انقسام أوروبي حول «الجدار المضاد للمسيرات» الروسية وبوتين يتّهم فرنسا بالقرصنة البحرية بعد اعتراضها «بوراكاي»

آدم جابر
حجم الخط
0

في مواجهة توغل طائرات مسيّرة، نسبها الأوروبيون إلى روسيا، داخل المجال الجوي لدول أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو»، حصل مشروع «الجدار» على دعم عدة دول في الاتحاد.

بروكسل ـ «القدس العربي»: تصدر اقتراح المفوضية الأوروبية تنفيذ مشروع أوروبي لـ«جدار مضاد للمسيّرات» أجندة قمة «CPE» في كوبنهاغن، وسط تساؤلات وجدل واسع حول هذا المشروع؛ فيما هدد فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يهدد أوروبا بـ«رد مقنع جدًا» إذا استمرت في التسلح ومساعدة كييف، متّهماً إياها بـ«التّشجيع على التصعيد الدائم» للنزاع في أوكرانيا.
على وقع التوغلات الأخيرة لمسيرات، نُسبت إلى روسيا، في أجواء بلدان أوروبية، اجتمع هذا الخميس في كوبنهاغن، حوالي خمسين من قادة أوروبا الموسّعة ضمن المجتمع السياسي الأوروبي «CPE» وهو تكتّل غير رسمي أُنشئ بمبادرة إيمانويل ماكرون في عام 2022 ردًّا على الغزو واسع النطاق لأوكرانيا، تجمعوا حول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي استغل الفرصة لتحذير نظرائه الأوروبيين من أن «الهجوم الذي يشنّه فلاديمير بوتين لن يقتصر أبداً على أوكرانيا»، وأنّهم جميعًا سيكونون معنيين بهذا «الواقع الجديد» الممزوج بانتهاكات للسيادة، وأعمال تخريب، وحرب هجينة.
ففي مواجهة التوغل المتكرر مؤخرًا لطائرات مسيّرة، نسبها الأوروبيون إلى روسيا، داخل المجال الجوي لدول أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف الشمال الأطلسي «الناتو»، حصل مشروع «الجدار مضاد للمسيّرات» الذي طرحته رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا قبل نحو شهر، والذي تكمن مرحلته الأولى في نشر مزيد من أجهزة الاستشعار، سواء الأرضية أو عبر الأقمار الاصطناعية، على طول الحدود التي تفصل الاتحاد الأوروبي عن روسيا؛ حصل على دعم عدة دول أعضاء في التكتل الأوروبي، لكنه لم يُثر الحماسة لدى البعض الآخر، لاسميا ألمانيا، التي أبدى مستشارها فريدريش ميرتس تحفّظاته متسائلًا عن كلفة المشروع وعن صلاحية الاتحاد الأوروبي لتطبيقه. وأيضا فرنسا، التي اعتبر رئيسها إيمانويل ماكرون أن الجدار المضاد للطائرات المسيّرة الأوروبي «غير قابل للتنفيذ بالكامل»، مشددا على ضرورة أن تعمل أوروبا لتعزيز قدراتها في مجال الدفاع الجوي والردع بدلًا من التعويل على فكرة جدار مضاد للمسيّرات. وصرح ماكرون قائلاً: «يجب أن نكون صريحين مع مواطنينا: لا يوجد قبة حديدية لأوروبا. هل تعتقدون أن جدارًا مثاليًا مضادًا للمسيّرات على حدود تمتد أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر أمر ممكن التنفيذ؟ الجواب هو لا. ما نحتاجه هو تعزيز قدراتنا، من خلال أن نتبنى مقاربة تشمل الردع، الصواريخ الباليستية وبعيدة المدى، أنظمة الإنذار المبكر والتقنيات المضادة للمسيّرات». واعتبر الرئيس الفرنسي أنه «يمكن، باختصار، تدمير الطائرات المسيّرة التي تنتهك المجال الجوي الأوروبي»؛ فيما حذر رئيس الوزراء الروماني نيكوسور دان، الذي تعرضت بلاده أيضًا لتحليق طائرات مسيّرة روسية، يوم الخميس من أن قواته ستسقط الطائرة المسيّرة التالية التي تنتهك مجالها الجوي.
كما أبدت دول الجنوب قلقها من أن تُترك جانبًا في هذا المشروع، الذي يخص بالدرجة الأولى الدول المعروفة بخط المواجهة، نظرًا لقربها الجغرافي من روسيا. وفي محاولة لطمأنتهم، شددت المفوضية الأوروبية على التزامها باستراتيجية «شاملة 360 درجة». لكن خبراء تكنولوجيا الطائرات المسيّرة حذّروا من أن تطورها السريع من شأنه أن يجعل من الأنظمة المطروحة اليوم عرضة لأن تصبح متجاوزة عند بدء تطبيقها، لاسيما وأن مسؤولين أوروبيين أكدوا أن عملية النشر المرجوة من المفوضية الأوروبية ستستغرق ما لا يقل عن عام واحد، قبل أن يتم لاحقاً إدخال قدرات الاعتراض. في هذا الصدد، أقرّت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميته فريدريكسن، بأن «التطور السريع للتكنولوجيا يفرض على الأوروبيين عدم الاكتفاء بفكرة واحدة مع الاعتقاد أنها ستحل جميع المشاكل». في حين، حذّر رئيس الوزراء الإستوني، كريستين ميخال، من أنه لا مجال لبناء «خط ماجينو» جديد، في إشارة إلى خط الدفاع الذي شيّدته فرنسا قبل الحرب العالمية الثانية على حدودها مع ألمانيا، والذي تبيّن لاحقاً أنه عديم الفائدة بعدما تم الالتفاف عليه.
علاوة على ذلك، تساءل البعض أيضاً عن مدى ملاءمة إسناد مهمة قيادة مشروع الجدار المضاد للطائرات المسيّرة إلى المفوضية الأوروبية، في حين أن شؤون الدفاع تقع أساساً ضمن صلاحيات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

بوتين يندد بهستيريا أوروبية

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، قال إن بلاده ستشارك في إعداد هذا الجدار المضاد للطائرات المسيّرة في أوروبا، وذلك بعد تمكنّها، بعد أربعة أعوام من الحرب، من إنشاء صناعة للطائرات المسيّرة وأنظمة مكافحتها تُعدّ فريدة من نوعها في أوروبا، محذّراً من أن التوغلات الأخيرة للطائرات المسيّرة في أوروبا تُظهر أن روسيا تسعى إلى التصعيد، داعياً الأوروبيين إلى التعبئة إلى جانب بلاده. وقال زيلينسكي: «استراتيجية موسكو بسيطة – تقسيم أوروبا – علينا أن نفعل العكس تماماً».
في المقابل، رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه الاتهامات وأكد أن الكرملين يتابع عن كثب «العسكرة المتزايدة لأوروبا»، وذلك خلال مشاركته في منتدى بمنتجع سوتشي على ضفاف البحر الأسود، مُعتبراً أن موسكو تقاتل الآن «ضد كامل كتلة الناتو» في أوكرانيا، دون أن تعتزم الهجوم على الحلف الأطلسي. وحذر سيّد الكرملين من أن بلاده سترد «بشكل مقنع» في حال وقوع استفزازات، مؤكدا أنه يراقب التسليح المتزايد لأوروبا عن كثب، وذلك في وقت تضاعف فيه البلدان الأوروبية استثماراتها العسكرية. واتّهم بوتين أن أوروبا تغذي «تصعيدًا دائمًا» وتعيق أي تسوية للنزاع في أوكرانيا. وأضاف الرئيس الروسي ساخرا: «النخب الحاكمة في أوروبا الموحدة تواصل تأجيج الهستيريا بقولها إن الحرب مع الروس على أبوابنا تقريبًا. اهدأوا، ناموا مطمئنين واعتنوا بمشاكلكم الخاصة. انظروا ما يحدث في شوارع المدن الأوروبية».
وتحدثّ الرئيس الروسي بنفس الأسلوب الساخر عن قضية الطائرات المسيرة الروسية المفترضة التي تعطل بشكل متكرر أمن المطارات الأوروبية، كما حدث في مطار ميونخ صباح الجمعة. وقال مازحًا متعهدًا بعدم «التحليق فوق الدنمارك» مرة أخرى، حيث أغلقت بعض المطارات الأسبوع الماضي: «لن أفعل ذلك بعد الآن، أعدكم بذلك».
كما ردّ الرئيس الروسي على اعتراض البحرية الفرنسية نهاية الأسبوع الماضي ناقلة النفط «بوراكاي» التابعة للأسطول الشبح الروسي، قبل أن تستأنف هذه الأخيرة طريقها وتغادر ميناء سان نازير الفرنسي فجر الجمعة المنصرم متجهة نحو الجنوب الغربي بعيداً عن السواحل الفرنسية، متجهة إلى قناة السويس، بحسب مواقع التتبع البحري.
واعتبر بوتين أن الخطوة الفرنسية تعد قرصنة، قائلاً: «هذه قرصنة. لأنه تمت مصادرة الناقلة في المياه المحايدة، بدون أي أساس. يبدو أنهم كانوا يبحثون عن شيء، بضائع عسكرية، طائرات مسيرة، أو أشياء من هذا القبيل. لكن لا يوجد شيء من هذا هناك». وأكد أنه لا يعرف إذا كانت هذه السفينة مرتبطة بموسكو. ورأى الرئيس الروسي أن اعتراض السفينة كان محاولة من السلطات الفرنسية «لصرف الانتباه» عن السكان في وقت تمر فيه البلاد بـ «وضع سياسي داخلي صعب».
ووسط ذلك، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى اتباع «سياسة عرقلة» ضد السفن التي تمكّن موسكو من تصدير نفطها متجاوزة العقوبات الغربية. واعتبر ماكرون أن اعتراض هذه السفينة التابعة لأسطول الأشباح الروسي يعكس رغبة باريس في «زيادة الضغط على أسطول الأشباح، لأنه يقلّص بوضوح من قدرة روسيا على تمويل مجهودها الحربي».
وأعلن الرئيس الفرنسي عن عقد اجتماع خلال «الأيام المقبلة» لرؤساء الأركان الأوروبيين من أجل التحرك ضد «الأسطول الشبحي»، أي تلك السفن غير الشرعية التي تمكّن روسيا من تصدير نفطها متجاوزة العقوبات الغربية. ودعا الرئيس الفرنسي إلى اتخاذ خطوة في إطار سياسة عرقلة هذه السفن. وقال: «بشكل ملموس جداً، خلال الأيام المقبلة، سيلتقي رؤساء أركاننا، بالتنسيق مع حلف شمال الأطلسي، وفي إطار تحالف المتطوعين، من أجل وضع خطط لإجراءات مشتركة».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية