ssمحسن الزكريsssاستهل الباحث عبد الفتاح كيليطو كتابه الذي أفرده لدراسة ‘ألف ليلة وليلة’ بالإشارة إلى أسطورة من تلك الأساطير الكثيرة التي حيكت بخصوص هذا السفر الفريد، ومفادها أنه ليس بوسع أي أحد قراءة ‘ ألف ليلة وليلة ‘ من أولها إلى آخرها دون أن يموت. إنها كتاب قاتل على هذا الأساس! قد يدخلنا الخوف جراء ذلك، خصوصا ونحن نتذكر كيف أن الجاحظ قد قتله أحد كتبه عندما سقط على رأسه. الهمذاني أيضا قتل بالسم بسبب سحر مقاماته. لماذا لم يمت إذن قراء الليالي منذ القدم؟ من أوجه الأسباب تلك التي أشار إليها كيليطو، عندما طمأننا أننا لن نموت، كوننا لن نتمكن حتى وإن رغبنا في ذلك، من إتمام هذا الكتاب المتشظي الذي يعتبر متنا يضم عددا لا يحصى من المخطوطات والطبعات والترجمات والإضافات والشروح والكتابات المعادة. وسيظل هناك أبدا نص آخر من الليالي قابل للكشف والقراءة. نحن لن نتم قراءة الليالي على كل حال لأنها، بالإضافة إلى ذلك، ما زالت تكتب إلى الآن. فكم من النصوص كتبت على هامش الليالي؟ وكم من النصوص كتبت محاولة استكمال الليالي؟ في الليلتين الرابعة والخامسة حكاية عن كتاب قاتل أعطاه أحد الحكماء للملك ‘فوجده ملصوقاً فحط إصبعه في فمه وبله بريقه وفتح أول ورقة والثانية والثالثة والورق لا ينفتح إلا بجهد، ففتح الملك ست ورقات ونظر فيها فلم يجد كتابة فقال الملك: أيها الحكيم ما فيه شيء مكتوب. فقال الحكيم: قلب زيادة على ذلك. فقلـّب فيه زيادة ولم يمض إلا وقت قصير حتى سرى فيه السم لوقته وساعته’ ومات. ‘ ألف ليلة وليلة’، دار العلم والمعرفة، 2004، مصر الجديدة، ص31. في ألف ليلة يعلمون أن الكتاب يمكن أن يكون قاتلا، لكن الكتاب المذكور في الحكاية فارغ، أبيض الصفحات. الكتب الفارغة أقدر على القتل من غيرها. إذا كان الأمر كذلك فلم يعد بإمكاننا أن نصف الليالي بالكتاب القاتل؛ فهو على الأقل مليء جدا بعوالم أقل ما يقال عنها إنها عوالم ساحرة. نعم، عوالم ساحرة، دائما ما توصف الليالي بأنها كتاب سحري، إذ هناك أيضا فكرة أن هذا الكتاب يمتلك سلطانا رهيبا، وأن الإغواء الذي يستحوذ على العقول ليس بريئا، وأن سحره قد يكون طالع نحس كما أشار عبد الفتاح كيليطو في كتابه ‘ لسان آدم’، أو قد يكون طالع خير. بل لعله كذلك. في أوروبا كانت ترجمة الكتاب سنة 1704 على يد الرحالة الفرنسي أنطوان غالان إيذانا بميلاد مرحلة جديدة في السرد؛ فالليالي فتحت عهدا جديدا في السرد الأوروبي. في رواية ”اسم الوردة” للكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو يدور السرد حول كتاب مسموم، وعندما سئل عن التشابه بينها وبين حكاية الكتاب القاتل في الليالي نفى علمه بهذه الحكاية، لكن أنـّى له أن يفلت من سحر الليالي؟ إنه سحر، ومن عادة السحر أن يكون خفيا فلا يتفطن إليه. في أمريكا اللاتينية مع بورخيس وماركيث أصيب السرد بالعدوى، فانتشر عندهم ما سمي في الدراسات الأدبية بالواقعية السحرية، إنها واقعية ”ليالية” الهوى ولا شك. قدر السرد أن يفتتن بسحر ‘ألف ليلة وليلة’، إنها تمثل جزءا هاما من صيرورة التاريخ السردي. إنها جزء من ذلك الآخر الرمزي الممتد في اللاوعي السردي الإنساني باعتباره مادة سحرية لا يمكن الفكاك منها أبدا.