديني، مختلف في هذه الحالة، فعلى الرغم من كون كلمات الأغنية ‘دينية ‘ أو ‘وطنية’ فالشباب لا يجد حرجا في الوقوف والصراخ أو التلويح للمغني، وقد يفاجأ الرجل المحافظ، أقصد المتدين عند مشاهدته فتاة محجبة تعبر عن إعجابها بهذه الطريقة، لان الحجاب مرتبط في ذهن المسلمين الملتزمين بإطار معين من التصرفات، لكن الدهشة تزول عندما يعرف الواحد منا أن الحجاب بالنسبة للصبية الشابة هو مثل الأغنية تعبير عن الهوية، فقطعة القماش هذه بكل ما تحمله من قيم دينية وثقافية أنثروبولوجية هي صورة عن تمرد الفتاة المسلمة في المهجر على مجتمعها الواسع وعلى طريقة الزي الذي تلبسه الأم المحافظة في آن، وقصة الحجاب في الغرب مثل الأغنية هي تمرد على أشكال الحياة التقليدية التي يعيش فيها الآباء، ففي الوقت الذي كان يبحث فيه الآباء عن دكاكين اللحم الحلال ومأكولات الوطن الأم، كان الشباب يبحثون عن هوياتهم المسلوبة ويحاولون استعادة الثقة بالنفس والتمرد. وما دمنا قد أشرنا للحجاب فالشابات لهن فرقهن ونجومهن ومنها ما لا يقدم حفلاته الا للنساء فقط مثل فرقة ‘ألفة’ البريطانية. وفي مجال الهوية فالمستمع للأغاني الشبابية ـ الإسلامية- يتساءل أحيانا ماذا ستصبح هوية الأغنية لو حذفت منها بعض الكلمات الدينية: الله والرسول، دين وإيمان، حج وصلاة وعبادة وغير ذلك؟ لن تختلف حينها عن أية أغنية عادية، وما يؤكد هذه النظرة ما قلناه في البداية من أن المصادر التي تنهل منها المواهب هي تلك التي تربت عليها في المجتمع العلماني والمنفتح، خاصة أن الفرق التي كانت تأتي من البلد الأم وتغني الغناء الديني كانت غريبة على الطفل أو الشاب، ومن هنا فنجوم الأغنية الإسلامية معظمهم إن لم يكن كلهم من جيل ‘إم تي في’، المحطة الموسيقية الشبابية الأمريكية المعروفة، ومن المتأثرين بتقاليد الغناء الغربي، ومن استمعوا في مرحلة ما لنمط الغناء الشبابي الغربي. أين يوسف إسلام قد يتساءل البعض أين عامل يوسف إسلام من هذا كله؟ عندما أصبح ‘كات ستيفنز’ يوسف إسلام كان في عز نجوميته، واسمه وأغانيه على كل لسان، ومع دخوله الإسلام قرر الاعتزال على أساس أن الغناء والمعازف حرام في دينه الجديد، وعليه فقد تشدد إسلام في التعامل مع إرثه الموسيقي من ناحية الحفاظ عليه وحقوق ملكيته منه، وظل يتجاهل المعجبين به، ممن تربوا على أغانيه وظلوا أوفياء لتراثه، ولو نظر الواحد منا للخلف واستمع إلى أغانيه قبل أن يسلم لوجد أن فيها رسالة سلام وحب وحنان ودعوة لاحترام الأب ‘أب وابن’، انبلاج الفجر، وغيرها من القيم. ولم ينتج إسلام خلال فترة الصمت عن الموسيقى سوى مجموعة من الألبومات هي أناشيد للأطفال تعليمية الطابع، حفظ معظمها طلاب مدرسته ‘إسلاميا’، ولكن إسلام بعد عقد أو أكثر من الصمت قرر أن يحمل غيتاره مرة أخرى، واتخذ القرار عندما كان في بيته في دبي، ومنذ ذلك الوقت وإسلام يشارك ويكتب أغاني عن البوسنة، وأخيرا عن الربيع العربي.هناك فرق بالطبع بين كات ستيفنز في ثورته وتمرده وشبابه ويوسف إسلام الذي كبر وخبر الحياة أكثر، وهذه سنة الحياة. ومع ذلك فإسلام لديه الكثير لكي يقدمه للجيل الجديد من نجوم الغناء الإسلامي. لا بد ونحن نتحدث عن مشهد الغناء الإسلامي في الغرب أن لا نغفل عامل الوطن الأم ومشهد الغناء هناك.ريحانهنا لا بد من الحديث مرة أخرى عن الدور الذي لعبته فرقة ‘ريحان’ الماليزية التي كسرت المشهد الغنائي الماليزي، وتحولت إلى فرقة وطنية وامتدت شهرتها خارج حدود بلدها، وسافر أفرادها قبل أن تنقسم لأكثر من فرقة، للخارج، وأحيت حفلات في عدد من الدول الغربية. ما يهم في تجربة ريحان أنها كما قلنا حصلت على اعتراف من المشهد الموسيقي من ناحية أن النمط الذي تقدمه ليس دينيا بحتا، ولهذا سنحت لها الفرصة كي تغني إلى جانب المغنين الماليزيين المعروفين. على الأقل مرة إلى جنب شيلا مجيد على ما أذكر. وعليه يجب أن لا نتجاهل الأثر الذي لعبته هذه الفرقة في تشكيل المشهد الغنائي في أوروبا على الأقل، لأن الغناء الإسلامي في أمريكا تطور بناء على ظروفه ونشأ في البداية من رحم ‘الهيب هوب’ و’الراب’ في رسالته الثورية وتأثر بنجومه من مثل توباك شاكور، و’ونتيف دين’ كمثال واضح على هذه التقاليد، فقد كان من السهل على أفرادها تحميلها بمعان دينية وكلمات ذات حمولات ثقافية تعبر عن هوية المسلمين الأمريكيين، أقله الأفارقة منهم، ويظل هذا التحليل ناقصا فمعرفتي بالمشهد الغنائي الإسلامي هناك محدودة، لكن بالنظر إلى ما أشارت إليه ليلى احمد في كتابها ‘ثورة هادئة’ فهناك مشهد فني وثقافي ثري، تأكد في مرحلة ما بعد 9/11.أناشيد الإسلاميين بقي أن نضيف أثر تقاليد النشيد بمعناها الإسلامي ‘الحركي’، وأثرها على المشهد الغنائي الحالي، فلا نريد أن نفترض أن الغناء الشبابي الحالي ولد من رحم نشيد الحركات الإسلامية، فرغم تواجد الحركات الإسلامية في الغرب، إلا أنها ظلت تستورد فرق النشيد الإسلامي من الخارج كي تشارك في تجمعاتها السنوية. ولا بد أن نميزها عن النشيد الصوفي من الدول العربية. وهي وإن كانت عاملا مؤثرا، إلا أن المشهد نفسه تغير في العالم العربي فقد أصبح بمقدور المنشد الإسلامي الاعتماد على أكثر من الدف لدى بعض الجماعات والتي ما زالت تحرم استخدامه في غير الأعياد والنكاح والمناسبات العامة. ورغم كل هذا فقد تغير المشهد من ناحية توجه البعض إلى استخدم بعض المؤثرات الموسيقية، فيما جنح آخرون إلى إدخال الموسيقى كما هو ملاحظ في أغاني يحيى حوى وأبو راتب في أناشيده الأخيرة. ومن المنشدين المشهورين الذين حققت أناشيدهم رواجا أحمد أبو خاطر حيث استمع إلى انشودته ‘لسوف أعود يا أمي’ أكثر من خمسة ملايين على ‘يوتيوب’، ويشير رواج هذا اللون من الأناشيد إلى تحول في طبيعة الأنشودة من ناحية نزوعها نحو الاهتمام بالقضايا الأكثر إنسانية وعاطفية واجتماعية، بعيدا