بغداد ـ «القدس العربي»: اعتبر القضاء العراقي، أمس الإثنين، حادثة وفاة الطبيبة النفسية العراقية بان زياد طارق «انتحاراً»، وقرر إغلاق الملف التحقيقي بالقضية التي خلّفت موجة ردود فعل غاضبة في الأوساط الشعبية والحقوقية، ففي الوقت الذي تحدث فيه مقربون من الطبيبة المتوفية، عن أسباب جنائية تقف وراء الحادثة، مشيرين إلى ضغوطات لغلق ملف القضية وتسويفها، اصطف آخرون مع الموقف القضائي.
ووقعت الحادثة في 4 آب/ أغسطس الجاري، عندما جرى الحديث عن إقدام الضحية على «الانتحار» بقطع أورده يديها، نتيجة تعرضها لضغوطات نفسية، حسبما أفادت عائلتها حينها.
لكن انتشار صور ومشاهد مصوّرة لجثة الدكتورة بان، أظهرت جروحاً قطعية عميقة في الذراعين وكدمات حول الرقبة والوجه، ما أثار شكوكًا واسعة في فرضية الانتحار، والترجيح بأن الحادثة تحمل طابعاً جنائياً.
ويرى مقربون من الفقيدة أنها لم تعان من أي أعراض لأمراض نفسية، خصوصاً وأنها كانت تنشط في مجال التوعية النفسية في منصّات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن كونها تمتلك عيادة خاصة للطب النفسي.
وأمس الإثنين، قرر مجلس القضاء الأعلى إغلاق ملف التحقيق بحادثة الطبيبة البصرية بان زياد، لافتاً الى أن الحادث كان انتحاراً.
وأوضح المجلس، في بيان، أن «رئاسة محكمة استئناف البصرة أرسلت إلى مكتب رئيس المجلس القرار الخاص بوفاة الطبيبة بان زياد، والذي اتضح من خلال حيثيات القرار أن الحادث انتحار، لذا تم غلق التحقيق».
وبين المجلس أن «والد الطبية بان ووالدتها، وشقيقتها، وخالها وزوجة خالها وابن خالها وشقيقها يؤكدون أن ابنتهم قد انتحرت بسبب ضغوط نفسية قاهرة»، لافتاً إلى أن «الطبيبة كانت تعاني من الاكتئاب وشُخّصت حالتها لدى أطباء مختصين بالأمراض النفسية في بغداد».
وأشار إلى أن «الطبيبة كانت تحت العلاج بعقار (بوبروبيون) المستخدم في علاج الاكتئاب المزمن، والأطباء أكدوا أن المرض قد يعرّض المريض إلى الانتحار في حال عدم الانتظام على العلاج أو الاستسلام للأفكار السلبية، والتقرير الطبي بيّن أن الراحلة طلبت علاجًا طبيًا من مصحة أهلية في البصرة».
ولفت مجلس القضاء الأعلى إلى أن «إفادات الشهود والمعنيين، بينما أكد مصطفى ناجي صفاء (أحد المقرّبين) أن (بان) أخبرته بمرورها بحالة اكتئاب وأفكار انتحارية، وذكر أنها كانت تفكر بالانتحار مرات سابقة».
وقبل يوم من إعلان نتائج التحقيق، قرر رئيس البرلمان، محمود المشهداني، تشكيل لجنة تحقيقية تضم في عضويتها 6 نواب «لمتابعة سلامة وصحة تطبيق احكام القانون والإجراءات التحقيقية» بالقضية.
وفي 15 آب/ أغسطس الجاري، شددت لجنة حقوق الإنسان في البرلمان، على وجوب التعامل المهني مع هذه الحادثة بكل شفافية وجدية، والكشف العاجل عن ملابساتها وأسبابها.
بيان للجنة ذكر أنها تتابع «بقلق بالغ حادثة وفاة الدكتورة بان، الطبيبة النفسية المعروفة في محافظة البصرة، والتي أثارت صدمة وحزنًا واسعًا في الأوساط الطبية والمجتمعية».
وأضاف: «إننا إذ نعرب عن بالغ تعازينا لذوي الفقيدة وزملائها ومرضاها، فإن اللجنة تؤكد على ضرورة التعامل مع هذه الحادثة بكل شفافية وجدية، والكشف العاجل عن ملابساتها وأسبابها، سواء كانت نتيجة ظروف صحية أو عوامل مهنية أو ضغوط نفسية أو أي أسباب أخرى، وذلك من خلال تحقيق مهني ونزيه تشارك فيه الجهات المختصة كافة».
ودعت اللجنة «وزارة الصحة ونقابة الأطباء إلى مراجعة بيئة العمل في المؤسسات الصحية، وضمان توفير الدعم النفسي والمعنوي للعاملين في القطاع الصحي، لما لهم من دور إنساني كبير يتطلب حماية ورعاية خاصة».
القضاء عدّها انتحاراً وأنهى التحقيق وشكوك بالقتل العمد
وفيما أشارت اللجنة إلى أن «كثرة هذه الحوادث، وتنامي انتهاكات حقوق المرأة العراقية، وارتفاع نسب الطلاق، وتزايد الحالات النفسية والضغوط الاجتماعية، باتت تمثل تحديًا خطيرًا»، أكدت على الحكومة «إعادة النظر بشكل عاجل في هذا الملف، وأن تعمل الحكومة المقبلة على تأسيس وزارة خاصة تُعنى بشؤون المرأة والاسرة والطفولة، أسوةً ببعض الدول التي واجهت أزمات مشابهة ونجحت في الحد من الضغوط النفسية على المرأة ودعمها».
