كيف سيكون شكل الشرق الأوسط الجديد؟

من السخف أحياناً أن تتحدث عن مؤامرات تستهدف العالم العربي، فغالباً ما تُحاك المؤامرات بعيداً عن الأضواء، ولا أحد يعلم بتفاصيلها، ناهيك عن أن المتآمرين لا يعلنون أصلاً عن مؤامراتهم، وبالتالي فإن الحديث عن مؤامرات ضد من يسمون بالعرب ليست أكثر من كلام فارغ.
بعبارة أخرى، فإن الإسرائيليين ومن ورائهم الأمريكيين لا يتآمرون علينا، لأن التآمر كما أسلفنا لا يكون معلناً، بينما يعلن لنا الأمريكي والإسرائيلي عن مشاريعهما المُعدة للمنطقة على الملأ (عمال على بطال) بكل صراحة وشفافية وصفاقة دون خجل أو وجل منذ عقود وعقود وبالتفاصيل المملة.
وكلنا يتذكر وعيد وزيرة الخارجية الأمريكية غوندوليزا رايس قبل سنوات وسنوات باستخدام «الفوضى الخلاقة» لخلق شرق أوسط جديد، وقد شاهدنا معالم تلك الفوضى في بلدان كثيرة تحت يافطات وشعارات مختلفة. نعم لقد أرادت الشعوب في بعض بلدان المنطقة أن تتحرر من الظلم والطغيان، فثارت على بعض الأنظمة، لكن كما اكتشفنا لاحقاً فإن أكبر المستفيدين من تلك الثورات لم تكن الشعوب نفسها، بل القوى التي تريد تغيير شكل المنطقة من أجل مشاريعها ومصالحها الخاصة. وهذا يبدو واضحاً الآن بعد أن ذاب الثلج وبان المرج. واليوم لا يمل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وهو يذكرنا بأنه يريد تغيير وجه الشرق الأوسط منذ اليوم الأول لحربه على غزة، وحتى قبل ذلك. ثم يأتي الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب ليؤكد على أنه يشارك نتنياهو في مشروعه، فقد قالها ترامب بعظمة لسانه قبل أيام إن هدف المواجهة مع إيران ليس فقط تدمير المشروع النووي الإيراني، بل المطلوب تغيرات استراتيجية. صحيح أنه عاد ليتحدث عن التفاوض مع إيران بعد وقف إطلاق النار بين تل أبيب وطهران، لكن الأمر لن ينتهي هنا بالتأكيد، فالجمر مازال تحت الرماد، ويمكن أن تشتعل النار بين الطرفين في أي لحظة لأن المشروع المطلوب إسرائيلياً وأمريكياً لم يتحقق بعد. وبكل الأحوال، أياً كانت النتيجة فهي تصب في مجرى مشروع الشرق الأوسط الجديد، سواء أخضعوا إيران للمخطط عبر الحرب أو القلاقل الداخلية، أو تقاسموا معها النفوذ، فبالنهاية سيكون لدينا شرق أوسط مختلف الأوصاف والأهداف.

الهدف الكبير ليس فقط هيمنة إسرائيل وتسيّدها على المنطقة، بل أيضاً وضع الشرق الأوسط في السلة الأمريكية لمواجهة النفوذ الصيني الذي بات يشكل خطراً مستداماً على العم سام ونفوذه الامبراطوري في العالم

لاحظوا الآن معالم التغيير في أماكن أخرى في المنطقة. سوريا لم تعد سوريا القديمة، لا بل إن الجيش الأمريكي ربما سيساهم في تدريب الجيش السوري الجديد بعد أن كان النظام السابق يحمل شعار القومية العربية ومناهضة الصهيونية والإمبريالية وتحرير فلسطين. ومن الواضح أن سوريا ستنتقل من معسكر إلى آخر بمباركة رسمية وشعبية تخدم المصلحة السورية بعد عقود من العنتريات والشعارات القومجية الجوفاء. لبنان لم يعد لبنان الذي عرفناه على مدى عقود بعد القضاء على حزب الله ذراع إيران. والعراق طبعاً تغير كلياً بعد الغزو الأمريكي عام ألفين وثلاثة، وربما سيأخذ شكلاً جديداً آخر قريباً. وحدث ولا حرج عن الأردن الذي يخشى أن يكون أولى ضحايا الحرب في غزة، فيتحول ربما موطناً للمهجرين الفلسطينيين. ولا ننسى ما يحدث لغزة نفسها التي صارت أثراً بعد عين، ولا يعرف سكانها إذا كانوا سيبقون فيها أو سيرحلون إلى الأردن أو مصر، وكذلك الأمر بالنسبة للضفة الغربية، أي أن القضية الفلسطينية نفسها، أم القضايا في المنطقة، أصبحت في مهب الريح. هل سمعتم كلمة واحدة من إيران التي تشدقت بالدفاع عن فلسطين لعقود وعقود في حربها الأخيرة مع إسرائيل. لم تذكر القيادة الإيرانية غزة أو القدس مطلقاً. وحتى مصر ربما لن تسلم من لعبة تغيير شكل الشرق الأوسط وتركيبته بخسارة سيناء كوطن جديد لبعض الفلسطينيين. ولا ننسى أن هناك لعبة التقسيم التي تهدد بعض الدول المحيطة بإسرائيل وتفتيتها إلى دويلات.
حتى الأتراك حلفاء حلف الناتو يخشون من القادم، والإسرائيليون لا يخفون مخططاتهم ولو مزحاً، فقد ألمح الإعلامي الإسرائيلي بيركوفيتش قبل أيام منتشياً بالضربات واسعة النطاق التي شنتها إسرائيل ضد إيران إلى «أننا كنا متعادلين مع حركة حماس ثم فزنا عليها بركلات الترجيح، وصعدنا إلى نصف النهائي وهزمنا إيران، وقد نواجه تركيا في المباراة النهائية». وكان الزعيم التركي أربكان معلم أردوغان نفسه قد أشار إلى النوايا الإسرائيلية الخطيرة تجاه تركيا قبل عقود. من يدري، فليس هناك حلفاء في المنطقة سوى الأمريكيين والإسرائيليين، والباقي كلهم مجرد أدوات بالنسبة للطرفين. لهذا على الجميع ألا يتفاجأ عندما تدور عليه الدائرة الأمريكية الإسرائيلية لاحقاً بما فيها باكستان وغيرها، فالهدف الكبير ليس فقط هيمنة إسرائيل وتسيّدها على المنطقة، بل أيضاً وضع الشرق الأوسط في السلة الأمريكية لمواجهة النفوذ الصيني الذي بات يشكل خطراً مستداماً على العم سام ونفوذه الامبراطوري في العالم.
من المبكر جداً طبعاً تصور الشكل النهائي للشرق الأوسط الجديد، فالوضع بشكل عام مازال سائلاً، وقد نشهد الكثير من الأحداث القادمة التي لم تكن تخطر على بال حتى تكتمل صورة المشهد المنشود.

كاتب واعلامي سوري
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Jalal Salim:

    إنما الأمم الأخلاق ما بقيت …..
    بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، لم تدخر قوى الشيطان وسعا في أن تعيث فيه فسادا لتدفع بشعبه الى الحضيض والإنحطاط. لكن ما كان عليه الشعب الياباني من رقي أخلاق ووعي حال دون نجاح تلك المحاولات الشريرة.
    لكن لماذا ، ومع شديد الأسف، نجح الشيطان ذاته وبسهولة في التآمر على شعوب الشرق الأوسط ؟!
    واللبيب بالإشارة يفهم.

  2. يقول فاضل جبريل:

    لله الامر من قبل ومن بعد.