الغريب أن تأثير الليالي في العالم العربي كان أقل من تأثيرها في أوروبا، ربما لأن السحر لا يؤثر في صانعه، فإلى العرب ينسب هذا العمل السردي العظيم. ولكن السحر في بعض الأحيان ينقلب على الساحر، ويصبح هذا الأخير ضحية سحره. ذلك ما حدث ولا شك. وإن كنا لا نستطيع قياس هذا التأثير بالدقة نفسها التي أدركنا بها تأثير الليالي في أوروبا، فلأن دخول الليالي إليها كان حدثا معروفا ومؤرخا مع ترجمة غالان الفرنسية. وأمكن بعد ذلك الحديث عن مرحلة ما قبل الليالي ومرحلة ما بعدها. فمتى ‘دخلت’ الليالي إلى العالم العربي؟ هي لم تدخل في الحقيقة، هي من جملة الحكايات الشعبية التي لا يعرف لها قائل، بل التي لا قائل لها، لأن لها قائلين كثرا، كل أدلى بدلوه. لكن هذا لا يمنع من أن تكون سحرت الكثيرين وكتبوا بإيعاز من سحرها حكاياهم. ولنا في رواية نجيب محفوظ ‘ليالي ألف ليلة’ خير مثال، ولنا أن نقول كفى بالليالي سحرا أن فتنت نجيب محفوظ وهو أمير سردنا الحديث بحق. ألم يكتب ليالي ألف ليلة (1979) وهو في أوج نضوجه الفني؟ ولكن لا يقتصر هذا السحر بأن ألف روايته مستكملا فصول الليالي، بل السحر يمتد إلى حياة محفوظ بأن جعل من حرفة شهرزاد حرفته. عن هذه العلاقة السحرية بين محفوظ والليالي تدور هذه الدراسة.قد يكون من باب المبالغة الحديث عن وجود علاقة سحرية بين ‘ألف ليلة وليلة’ و’ليالي ألف ليلة’ لنجيب محفوظ. ليس في الأمر مبالغة إن نحن أعطينا كلمة ‘السحر’ بعض الأبعاد الجديدة التي تبوئها مكانة المفهوم والمصطلح. وهذه الأبعاد لا يجب أن تخرج عن نطاق التأمل الجمالي في فعلي الإبداع والكتابة من جهة والسحر من جهة أخرى. من الشائع في الثقافة العربية أن يحتل السحر منزلة المفهوم، يكفي أن نعلم أن الجرجاني كان يحلو له أن يستخدمه في كتابيه ‘الدلائل’ و’الأسرار’.في ‘ألف ليلة وليلة’ يعلمون أن الكتاب يمكن أن يكون قاتلا، كما يعلمون، ولا شك، أن الحكاية يمكن أن تكون ساحرة. ألم تستخدم شهرزاد سحر حكاياها حتى أوقعت بشهريار العنيد العاتي في حبائلها فتحول من النقيض إلى النقيض؟ بهذا المعنى أنطق نجيب محفوظ شهريار في ‘ليالي ألف ليلة’ قائلا: ‘حكاياتها السحر الحلال، تفتحت عن عوالم تدعو للتأمل’ ‘ ليالي ألف ليلة’، نجيب محفوظ، مكتبة مصر، ص 4.كل من شهرزاد ونجيب محفوظ يعلمان بوجود سحر الحكاية. لكن الأولى هي من يوقع الآخرين في شراك السحر والثاني أحد الموقع بهم. شهرزاد عصية على الوقوع في السحر، فقد جرب أبوها أن يثنيها عن تقديم نفسها عذراء للذبح عند نطع شهريار بحكاية الحمار والثور مع صاحب الزرع، إلا أنه لم يفلح. في الليالي المحفوظية حكت دنيازاد على مسامع أختها قصتها مع نور الدين، إلا أنه استعصى عليها أن تصدقها، فدار الحديث بين الأختين:- أي عقل يقبل قصتك؟- هذا ما أحدث به نفسي، إنها قصة شبيهة بقصصك العجيبة…- قصصي مستوحاة من عالم آخر يا دنيازاد..فقالت متنهدة:ـ لقد وقعت أسيرة صدق عالمك الخفي ولكني لا أريد أن أكون ضحيته..’ ص97. ليس من الضروري أن تصدُق الحكايا، لكن من الممكن أن تؤثر فينا. الغريب أن شهرزاد لم تصدق ولم تتأثر بالحكاية سواء في لياليها أم في ليالينا المحفوظية حتى وإن كان منبع الحكاية أباها أو أختها. ليست كل حكاية ساحرة إذن، و ليس كل من أنصت لحكاية سُحر. أو لعل هناك أنواعا وأنواعا من السحر. في التراث العربي كان يعتقد بوجود السحر، وكان العرب يعتبرون الشعر نوعا من الإلهام السحري، أو نوعا من السحر الذي مصدره تابع من التوابع. ومن غريب اعتقادهم في شياطين الشعراء أن للشعر شيطانين يدعى أحدهما الهوبر والآخر الهوجل، فمن انفرد به الهوبر جاد شعره وصح كلامه. ومن انفرد به الهوجل فسد شعره كما أشار إلى ذلك صاحب الجمهرة. إن كان من شيطان سكن شهرزاد فهو الهوبر لا محالة. لكن شهرزاد لم تكن شاعرة، لقد كانت راوية للحكايا. لم يكن السحر في الحقيقة حكرا على الشعر، بل عم البيان ، ففي الحديث: ‘إن من البيان لسحرا’. من لوازم البيان السحر إذن. لا نأتي بجديد عندما نقول ‘إن من الحكاية لسحرا’. يكفي أن نتذكر أيضا سحر الجدات والأمهات وهن يحكين الحكايا على مسامع الصغار، كيف كنا نلتف حولهن ونظل نغالب النوم إلى أن ننهزم. يقال إن من فتق خيال نجيب محفوظ الحكائي أمه التي كان من عادتها أن تحكي له حكاياها، تماما كما كانت تفعل شهرزاد. تحمل النساء بعضا من روح شهرزاد، هن سردن الحكاية لتسحر أرواحنا البريئة، وشهرزاد روت الحكاية لتسحر روح شهريار الشريرة. من الممكن أن تؤثر الحكاية في الأرواح على اختلافها أحيانا. نقول ‘أحيانا’ ونحن نعود لنتذكر كيف أن حكاية دنيازاد لم تسحر شهرزاد رغم أن الأخت صادقة في حكايتها، فليس من شروط الحكاية الصدق، أو لا يكفي أن تكون الحكاية صادقة لتكون ساحرة. الغريب أن دنيازاد قد سمعت جميع قصص أختها، لكنها لم تستطع امتلاك الملكة التي تجعل الحكي ساحرا، يبدو أنها حكر على صفوة مختارة من الناس. أو لعل القضية ليست قضية ملكة، بل هو أصل الحكاية. إن حكاية الأب لم تؤثر في شهرزاد الليالي، وحكاية الأخت لم تؤثر في شهرزاد محفوظ، لأنهما لا ينبعان من مصدر واحد، وليست القرابة الدموية هي من يحدد هذا المصدر. في ‘ليالي ألف ليلة’ لاحظ شهريار تشابها بين حكايات شهرزاد وحكايات السندباد، فقال: – ‘ما أشبه حكايات سندباد بحكاياتك يا شهرزاد.فقالت شهرزاد:- جميعها تصدر عن منبع واحد يا مولاي..’ ص 256. فكيف يكون السندباد قد استقى حكاياه وجعلها تملك ذاك السحر الذي حسبناه حكرا على شهرزاد من مصدر واحد هو نفسه مصدر شهرزاد؟ ولكن ما هو مصدر شهرزاد الحكائي؟ من أين تنبع الحكاية عندها؟ تجيب ‘ألف ليلة’ أن شهرزاد قد ‘قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضيين. قيل إنها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ المتعلقة بالأمم السالفة والملوك الخالية والشعراء’ ص 18. هكذا تعود الحكاية عند شهرزاد إلى الماضي ؛ إلى التاريخ وإلى الشعر، إلى كل ما دون في كتب الأقدمين. نجد في كثير من الأحيان ضالتنا عند هؤلاء، لكن هل هذا يكفي لكي تكتسب الحكاية طاقتها السحرية؟ يبدو أن نجيب محفوظ، وهو الخبير بمنابع الحكايا، قد اكتشف مصدرا آخر عادت إليه شهرزاد وهو الشيخ البلخي المتصوف العابد الناسك. لا بد للحكاية من مصدر صاف نقي تصدر عنه، وتعود إليه لأخذ المشورة والنصح. الشيخ البلخي سلطة روحية توجه الحكاية. لا تملك المعرفة وحدها خصائص سحرية، وإلا لاكتفت شهرزاد بالكتب التي قرأت. لا بد للحكاية من طاقة روحية تجعلها تخاطب نقطة النور تلك؛ تلك التي لا يمكن أن تخلو من إنسان. لكن من عادة الحكايات الشعبية أن تبحث عن خصائصها السحرية وطاقتها الروحانية في التعلق بالأساطير والخوارق وعوالم العفاريت والجان. إن هذا النوع من الحكي يبحث عن المتعالي والمطلق الذي يحضر في التاريخ مخلصا للإنسان من عذاباته، ومحققا له ذاك اليقين المنشود منذ الأزل، لكنه يغيب في واقعه فلا يجد إلا الحكاية منبعا جديدا لهذا المطلق؛ الحكاية بسحرها وجنها وعفاريتها وقصورها القرمزية ومدنها النحاسية العائمة في المحيطات. إنها نفسها عوالم شهرزاد ولياليها، و’ألف ليلة وليلة’، وهي تخلق أسطورتها السحرية الخاصة لكي تتحول إلى كتاب سحري، ما فتئت تعود إلى موضوع السحر لتنسج عوالمها الفريدة. لكن اللافت في هذه العودة أن السحر في الليالي، بالإضافة إلى التعزيم أي اللغة، يقوم على وجود الماء محرك الحياة الأول، إنه يستغل مادة الحياة الأولى- الماء- لإعادة تشكيل الحياة نفسها. وكذلك الحكاية، إنها مائية الهوى. ما الحياة في النهاية؟ هي حكاية طويلة ‘مبتلاة بالعناء’ نعيشها كما يقول بول ريكور، وإن لم يكن بمقدورنا أن نعيشها كما نريد، فلنروها كما نريد، وليكن ذلك على نحو ساحر. السحر كما حكايات الليالي يقوم بإعادة تشكيل الحياة، لكن المشكلة أنه غالبا ما كان يصوغها بشكل نهائي وتام، وكأن للحياة شكلا واحدا يجب أن ترتد إليه. السحر في حكاية التاجر والعفريت يسحر الإنسان ويحوله إلى حيوان من الحيوانات، يعيده إلى صورته الإنسانية النهائية أحيانا، أو يبقيه في صورته الحيوانية إلى الأبد، في بعض الأحيان يكون السحر سببا في موت الإنسان، مصيره النهائي، كما هو الحال في حكاية بنت الملك في الليلة الخامسة عشر. عوالم الجان والعفاريت في الليالي جميلة فريدة، وحتى إن طالها قبح، سرعان ما ترتد إلى طبيعتها الأولى. ليس هذا غريبا على المخيلة العربية على كل حال، بل وحتى الإنسانية، كلما أعوزت الإنسان الحيلة في تفسير الظواهر الاستثنائية، عمد إلى نسبتها إلى قوى علوية أو كائنات خرافية تتجاوز قدراتها قدرات البشر العاديين. عادة ما تتجه الأمور إذن إلى اليقين والسكون في ‘ألف ليلة’. هذا اليقين نفسه هو ما سيدفع السندباد في الليالي إلى القيام برحلاته السبع والاكتفاء بها، وكأنه عرف حقيقة الوجود واستكنه الأجوبة النهائية عن الأسئلة التي دفعته إلى السفر. في الثقافة العربية يدل الرقم سبعة على الكامل والمطلق والنهائي. وهو اليقين نفسه الذي سيدفع شهريار إلى العفو عما تبقى من عذارى مملكته والاحتفاء بشهرزاد وإقامة الأفراح والولائم. لكن أنى للحياة أن تكون بهذا الكمال؟ وأنى لهذا اليقين أن يستمر؟ شهرزاد نجيب محفوظ نفسها تعي أن حكاياتها تنتمي إلى عالم آخر. إن كانت الحكاية ساحرة وتؤدي إلى اليقين مع شهرزاد وهي التي عادت إلى التاريخ والشعر والشيخ البلخي لتعرف الطريق إلى الحكاية، فإن السندباد الذي عاد من رحلته السابعة في ‘ ليالي ألف ليلة’ قد مارس سحرا جديدا على شهريار بحكاياه التي تشترك في منابعها مع شهرزاد لكنها لا تكتفي بالشيخ البلخي والتاريخ، إنها تعود إلى الحياة نفسها من خلال السفر والتجوال فتستقي مادتها من المعاينة والمشاهدة، وليس الخبر كالعيان. حكايات سندباد دفعت شهريار إلى إعادة النظر في الحياة نفسها، دفعته إلى الشك بعدما عاش اليقين. بل إنها دفعت السندباد نفسه إلى فتح دائرة رحلاته السبع واستكمالها برحلات جديدة لا تنتهي. إذا كانت الحياة بتعقيداتها مع ‘ ألف ليلة وليلة’ قابلة للحكي الساحر على نحو يدفعها إلى اتخاذ شكل نهائي يتميز بالكمال والانتهاء والامتلاء، فإننا مع نجيب محفوظ والسندباد سرعان ما نكتشف مدى طوباوية هذه الفكرة. الحياة حتى وإن كانت قابلة للحكي على نحو ساحر إلا أن سحر الحكاية ذاك لا ينفك يجعلها ترتاد عوالم جديدة قد تكون الحكاية أشارت إليها وأجابت عن بعض أسئلتها، لكن الأرجح والأكثر يقينا أنها لم تفعل إلا أن أعادت طرح الأسئلة من جديد.باحث من المغرب88