بغداد ـ «القدس العربي»: كشف زعيم تيار «الحكمة الوطني»، عمار الحكيم، عن تراجع التدخلات الخارجية في الشأن العراقي بشكل كبير لصالح العراق، وفيما دعا إلى إجراء مراجعة وتعديلات للدستور، بعد مضي 20 عاماً على التصويت عليه، اعتبر أن الانتخابات التشريعية المقررة في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، تمثّل انتقالة إلى مرحلة جديدة في البلاد.
وقال خلال مشاركته في منتدى «ميري» الحواري المُنعقد في مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، إن «20 سنة قطعناها في أزمات أمنية، سياسية، مجتمعية، اقتصادية، بل حتى في العلاقات الإقليمية والدولية للعراق، وتقبل نظام سياسي بهذه السمات وبهذا التنوع في قلب الشرق الأوسط. لذلك أعتقد أن الانتخابات التي نحن على أبوابها في عام 2025 تمثل انتقالاً إلى مرحلة جديدة».
استقرار مستدام
وأضاف أن «انتخابات 2005 أسست للديمقراطية، وهذه الانتخابات تؤسس للاستقرار المستدام، والسنوات الثلاث الأخيرة التي قطعناها كانت تمثل حالة انتقال من الاستقرار إلى الاستقرار المستدام الذي يفترض أن يتم بعد الانتخابات».
ووفق الحكيم فإن «ملامح انتظام الأمور السياسية والمجتمعية، وتحرك عجلة الإعمار والتنمية بسرعة أكبر من السابق، إضافة إلى تحسن وتطور علاقات العراق الإقليمية والدولية، كلها مؤشرات إيجابية بالرغم من التحديات الكبيرة التي عاشها البلد في واقعه الاقتصادي وضعف التجربة الديمقراطية وتداعياتها، فضلاً عن التحولات الإقليمية الكبيرة والظروف الاستثنائية التي تشهدها المنطقة».
وأشار إلى أنه «مع كل هذه الضغوط الداخلية والخارجية استطاع العراق أن يتجاوز التحديات ليكون على سكة التطور في هذه المرحلة الحساسة التي تبدأ من انتخابات 2025».
وعن العلاقات والتدخلات الخارجية أوضح أن «اليوم المعادلة كلما كانت الدولة قوية كان التدخل الخارجي أقل، وكلما كانت الدولة بمؤسساتها الإدارية والسياسية هشة كان التدخل الخارجي أكبر»، موضحاً أنه «حينما ننظر إلى واقعنا من 2003 إلى اليوم يمكن القول إن هذه التدخلات بدأت تتراجع بشكل كبير لصالح القرار العراقي. اليوم حين تجلس القوى السياسية لتقرر قانون انتخاباتها، وترشيحاتها، وتحالفاتها، وملامح المرحلة المقبلة، فهي تنظر إلى مصالحها ورؤيتها أكثر مما تنظر إلى ما يريده الآخرون».
وأكد الحكيم الذي يمثل قطباً رئيساً في ائتلاف «الإطار التنسيقي» الشيعي الحاكم، أن «الأطراف الإقليمية والدولية بدأت تطور من سياساتها تجاه العراق، فبعدما كانت تتدخل في التفاصيل وتقدم نصائح لقوى تؤثر فيها، أصبحت اليوم تعتمد سياسة عدم التدخل في التفاصيل اليومية واحترام إرادة العراقيين».
ويرى أن «هناك تطوراً إيجابياً وخطاً بيانياً صاعداً في بناءات الدولة واندماجاً مع هذا المسار من قبل الأطراف التي كانت لها توجهات أخرى في وقت سابق».
وفيما يتعلق بالدستور العراقي، أوضح الحكيم أن «الدستور يمثل إرادة العراقيين ومصالحهم وتوجهاتهم المختلفة، لكن ما حصل خلال العشرين سنة الماضية أن كل طرف ركز على حقوقه أكثر من التزاماته».
زعيم تيار «الحكمة» لفت إلى أن «كل مكون من المكونات ركز على مواد محددة ويتحدث عنها دون أن يرعى مواد أخرى قد تكون التزاماً له تجاه الشريك الآخر، وفي بلد قائم على الشراكة يجب أن يسأل كل طرف: ماذا يقدم لشريكه وماذا يأخذ منه؟ فإذا فكر كل طرف بما يناسبه فقط تحصل المشكلة».
وحدة متكاملة
ومضى قائلاً: «يبدو لي علينا أن نقبل الدستور كوحدة متكاملة بكل ما لنا وما علينا، ونجعله أساساً. واليوم، في ظل الاستقرار النفسي والسياسي والأمني والاجتماعي الذي نجده في بلادنا، قد يكون الوقت مناسباً لمراجعة هذا العقد الاجتماعي والسياسي».
وأوضح أنه «بعد مرور أكثر من عشرين سنة لا مانع من مراجعة هذا العقد والتأكد أن ما كتبناه في هذا الدستور يمثل مصالحنا الكاملة اليوم، أو أن الهواجس التي كانت تحكمنا عند سقوط الدكتاتورية جعلتنا ننظر إلى الأمور بطريقة مختلفة. اليوم وبعد تغير الظروف وظهور أجيال جديدة قد نحتاج لبعض التعديلات».
قال إن التدخلات الخارجية في الشأن العراقي تراجعت
وأشار إلى أن «الدول العريقة في الديمقراطية تراجع دساتيرها بين فترة وأخرى، ولا ضير أن نقوم بمثل هذه المراجعة في ظل الاستقرار، لنتأكد أن مسارات الدستور التي وضعناها كانت صحيحة، لكن هذا الدستور بما هو عليه يمثل عقداً اجتماعياً يجب أن نلتزم به بشكل كامل بما لنا وما علينا».
وبيّن الحكيم أن «بعض التشريعات الأساسية تحتاج إلى التصويت بأغلبية الثلثين، أي إلى توافق وطني لا يكفي فيه النصف زائد واحد، مثل مجلس الاتحاد، وقانون المحكمة الاتحادية، وقانون النفط والغاز، وغيرها من القوانين الاستراتيجية التي تحدد ملامح الدولة ومساراتها».
وأضاف أنه «في ظل هذا الاستقرار وما بعد الانتخابات يمكن أن تكون الدورة البرلمانية القادمة، بتعاون القوى السياسية الأساسية، فرصة مهمة لتشريع مثل هذه القوانين وتحديد ملامح الدولة العراقية ومؤسساتها بشكل أوضح، وضمان الحقوق وتعزيز الشراكة ضمن رؤية مقنعة لجميع العراقيين».
وبخصوص الاتفاق النفطي الأخير بين ال
الاتفاق النفطي
حكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، رأى الحكيم أنه «يمثل إشارة إلى موضوع مطروح منذ أكثر من عقد من الزمان، وكان مثار خلاف منذ 2008 أو قبلها، وفي عام 2025 استطعنا أن نصل إلى رؤية في كيفية تكاملية الأدوار بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية في الملف النفطي».
كما قال إنه «حين تم هذا الاتفاق وتوضحت ملامح الرؤية المشتركة المقبولة من الطرفين يمكن القول إن مفاتيح قانون النفط والغاز أصبحت متوفرة، وتمرير هذا القانون الآن أسهل مما كان قبل الاتفاق، لأنه قائم على مصالح الطرفين ويمهد لرؤية مشتركة في إدارة القطاع النفطي».
واعتبر أن «قانون النفط والغاز سيمثل خطوة مهمة لتنظيم العلاقة بين الطرفين، كما أن هذا الاتفاق وضع ملامح تشريع القانون وفتح الباب لحل المشاكل الأخرى العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم».
ولفت إلى أن «الموضوع النفطي كان المفتاح الأساسي لحل الكثير من المشاكل، وفي صياغة الدستور استغرق الحوار حول مواده أكثر من أسبوعين، بينما القضايا الأخرى استغرقت ساعات فقط، ما يعني أن النفط هو الأساس في حل بقية الخلافات».
وبيّن أن «التجارب الدولية، حتى في الدول الاتحادية العريقة، تشهد خلافات بين الحكومات المركزية والولايات، وهذا لا يضعف النظام، بل يدل على تطوره، فلا يطلب من العراق الفتي أن يكون متفقاً في كل التفاصيل، بينما تلك الدول تعيش خلافات بعد عشرات السنين»، مضيفاً: «أشعر أننا نسير في الاتجاه الصحيح».
وأكد الحكيم أن «الاختلافات مستمرة، وليست خلافات، ونتمنى ألا تتحول إلى خلاف، فالاختلاف لا يفسد للود قضية. نختلف ونتناقش ونتحاور حتى نصل إلى نتيجة مقنعة، لكن لا ينبغي أن يتحول ذلك إلى صراع أو خصومة».
حلول توافقية
وواصل الحديث أنه «حين نختلف ونعجز عن الوصول إلى حلول توافقية نلجأ إلى المحكمة الاتحادية أو الإدارية أو الاقتصادية أو التجارية، وهذا أمر صحي، شرط ألا يضر بمصالح الناس بشكل عام».
وأردف أن «الموارد العراقية هي موارد نفطية بالدرجة الأساس، إذ تعتمد 94٪ من الموازنة على الإيرادات النفطية، وحتى تحصل على هذه الإيرادات وتنفقها على جميع العراقيين يجب أن تكون هناك سلة توضع فيها الإيرادات النفطية من كل مكان، ثم توزع بعدالة حسب النسب السكانية».
وأفاد أيضاً بأن «إقليم كردستان إقليم وليس محافظة، وله صلاحيات تختلف عن المحافظات العراقية الـ15، لذلك وزارة المالية حين تتعامل مع الإقليم لا تتعامل مع موظفين ورواتب بشكل مباشر، بل بنسبة من الموازنة العامة تخصص للإقليم».
وأشار الى أنه «حين يكون هناك إنتاج نفطي أو إيرادات غير نفطية، فمن الطبيعي أن تحصل مقاصة، وتخصم الإيرادات من نسبة الإقليم، ويمنح الباقي له ليتصرف به، فليس هناك شيء اسمه رواتب موظفي الإقليم في سجلات وزارة المالية، بل هناك نسبة مئوية تحدد في الموازنة».
وختم الحكيم بالقول إنه «حين يضخ نفط الإقليم عبر أنابيب الحكومة الاتحادية ووزارة النفط وشركة (سومو) فإن العملية ستكون أكثر انسيابية، والمال سيصل مباشرة إلى الخزينة، مما يضمن توزيعاً منتظماً».