وشددت لجنة حقوق الإنسان على أن «حماية الكوادر الطبية، وصون حقوق المرأة، ومعالجة الضغوط النفسية والاجتماعية، واجب وطني وإنساني، وأن أي إهمال أو تقصير في هذا المجال يمثل انتهاكًا لحقوق الإنسان ولقيم المجتمع».
كذلك طالبت عشيرة الطبيبة بـ«التعمق في التحقيقات الجارية والكشف عن جميع الملابسات وإنزال أقسى العقوبات بحق المتورطين في حال وجودهم».
وذكرت في بيان صحافي أنها «تهيب بدولة رئيس الوزراء ورئيس مجلس القضاء الأعلى ووزير الداخلية المحترمين، بضرورة متابعة الملف شخصيا وضمان تحقيق العدالة»، متوعّدة بـ«موقف واضح ومعلن إذا لم تكشف الحقائق كاملة، وأن دماء الأبرياء أمانة في أعناق الجميع».
وخلّف الحادث موجة من ردود الفعل المُشكّكة بفرضية «الانتحار»، إذ أفاد الأمين العام لحركة «الوفاء العراقية»، عدنان الزرفي، أن الحكومة ارتكبت جريمة باستغفالها للشعب، مشيراً إلى أن قضية الدكتورة بان زياد فضحت الفساد قبل أن تحسم.
وذكر الزرفي في «تدوينة» له، أول أمس، أن «الحكومة الحالية بالغت في الانتفاع من آلية التسويف التي ورثتها عن سابقاتها، حتى فقدت مصداقيتها تماماً، الأمر الذي دفع الناس للتشكيك بنتائج إجراءاتها، حتى وإن كانت دقيقة».
وأضاف أن «إهمال الساسة لأجهزة الأمن الرسمية دفعها للتخبط، وأجبرها على مناقضة إجماع الناس بعناد، بل والعودة لتخريب ما أُنجز، ونجده في إطلاق سراح قاتل الشهيد الهاشمي عبرة».
وبين أن «لجان الحكومة تحولت إلى نذير لقلب الحقائق، وأكباش الفداء يتوفرون دائماً».
وأوضح أن «قضية الدكتورة بان فضحت الفساد قبل أن تحسم، ما دفع بعض الساسة للإسراع بإطلاق أحكام مستفزة، ما أدى إلى الضغط على أجهزة الأمن الرسمية غير الرصينة لمسايرة هذه الأحكام، مما أغضب الشارع المحتقن».
وأكد أن «إطلاق اللجان بمستويات متصاعدة أثبت انعدام المصداقية لدى الجميع، فلا داعي لتشكيل لجنة وزارية إذا كان التحقيق المحلي سليماً، ولا داعي لتعزيزها بلجنة رئاسية إذا لم يكن هناك شك بسابقاتها».
وأشار إلى أن «الحكومة تتخبط في أخطر ما يهم المواطن، وهو أمنه الشخصي، والمغامرة بهذا المفصل تدفع الناس لتنحية الأجهزة الرسمية وتبني عملية توفير أمن أسرهم، وهذا قد يبرر تفشي التسلح لدى الجميع».
ووفق الزرفي فإن «الشعب لم يقتنع بلجان حريق الكوت ومعركة الدورة، وعليه أطلق سرديته الخاصة. ووجد بالدكتورة بان رمزاً واضحاً للظلم الفادح، لذا ننصح الحكومة بالتريث هذه المرة، فلن يسامحها الناس إن أثبتم انتحار بان، حتى وإن أخرجتم الفقيدة من قبرها للشهادة، وسيشرككم دمها ويحملكم وزرها، لأنكم استهنتم بحرمته سابقاً».
وشهدت عدة مدن عراقية خلال الأيام الماضية سلسلة وقفات احتجاجية للمطالبة بالكشف حقيقة وفاة الطبيبة بان زياد.
في العاصمة بغداد، نظم العشرات من المواطنين ومنظمات المجتمع المدني، مطلع الأسبوع، وقفة احتجاجية في ساحة التحرير للمطالبة بكشف ملابسات وفاة الطبيبة بان زياد، داعين الجهات المختصة إلى التحقيق ومحاسبة المتورطين في القضية.
هذه الوقف الاحتجاجية جاءت في أعقاب وقفة مماثلة جرت الاسبوع الماضي في مدينة البصرة، شارك فيها أطباء وناشطون ومواطنون من مختلف الشرائح، أكدوا أن هدفهم هو دعوة السلطات لتوضيح الحقائق للرأي العام، بما يضمن الشفافية ويضع حداً للتكهنات.
وقال عدد من الأطباء المشاركين إنهم يشعرون بالقلق تجاه ما حدث للطبيبة، وطالبوا بتحقيق مهني ومكثف يضمن حماية حقوق الضحية ويبعث برسالة طمأنينة للمجتمع الطبي.
من جهته، اعتبر مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان في البصرة، مهدي التميمي، أن الخطوة التي اتخذتها وزارة الداخلية بفتح التحقيق «موفقة وفي الاتجاه الصحيح»، داعياً إلى «استقدام خبراء في الطب العدلي لضمان كشف الحقائق ورفع الغموض عن القضية».
وأعلنت محكمة تحقيق البصرة الثالثة، الجمعة الماضية، مباشرتها الإجراءات القانونية بشأن وفاة الطبيبة بان زياد طارق، مؤكدة استمرار التحقيقات تحت إشراف مباشر من قاضي التحقيق المختص.
وفي اليوم ذاته، وجه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بمتابعة التحقيق في القضية التي أثارت صدمة وحزنًا واسعًا في الأوساط الطبية والمجتمعية.