  3. يقول Saleem Alali:

    قراءة واقعية جدا جدا

  4. يقول Aly Ayad:

    كيف عرفت أن الشعب السوري يبارك الإنتقال للمعسكر الصهيوني !؟

  5. يقول مسلم:

    مجرد سؤال من اين سياتي النصر للعرب و هم يقرؤون ان كل المسلم على اخيه المسلم حرام عرضه و دمه و ماله. رغم ذلك فالعربي يقتل اخاه العربي و انظر الى مواقع التواصل كيف تنتهك اعراض بعضهم بعضا بل حتى على المستوى الرسمي و منهم من يقذف المحصنات من العربيات المسلمات متهما اياهن بالبغاء. فايان يستجاب لهم لذلك سلط الله عليهم ارذل خلقه الصهاينة

  6. يقول عماد غانم:

    لا تهجير للفلسطينيين إلى الأردن أو مصر، ولكن ربما ليبيا/ بنط عريض
    قبل ثلاثة أشهر على اغتيال قاسم سليماني، صرح نائب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية/ غلام علي رشيد: لدى إيران 6 جيوش خارج إيران/ حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي والحشد الشعبي وسوريا واليمن على امتداد 1500كم طولا و1000كم عرضاً حتى ضفاف المتوسط
    تبين أن نتنياهو رفض المشاركة في شطب سليماني، لا بل اعترض واستنكر/بنط عريض
    عقب قصف الأسد الغوطة بالكيماوي، ألقى أوباما كلمة وعقد جون كيري مؤتمرين صحفيين وتوجه رئيس أركان الجيش الحر/سليم إدريس لواشنطن ليشارك في 11 فعالية، لقاء الكونغرس والبنتاغون ومؤتمرات صحفية وندوات .. فالضربة الأمريكية كانت ستسقط نظام الأسد لا محالة
    الذي نزع فتيلها “اسرائيل” بإقناع امريكا أن الأسد يقتل شعبه ولا أحد يلوم امريكا، وسوريا ضعيفة بدون أسلحة دمار شامل أفضل لأمريكا وإسرائيل/ بنط عريض
    فمحيط ضعيف تسرح وتمرح فيه الميليشيات لا يهدد اسرائيل، ودجاجة تبيض ذهباً لإسرائيل على الساحة الدولية
    فإذا لم يتحد الفلسطينيين على قلب رجل واحد خلف حل الدولتين والاستقلال بدولة ، سينتهون في دولة غير مستقرة

  7. يقول سلام عادل(المانيا):

    كيف تكون المؤامرة اذن فهل ما حدث في سوريا وما وصلت اليه وما ستصل له ليس مؤامرة فهل كل تلك الاموال التي حصلت عليها المعارضة وكل رجال الاعلام ورجال الدين تم تحشيدهم كان من اجل عيون السوريين فلو كانوا يريدون اسقاط الاسد فقط فكان يستطيعوا شراء ذمم كل ضباط الجيش السوري باقل من عشرة بالمائة من تلك الاموال وعملوا انقلاب ناجح وينتهي الامر بل يريدون سوريا جديدة بكل شيء ولبنان جديد كذلك وبعد ان تتم المصالحة ومعاهدة السلام بين البلدين واسرائيل فسيتوافد باقي دول الخليج تباعا وتصبح المنطقة سوق حرة للمنتجات الاسرائيلية والتركية وباقي الدول العربية لن تهتم لها اسرائيل حتى لو اتت لها

  8. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شكراً أخي فيصل القاسم. اتحدى إنسان يستطيع أن ينكر أن ثورات الربيع العربي لم تكن تحرك شعوب من الداخل بفعل إرادي من الداخل بسبب ماوصلت إليه الأمر من سوء بفعل اتظمة الإستبداد والقمع العربية ااتي أصبحت في مزبلة التاريخ. أما الشرق الأوسط الحديد وهذا الهراء الأمريكي، فالأمر يتعلق بقدرة الشعوب العربية على تحقيق إرادتها. وكما بدأت الثورات العربية ببت الشعر الىعروف لأبي القاسم الشابي إذا الشعب أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، هي اليوم أمام بيت شعر أخر له، ومن لايحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.

  9. يقول حسين:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ

1 2 3

اشترك في قائمتنا البريدية