ما أن تمرّ بضع سنوات حتى تأتي أحداث تؤكد من جديد أن ما انطلق من تونس يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010 وبلغ ذروته في العام التالي في موجة انتفاضات شعبية عارمة امتدت إلى ستة من بلدان المنطقة وشملت علاوة عليها أنماطاً شتى من الحراك الجماهيري في بلدان أخرى، وهي الموجة التي عُرفت بتسمية «الربيع العربي»، أن تلك الموجة لم تكن حدثاً طارئاً وفريداً، بل كانت بداية ما شخّصتُه حينها بوصفه «سيرورة ثورية طويلة الأمد» (في كتاب «الشعب يريد: بحثٌ جذري في الانتفاضة العربية»، بيروت: دار الساقي، 2013).
أما أساس هذا التشخيص، فكان أن الانفجار السياسي-الاجتماعي الذي شهدته المنطقة الناطقة بالعربية جاء تعبيراً عن أزمة بنيوية عميقة ناجمة عن تفكيك النهج الاقتصادي التنموي وإحلال النهج الـ»نيوليبرالي» محلّه خلال الربع الأخير من القرن المنصرم، على خلفية نظام من الدول الإقليمية التي تتناقض طبيعتها مع مقتضيات رأسمالية السوق النموذجية التي يستند إليها التصوّر الـ»نيوليبرالي».
فكانت النتيجة أن المنطقة شهدت معدلات تنمية اقتصادية شديدة الانخفاض بالمقارنة بسائر مناطق الجنوب العالمي، بحيث انعكس الأمر في ارتفاع نِسب البطالة، وعلى الأخص بطالة الشباب التي بلغت في المنطقة رقمها القياسي العالمي، وقد طالت بصورة مميّزة خرّيجي الجامعات.
كمنت هذه الوقائع الاجتماعية خلف الانفجار الإقليمي، الذي تعدّدت أسبابه السياسية المحلّية، لكنّ أساسه الاجتماعي-الاقتصادي كان متشابهاً من حيث الجوهر في عموم المنطقة. أما الاستنتاج الذي فرضه هذا التشخيص، فهو أن الغليان الاجتماعي-السياسي لن يتوقف ما دامت الأزمة البنيوية قائمة، وأنه مهما كان مصير الانتفاضات الظرفية، فإن انتفاضات وحراكات جماهيرية أخرى سوف تليها لا مُحال.
وبالفعل، فإن هزيمة موجة عام 2011 بنتيجة القمع الخليجي في البحرين والانقلاب العسكري في مصر وغرق سوريا وليبيا واليمن في أوحال الحرب الأهلية، لم تَحُل دون قيام موجة ثانية من الانتفاضات انطلقت من السودان في 19 ديسمبر/كانون الأول 2018، وشملت الجزائر والعراق ولبنان في العام التالي. وقد هُزمت الموجة الثانية بدورها في البلدان الثلاثة الأخيرة بتضافر القمع مع جائحة كوفيد-19، لكنها بقيت مستمرة في السودان على الرغم من الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، إلى أن غرقت البلاد بدورها في حرب أهلية نجمت عن الصراع بين جناحي المؤسسة العسكرية التي خلّفها عمر البشير، وقد انفجرت تلك الحرب في 15 أبريل/ نيسان 2023.
فحيث أن الموجتين السابقتين من الانتفاضات الإقليمية استخدمت تطبيق فايسبوك في المقام الأول، رأينا حراك «جيل زد» المغربي يستخدم تطبيق «ديسكورد» الذي يوفّر إمكانية تنظيم الاستشارة الديمقراطية بصورة أسهل وأسرع بكثير
هذا وكان قد تم القضاء على النظام الديمقراطي في تونس، وهو آخر ما تبقى من مكاسب موجة عام 2011، بانقلاب على الدستور أجراه الرئيس المنتخب قيس سعيّد بالاستناد إلى الأجهزة الأمنية يوم 25 يوليو/ تموز 2021. فبدى الأمر مع اندلاع حرب العسكر في السودان وبعدها بستة أشهر بداية حرب الإبادة الصهيونية في غزة ومفعولها المُحبِط، وكأن البركان الاجتماعي قد انطفأ في المنطقة وأن «الانتفاضات العربية» بلغت خاتمتها.
بيد أن إدراك درجة غليان الحالة الاجتماعية في المنطقة لا يكون بالانطباعات، بل يجب أن يستند إلى المعطيات الاجتماعية والاقتصادية، ولاسيما المؤشر الرئيسي الذي ذكرنا، ألا وهو البطالة الشبابية. والحال أن المعطيات المتوفرة لدى «منظمة العمل الدولية» تدلّ على أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال بطالة الشباب فيها تبلغ أعلى معدّل عالمي، بما يقترب من ربع فئة الشباب العمرية (بين سن 15 وسن 24).
وها أن الحراك الشبابي الجماهيري العارم الذي عرفه المغرب بدءاً من 27 سبتمبر/ أيلول الماضي والذي لم ينطفئ بعد وإن خمد منذ بضعة أيام، جاء ليؤكد أن البركان الاجتماعي الإقليمي ما زال في اتّقاد. ولا غرابة من أن ينفجر غضب الشبيبة المغربية في ضوء معطيات البطالة الخاصة بها والمتوفرة لدى «المندوبية السامية للتخطيط» المغربية. فإن هذه المعطيات تشير إلى أن معدّل البطالة لدى الفئة العمرية 15-24 (وهي الفئة التي تنتمي إليها أغلبية جيل زد) ناهز هذا العام 36 في المئة وكاد يبلغ النصف (47 في المئة) في المناطق المدينية. وقد بلغ المعدّل المذكور بالنسبة للفئة العمرية التالية (25-34) 22 في المئة، و27.5 في المئة في المدن. وإنها لمعدّلات بالغة الارتفاع تزداد خطورتها إذا نظرنا إلى بطالة الخريجين ضمنها، وهي تقارب الخُمس بالنسبة للسكان العاملين بمجموع أعمارهم. وإذا أضفنا إلى هذه المعطيات البطالة النسائية التي تقارب الخُمس لمجموع الأعمار هي أيضاً، اتضح لنا سبب النسبة العالية من الطلبة والفتيات التي تميّزت بها المشاركة في حراك «جيل زد» المغربي.
هذا ويترافق دخول جيل جديد حلبة الصراع الاجتماعي بتطورات في أشكال تنظيم النضال بالتوازي مع التطور المستمر لتكنولوجيا التواصل الاجتماعي، لاسيما أن للشباب المتعلّم دوراً رائداً وهو يحسن استخدام هذه التكنولوجيا.
فحيث أن الموجتين السابقتين من الانتفاضات الإقليمية استخدمت تطبيق فايسبوك في المقام الأول، رأينا حراك «جيل زد» المغربي يستخدم تطبيق «ديسكورد» الذي يوفّر إمكانية تنظيم الاستشارة الديمقراطية بصورة أسهل وأسرع بكثير. وقد بلغ عدد مستخدمي التطبيق في الحراك المغربي مئتي ألف، كانوا يصوّتون عبر التطبيق على مواصلة تظاهراتهم. هذا الأمر يشير إلى بلوغ مستوى أعلى من التنظيم الديمقراطي، حتى بالمقارنة مع التقدّم السابق في هذا المجال الذي أحرزته «لجان المقاومة» السودانية، التي شكّلت في حينها نقلة نوعية في التنظيم الذاتي الديمقراطي للحراك الثوري الشبابي.
أما ما زال ناقصاً في كافة التجارب المذكورة، فهو قوة سياسية جذرية منظّمة على نطاق البلد قادرة على تشكيل بديل ذي مصداقية من حيث تجسيد أماني الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والقدرة على إدارة البلاد عوضاً عن النظام القائم. فإن نجاح أي انتفاضة مستقبلية في المنطقة سيبقى مرهوناً بظهور مثل البديل المذكور وقدرته على مضافرة الحراك الشبابي القاعدي الديمقراطي. وحتى توفّر شروط هذا التغيير الجذري، فإن السيرورة الثورية الإقليمية سوف تتواصل بالتأكيد، بيد أن انسداد الأفق أمامها يُنذر بتوليد مآسٍ جديدة بين استمرار الأنظمة القائمة من خلال ممارسة البطش وبين انحلالها في أتون الحرب الأهلية.
كاتب وأكاديمي من لبنان
سيسقط الطغاة مهما طال الزمن شيئ طبيعي والتاريخ شاهد والثورة أمواج وفي كل موجة يستخلص الثوار العبرة من اسلافهم..
الثورات أو الانتفاضات لا يُنظر إليها نظرا تراجعيا أو حتى رجعيا !
وهذا منطق (تقدّمي) لم يزل قائما حتى منذ أيام كتابات تروتسكي أو كتابات دويتشر !؟
نعم، نحن أمام جيل منفتح، ناضج، واعٍ ومتعلم. فماذا يريد المسؤولون أكثر من ذلك حتى يقمعوه ويعنفوه؟ لماذا لا يُصغون إلى صوته ويستجيبون لمطالبه المشروعة؟
أم أن المشكلة تكمن في أن هذا الجيل بات يطالب بالإصلاح الحقيقي، ومحاربة الفساد المستشري في كل زاوية من زوايا هذا الوطن؟
الفساد الذي دمّر كل جميل في مجتمعنا، وتسبب في الغلاء الفاحش، وسيطرة اللوبيات الفاسدة، والمافيات التي تعبث بمصير الناس، وتهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها، وتشرد العائلات، وتستولي على الأراضي، بينما هي محصّنة بالسلطة، ومحمية بالقانون.
لقد طفح الكيل، وبلغ الفساد مداه، وها هو جيل Z ينهض، لا ليساير، بل ليُحاسب، ويُطالب، ويُصلح.
جيل لن يسكت، لأنه ببساطة يعرف حقوقه، ويُدرك أن الأوطان لا تُبنى بالقمع، بل بالعدل، والشفافية، والإرادة السياسية النزيهة
تحياتي لحضرتك استاذ جلبير, كل الشكر على الشرح والتوضيح والفهم الصادق, وفي اعتقادي هذه حقيقة يرفض العرب الاعتراف بها.
لن أنسى درسا صارما في البحث العلمي.. عندما قام البروفيسور..كيومان..منسق جامعة بوردو في منتصف الثمانينات.. بارجاع تقرير لي عن بحث الدراسات المعمقة..مرفوقا بملاحظة..سرد الأحداث هي وجهة نظر …ولكن نقد الأحداث هو أساس بناء الموقف العلمي..؛ ومن هذا المنطلق فإننا نلقن الأجيال بأنه كانت للعرب ثورة كبرى على الدولة العثمانية..ولكننا نخفي عنهم أن تلك الثورة قادها لورنس البريطاني ..وعن طريقها تم إنتاج سايس بيكو..وتسليم فلسطين لبريطانيا.؛ ونلقنهم أيضا أن العرب ثاروا في ذات خريف سموه ربيعا..ولكننا لم نخبرهم بأن من أسقط إبن علي ومبارك هو اوباما وهيلاري..في إطار لعبة الدومينو…ومن أسقط القدافي هو الحلف الأطلسي..ومن جعل بشارا يهرب في الوقت بدل الضائع هو اتفاق أمريكي روسي… وأن القائد التنفيذي للربيع المبارك هو فيلسوف صهيوني إسمه بيرنارد ليفي..؛ ونعود إلى حركة جيل زد…التي انبثقت من استنساخ تواصلي مجهول…لتطفو على سطح مطالب بمحاربة الفساد..في الصحة والتعليم..ورحيل الحكومة…فركب عليها متربصوا الإنتخابات..ومن له حساب مع البلاد والعباد..ومن له ثأر مع النظام..فانتهت من حيث بدأت.. إلى الاضمحلال..علما بأن اوضاع المغرب متميزة عن باقي بلدان العرب باستثناء دول الخليج بمسافات ضوئية.. فأين ستكون الحلقة التالية..
…وأن خروج أمريكا مهزومة من فيتنام كان باتفاق بين نيكسون وماو تسي تونغ ولا دخل لثوار الفيتكونغ في ذلك وأن هروبها الفوضوي من أفغانستان كان نتيجة مؤامرة بين جون بايدن وبوتين ولا دور لطالبان في الأمر وأن هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان مجرد مؤامرة شيطانية لا دخل فيها للمجاهدين الأفغان وأن طوفان الأقصى كان ترتيباً بين نتن ياهو والشهيد يحيى السنوار وهلم جراً. كم هي مريحة نظرية المؤامرة !
أحسنت أخي منير! جيل الشباب ينظر إلى المستقبل الذي ينتظرهم وعادة الواقع المرير هو الذي يدفعهم للثورة.
أخ منير، قد لا نتفق مع الأخ عبد الرحيم في كلامه على حركة جيل زد وما يكتنفها الآن..
ولكن ما قاله عن المسماة بـ (الثورة العربية الكبرى) صحيح بأن قادها لورنس البريطاني فتم جرّاءها إنتاج سايس بيكو وتسليم فلسطين لبريطانيا.. وكذلك ما قاله عن إسقاط ابن علي والقدافي وهروب بشار صحيح أيضا – ولكن تبقى هناك الإشكالية في تقبُّل ما تبقّى مما قاله في تعليقه أعلاه – فعليك أن تكون منصفا في الرد!؟.
الأخ سفان أنا عقبت فقط على جزء من كلام الأخ العزيز عبد الرحيم. وإلا فأنا أتفق معه في بعض ما جاء به وخصوصاً ما سمي بالثورة العربية الكبرى وما نتج عنها من تقسيم الأمة وضياع فلسطين…الخ. مع التحية.
الثورات الكبرى التي عرفها تاريخ اليشرية تستمر فترة طويلة و تمر بمراحل و صراعات سياسية متعددة ؛ ذلك ما حصل في الثورة الفرنسية و الثورة البلشفية و الثورة الإيرانية. في بعض الحالات تتخذ الثورات توجهات سلبية و مسارات تعاكس الأهداف التي قامت من أجلها . في فرنسا انفرد نابليون بالسلطة و في إيران أسس رجال الدين نظاما ثيوقراطيا استبداديا. لنتأمل الأوضاع الكارثية التي تمخض عنها الربيع العربي. جيل Z في المغرب قدم مطالب مشروعة لتحسين الخدمات الاجتماعية و تحقيق العدالة الاجتماعية و المجالية و محاربة الفساد و الدولة تفاجأت بحركات الاحتجاج قبل أن تسعى إلى تلبية المطالب ذات الطابع الاجتماعي و السماح بالتظاهر السلمي مما جعل أعداد المشاركين في الاحتجاجات تتقلص في الأيام الأخيرة. هذا مع العلم أن المغاربة يطرحون عدة تساؤلات حول خلفيات الحركة و أهدافها غير المعلنة و حول هويات منظميها. بعيدا عن الدخول في نقاش سياسوي تمكنت الدولة المغربية من احتواء حركة 20 فبراير بتبني دستور يتضمن إصلاحات سياسية تخص التسيير الحكومي و استقلالية القضاء. و الدولة حاليا تسير في نفس الاتجاه لتحقيق إصلاحات اجتماعية مع الحفاظ على الاستقرار . و هذا في حد ذاته تطور إيجابي نحو مجتمع أقوى من الدولة كما في البلدان الديموقراطية.
كان الله في عون لبنان التي اصبحت طراءق قدد من كثرت الولاءات.من مكر ابليس انه لا ياتيك بمعصية بينة ولكن بشبهة تاويل يجعل المغفل يصدقه فيغويه.اول بوادر الربيع؟؟؟ العربي خطاب أوبما بجامعة القاهرة والبرامج الموجهة من القناة الفضاءية المعلومة.واول بوادر جيل “زيد” خروج الشعب المغربي مساندة لاهل غزة خاصة دينامية الشباب.
الظلم لن يزول من الدنيا والواجب التصدي له ولكن بالحكمة والرشد والتاني قصد البناء وليس بالغوغاء والصراخ والهدم.
يحكى ان الحق والباطل تبادلا الراي في من يكون الراكب والآخر ماشي.
فاختار الحق ان يمتطي ظهر الباطل لما في ذلك من الراحة.
فكان الحق الراكب الممتطي ولكن الباطل هو الماشي الساري.