عن النبرة الجهادية أو تلك التي تندب حظ الأسلام وأهله أو تلك التي تمجد الشهادة. فالأناشيد الإسلامية التي ارتبطت بالحركة الإسلامية عبرت عن هموم الدعاة والناشطين وعن محن الدعوة والحركة، واستلهمت معظمها كلماتها من أشعار كتبها شعراء ‘الدعوة’ الإسلامية مثل الشيخ يوسف القرضاوي، وليد الاعظمي، يوسف العظم ‘شاعر الاقصى’، سيد قطب، عبد الرحمن بارود، إضافة إلى أشعار شعراء لم يكونوا إسلاميين واعتبروا من الإسلاميين وعبرت أشعارهم عن هم الأمة مثل محمود غنيم ومحمد محمود الزبيري، وآخرين. وقد أنشدتها فرق ومنشدون من أشهرهم (أبو الجود وأبو دجانة وأبو راتب) وجميعهم سوريون، وقد درسوا المقامات وطرق الغناء التقليدي المهمة خاصة لمن سيصبحون مؤذنين. وتعتبر الحركة الإسلامية في السودان برؤيتها التجديدية والمنفتحة من أول من قدمت فرقا موسيقية، والسودان غني بثقافته الغنائية وأغاني ‘الحقيبة’ وسلمه الموسيقي المتميز، وللشيخ حسن الترابي موقف واضح من الغناء، وهو ما جلب عليه من ضمن مواقف أخرى غضب السلفيين في السودان والخارج. ولا بد من التأكيد هنا على أنه لا يمكن الحديث عن لون واحد، إذ أن المشهد متنوع لجهة طبيعة الأغنية والأداء والاعتماد على الآلات الموسيقية. ولا تزال الأغاني الجهادية والثورية حاضرة، ويمكن القول ان الأغنية الثورية الفلسطينية ‘الاسلامية أو قل الحمساوية’ قد استلهمت كثيرا من التراث الشعبي الفلسطيني وأدخلت الدبكة في عروضها، كما استلهمت ملامح من التراث الثوري الوطني الفني. ولا بد من الإشارة إلى دور الحركة الإسلامية عام 48 في مهرجانها السنوي فقد جددت فرقها الإنشادية في محتوى ومضمون أناشيدها من ناحية البعد الإسلامي الوطني الجهادي، مما يعني أن المشهد في العالم العربي متغير، وقد تأثر كثيرا بفقه الوسطية وجهود الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ويوسف القرضاوي. ففي شريط على ‘يوتيوب’ كان الشيخ يشارك في نشاط فلسطيني وقدمت فيه شابة فلسطينية أغنية وطنية، كتب أحدهم أسفل الشريط ‘ القرضاوي هداه الله يجلس في مجالس الغناء’، طبعا هذا جرم لمن يحرم ليس استخدام الموسيقى بل استخدام الدف للرجال إلا في حدود معينة، كما يرى أحد فقهاء السلفية الجهادية.بعيدا عن ذلك كله، يمكن القول إن هناك اعترافا بأن الزمن قد تغير وأدواته تغيرت، ومعه تغير أداء المنشدين الإسلاميين الشباب، وقد تكون زياراتهم للمهاجر للمشاركة في التجمعات الإسلامية رافدا من روافد المشهد الشبابي الغنائي هناك. ولا بد من الإشارة إلى أنه على الرغم من تطورات المشهد في مجال النشيد فإن الإنشاد الصوفي ظل متواصلا ولم يستطع احد دك حصونه، أو منافسته في مجاله، بل ظل المنهل الذي ينهل منه المنشدون الإسلاميون ونجوم الأغنية الشبابية الإسلامية. في النهاية قد يسأل سائل ما هو حكم الغناء الشبابي ‘الحلال’؟ الجواب عند الفقيه: في المسألة على ما نعتقد قولان.