غزة- «القدس العربي»: في قلب الظلام الحالك الذي يحيط بقطاع غزة، تظل الكاميرا سلاحًا لا يقل خطرًا على الاحتلال الإسرائيلي عن غيره من أشكال المقاومة.
فمنذ عقود، يخوض الصحافي الفلسطيني حربًا موازية ضد رواية الاحتلال التي تسعى إلى طمس الحقيقة، وسلب العالم روايته، وتبديلها بمشهد مزيف يحجب المأساة. لكن هذا السلاح الحر لا يمر دون ثمن، إذ بات الصحافيون في غزة هدفًا معلنًا لآلة القتل الإسرائيلية.
ولم يكن استهداف الصحافيين الفلسطينيين وليد اللحظة، بل هو جزء لا يتجزأ من استراتيجية الاحتلال لضرب الشهود قبل أن ينقلوا الرواية. قنص مباشر، وقصف استباقي، واغتيالات غادرة، كلها أدوات ترهيب يمارسها الاحتلال بلا حسيب أو رقيب، في محاولة يائسة لدفن الأدلة، وإخفاء الدماء النازفة على نايلون المخيمات. ولم يكن استشهاد الصحافيين حسام شبات ومحمد منصور سوى فصل آخر في هذا المسلسل الدموي.
الكاميرا «هدف»
في الأيام الأخيرة، ودعت غزة اثنين من فرسان الكلمة والصورة، بعد أن طاولتهم نيران الغدر الإسرائيلي. حسام شبات، الرجل الذي لم يكن يحمل سوى كاميرته، ارتقى شهيدًا بعدما استهدفته طائرات الاحتلال في مخيم جباليا، بينما لحقه محمد منصور في خان يونس تحت أنقاض منزله الذي دمره القصف. شهيدان جديدان يضافان إلى قائمة طويلة من الصحافيين الفلسطينيين الذين دفعوا أرواحهم ثمنًا لكشف الحقيقة.
يقول الصحافي صالح المصري رئيس لجنة دعم الصحافيين: «في ميدان الصحافة في غزة، لم يكن حسام شبات ومحمد منصور مجرد ناقلي أخبار، بل كانا صوتًا للحقيقة التي يحاول الاحتلال طمسها. وسط الدمار والدماء، كانت عدساتهم تسجل كل مشهد، وأقلامهم توثق كل شهادة، في معركة متواصلة من أجل كشف الوجه الحقيقي للاحتلال. لكن هذه المعركة، كما يبدو، كانت ثمنها حياته».
ويضيف لـ«القدس العربي»: «لم يكن استهدافهما حادثًا عرضيًا، بل جاء ضمن سياسة ممنهجة تتبعها قوات الاحتلال لطمس الحقيقة، وإرهاب الصحافيين الآخرين لثنيهم عن مواصلة عملهم».
ويردف: «مع ذلك فإن رحيل حسام ومحمد لم يكن نهاية القصة، بل بداية لمرحلة جديدة من التحدي، حيث تعهد زملاؤهم بمواصلة الطريق رغم المخاطر المحدقة».
حسام لا يعرف الخوف
لم يكن حسام شبات مجرد صحافي يحمل كاميرته ويجوب شوارع غزة تحت القصف، بل كان إنسانًا سابقًا لعصره، يفهم أن نقل الحقيقة ليس مجرد مهنة، بل قضية ورسالة.
يقول زميله الصحافي أحمد سليم، الذي عايش آخر لحظات حسام قبل استشهاده: «كان حسام يحمل قلبًا من حديد، يذهب حيث يفر الجميع، كان يدخل مواقع القصف فور وقوعها، يصور الضحايا، يوثق الجرائم. لم يكن مجرد ناقل للخبر، بل كان شاهدًا وضميرًا ناطقًا باسم شعبه».
ويضيف أحمد بصوت يملؤه الألم خلال حديثه لـ«القدس العربي»: «قبل استشهاده بساعات قليلة، كنتُ وإياه نقف عند أنقاض أحد الأبراج المدمرة في جباليا. سألته: أما آن لك أن تستريح؟ فضحك وقال لي: وماذا سيبقى لنا إن توقفنا عن توثيق مأساتنا؟ بعدها بساعات، سقط جسده، لكن كاميرته بقيت تعمل حتى اللحظة الأخيرة».
أما الصحافية دعاء خالد، التي عاشت محطات عديدة من عمل محمد منصور، فتقول عنه: «كان محمد كصوت الأذان في الصباح، لا يمكن لغزة أن تستيقظ دون صوته. صوته العميق وهو ينقل الأخبار من قلب المعركة كان يبعث فينا جميعًا القوة. لم يكن مجرد ناقل للخبر، بل كان رجلًا يؤمن أن الصحافة مقاومة، وأن الكلمة يمكن أن تكون أقوى من الرصاص».
تكمل ليلى بحزن لـ«القدس العربي»: «في كل مرة كنا نجتمع فيها في مكتبنا الصحافي، كان يردد: سيأتون لقتلكم يومًا، لأنكم تزعجونهم أكثر من أي شيء آخر.. لم يكن يعلم أنه هو من سيكون الضحية القادمة».
ويؤكد المصور الصحافي محمد أبو زيد، الذي عمل مع العديد من وكالات الأنباء الدولية، أن الاحتلال لا يفرق بين صحافي يحمل كاميرا أو مصور يغطي الأحداث. يقول: «رأينا كيف تم استهداف الصحافيين الواحد تلو الآخر، ولم يعد الأمر مجرد حوادث فردية بل سياسة ممنهجة».
ويضيف: «كنتُ بجانب حسام شبات قبل استشهاده، وأقسم أنني لم أرَ في حياته ما يشير إلى أنه يشكل خطرًا عسكريًا كما يدعي الاحتلال. كل ما كان يحمله هو الكاميرا والميكروفون، وكأن ذلك بات جريمة يعاقب عليها بالقتل». ويوضح لـ«القدس العربي»: «كل عدسة في غزة باتت مستهدفة. عندما نخرج للتغطية، نعرف أن أي يوم قد يكون يومنا الأخير. الاحتلال يريد أن يقتل الصورة قبل أن تصل إلى العالم، لكننا مستمرون رغم كل شيء». ويتحدث الإعلامي وسام أبو زيد عن حالة الرعب التي يعيشها الصحافيون يوميًا في غزة، مؤكدا أن زملاءه الذين استشهدوا كانوا يدركون جيدًا أنهم مستهدفون.
ويقول لـ«القدس العربي»: «محمد منصور كان دائمًا يردد: قد لا نكمل هذا العمل حتى النهاية، لكن أحدًا ما سيكمله بعدنا. وهذا ما نعيشه الآن، نحن نكمل رسالتهم، رغم الألم ورغم الخوف».
ويضيف وسام: «فقدنا الكثير، ليس فقط زملاءنا، بل جزءًا من أرواحنا معهم. ومع ذلك، لن نتوقف عن نقل الحقيقة، لأن هذا هو ما أراد الاحتلال قتله. لكن الحقيقة أقوى من الرصاص، وأبقى من الطائرات التي دمرت حياتنا».
وفقًا لبيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد ارتفع عدد الصحافيين الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع في 7 تشرين الأول /أكتوبر 2023 إلى 208 شهيدًا.
ويقول مدير عام المكتب إسماعيل الثوابتة: «هذا الرقم الصادم يكشف مدى استهداف الاحتلال الممنهج للعاملين في الحقل الإعلامي، حيث تحول الصحافي إلى عدو مباشر لآلة الاحتلال العسكرية».
ويكمل: «لا يتوقف الأمر عند القتل فحسب، بل هناك عشرات الإصابات، بعضها أدى إلى إعاقات دائمة، فضلًا عن تدمير مقار القنوات الإعلامية، واستهداف محطات البث، وقطع الاتصالات والإنترنت في محاولة لعزل غزة عن العالم».
ورغم فداحة الجرائم الإسرائيلية بحق الصحافيين، لم يتعدّ رد الفعل الدولي سقف بيانات الإدانة المعتادة. فقد أعربت الأمم المتحدة عن «قلقها العميق» إزاء استهداف الصحافيين الفلسطينيين، فيما وصفت منظمة «مراسلون بلا حدود» الأمر أنه «حملة إبادة ضد الصحافة الحرة في غزة».
بدورها، دانت منظمة العفو الدولية والاتحاد الدولي للصحافيين عمليات الاستهداف، وطالبت بتحقيقات دولية مستقلة، إلا أن هذه الإدانات لم تُترجم إلى خطوات عملية تلجم الاحتلال وتوقف نزيف الدم الصحافي في القطاع.
اللهم عجل بتدمير أمريكا وتل أبيب بجاه النبي محمد الحبيب مثلما دمروا غزة ولبنان واليمن والعراق وسوريا هذي عقود وهم ينشرون الحروب و الدمار في الشرق الأوسط التعيس وفي فلسطين منذ 1948 بواسطة العصابة النتنة التي زرعوها في قلب فلسطين والقدس الشريف يا عريف ✌️🇵🇸☹️☝️🔥🐒🚀