البرازيل: مواقف دولية تزعج الغرب

بدأت البرازيل تشكل قلقا كبيرا للدول الغربية، التي ترى فيها قوة سياسية واقتصادية وعسكرية، تقع جغرافيا في العالم الغربي، لكنها تتبنى سياسة هي أقرب إلى التنسيق مع القوى الكبرى في الشرق وهي، روسيا والصين ونسبيا الهند. وتتخوف من إرساء الرئيس الحالي لولا دا سيلفا مدرسة ترسم معالم سياسة خارجية مستقرة وممتدة زمنيا، لا تلائم الغرب لاسيما مع بدء تبلور حرب باردة بين الصين والغرب.
وظلت منطقة أمريكا اللاتينية الممتدة من المكسيك إلى أقصى جنوب تشيلي، تفتقر إلى تصنيف جيوسياسي واضح، منذ القرن التاسع عشر عندما تأسست فيها دول بعد التحرر من الاستعمار الإسباني والبرتغالي، ودار جدل ثقافي وسياسي حول ما إذا كانت المنطقة تُعد جزءا من الغرب؟ أم مجرد منطقة ملحقة به، بخلاف الولايات المتحدة وكندا اللتين اعتُبرتا منذ القرن السابع عشر جزءا من العالم الغربي.
وعلى الرغم من أن الحضارة السائدة في أمريكا اللاتينية تُعد غربية من حيث الأصل والمنبع والمصدر، نظرا لجذورها الأوروبية التي تعود إلى الاستعمارين الإسباني والبرتغالي، اللذين أطاحا بالبُنى السياسية والاجتماعية الأصلية، فإن هذه المنطقة ظلت خارج التصنيف الغربي الرسمي، ويُعزى ذلك جزئيا إلى النظرة الدونية التي كان الغرب يُكنّها لإسبانيا والبرتغال، فما بالك بالمناطق التابعة لهما. علاوة على عدم الاهتمام الكبير بالمنطقة لأنها في القرن التاسع عشر حصلت على استقلالها، في حين كان الغرب، خاصة أوروبا، يتجه إلى استعمار مختلف مناطق العالم في آسيا وافريقيا. واهتمت الولايات المتحدة بالمنطقة جيوسياسيا مرتين خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وتبلور الاهتمام في ظهور تصور يسمى «الحديقة الخلفية» لواشنطن، وذلك بعد أن تبنت عقيدة مونرو في عشرينيات القرن التاسع عشر، بأن أمريكا للأمريكيين، وحالت دون عودة الاستعمار الفرنسي والبريطاني إلى أمريكا اللاتينية، بعدما كانت لهما أطماع بعد طرد الاستعمارين الإسباني والبرتغالي من المنطقة. وكانت العقيدة الثانية هي منع وصول أنظمة يسارية إبان الحرب الباردة إلى السلطة، ولهذا شهدت المنطقة أعلى معدل للانقلابات وكان أبرزها تورط واشنطن في الانقلاب الذي أودى بحياة رئيس تشيلي سلفادور ألليندي، وشكلت كوبا الاستثناء لأنها كانت محمية سوفييتية. وبدأ العالم يشهد تبلور حرب باردة جديدة بين الغرب، بزعامة الولايات المتحدة، في مواجهة الصين ورفقتها روسيا، ويرغب الغرب في إنشاء ما يمكن تسميته خط برلين جغرافي – سياسي يتجلى في أن منطقة المتوسط والعالم الواقع في الغرب من فنلندا إلى أقصى جنوب افريقيا، أي الواجهة الأطلسية بالكامل لا يمكن أن يكون فيها نفوذ صيني، أو دول تتعاطف كثيرا مع الصين في القضايا السياسية والعسكرية الكبرى، مع تساهل في الاستثمارات والتبادل التجاري. وعمليا، يستطيع الغرب الضغط على مختلف الدول لأنها مرتبطة به اقتصاديا، ولا يمكن أن تتحمل الضغط لأنها ضعيفة وهشة أو متوسطة أو أنها غير قادرة على التحول إلى قطب مثل حالة فنزويلا اليسارية، التي تفتقد للتأثير الإقليمي. ووسط كل هذا تبرز دولة واحدة تقلق الغرب، وبدأت تتخذ صفة «كوبا الكبرى» بسياستها الدولية، على الرغم من أنها ديمقراطية. يتعلق الأمر بدولة البرازيل، عملاق أمريكا اللاتينية.

البرازيل بصدد التحول بسياستها المستقلة واستقطابها الإقليمي والدولي لدول أخرى، إلى «كوبا الكبرى» أي مخالفة الغرب والتنسيق مع الصين وروسيا، ولكنها ديمقراطية في قلب الغرب ما يعزز قوتها

وتثير البرازيل قلق الغرب، خاصة الولايات المتحدة بتوجهاتها السياسية الكبرى وبمواقفها في قضايا دولية كبرى خلال العقدين الأخيرين، واقتصارا على السنوات الأخيرة، في هذا الصدد، وعلى الرغم من التنديد بالغزو الروسي لأوكرانيا، إلا أن البرازيل طالبت بضرورة تخلي كييف عن جزيرة القرم ومناطق أخرى لموسكو من أجل السلام. ولم يتردد الرئيس لولا دا سيلفا في توجيه اتهام قاس لنظيره الأوكراني فلولوديمير زيلينسكي بقوله، «الرئيس الأوكراني أراد الحرب وكان ينبغي عليه أن يتفاوض أكثر لتجنبها… إنه يبدو وكأنه في برنامج تلفزيوني وإنه ينبغي شن حرب حتى يظهر على شاشات التلفزيون». وكان لولا يشير إلى أن زيلينسكي تعامل مع الحرب وكأنه ممثل كوميدي على شاشة التلفزيون، لأن مهنته قبل أن يصبح رئيسا كان ممثلا. وطالبت واشنطن ولندن، البرازيل التراجع عن موقفها هذا، واعتبرته انحيازا لسياسة روسيا والصين.
وفي الملف الفلسطيني، كان لولا دا سيلفا أول رئيس دولة ديمقراطية خلال الشهور الأولى من الحرب الجارية في غزة، يقارن ممارسات الجيش الإسرائيلي بالقوات العسكرية النازية، وأول من يتهم علانية إسرائيل بممارسة حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. وضغطت واشنطن على البرازيل للتراجع عن المقارنة بين إسرائيل والنازية، إلا أن دبلوماسية هذا البلد الأمريكي اللاتيني أصرت على موقفها هذا.
ويبقى الملف العسكري هو الذي يدق ناقوس الخطر في الغرب، خاصة واشنطن نظرا لبدء التعاون العسكري الصيني – البرازيلي. في هذا الصدد، شاركت قوات صينية لأول مرة في مناورات عسكرية في البرازيل السنة الماضية وهي «مناورات فورموسا». وفي مجال التسليح، تدرس باهتمام اقتناء أنظمة الدفاع الجوي الصينية الصنع، والمدفعية ذات العجلات، والمركبات المدرعة والطائرات من دون طيار. وتم تحديد شركات مثل نورينكو، عملاق الصناعة العسكرية المملوكة للدولة الصينية، كموردين محتملين لهذه الأنظمة، لتحديث قدرات الجيش البرازيلي. وقعت البرازيل والصين اتفاقيات في مجالات الاستشعار عن بعد والاتصالات السلكية واللاسلكية وتكنولوجيا الدفاع، بما في ذلك مشاريع مشتركة مثل تطوير الأقمار الصناعية لمراقبة الأرض (CBERS) والحماية البحرية ومراقبة الحدود.. ويأتي هذا التعاون العسكري على حساب العلاقات العسكرية التاريخية بين البرازيل والولايات المتحدة، وعندما يتم تكثيف التعاون العسكري المدعوم بالاقتصادي، يبدأ التحول الجيوسياسي العميق. وهكذا، تبرز كل المعطيات توجه البرازيل إلى التحول لقطب دولي مستقل عن الغرب، على الرغم من وجودها جغرافيا وجيوسياسيا في الجانب الغربي، ويكفي انخراطها النشيط في برامج «مجموعة البريكس»، التي تضم روسيا والصين. ويتخوف الغرب من تحول البرازيل إلى قطب قادر على التأثير العميق في أمريكا اللاتينية ومنحها أمم الجنوب صوتا قويا
إن البرازيل بصدد التحول بسياستها المستقلة واستقطابها الإقليمي والدولي لدول أخرى، إلى «كوبا الكبرى» بمعنى مخالفة الغرب في ملفاتها والتنسيق مع الصين وروسيا، ولكنها ديمقراطية في قلب الغرب، وهذا يعزز قوتها أكثر.
كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية