الإفراج عن الكاتب بوعلام صنصال بعد عفو من الرئيس الجزائري “استجابة لطلب من نظيره الألماني”

حجم الخط
70

الجزائر- “القدس العربي”: وصل الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال إلى ألمانيا لتلقي العلاج بعد العفو عنه وإطلاق سراحه من السجن في الجزائر، حسب ما أعلن مكتب الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير في مساء الأربعاء.

وقالت كيرستين غاملين المتحدثة باسم الرئيس الألماني إن صنصال “وصل إلى المطار وهو في طريقه إلى المستشفى”.

واليوم الأربعاء، عرفت قضية صنصال نهاية غير متوقعة، فقد تم الإفراج عنه بـ”شفاعة” الرئيس الألماني، بعد نحو سنة رفضت فيها السلطات الجزائرية كل نداءات والتماسات المسؤولين الفرنسيين الداعية إلى إطلاق سراحه.

وأوضح بيان لرئاسة الجمهورية الجزائرية أن الرئيس عبد المجيد تبون تلقى بتاريخ 10 نوفمبر 2025 طلبا من الرئيس الألماني، يتعلق بمنح عفو لفائدة بوعلام صنصال.

وأوضحت الرئاسة أن الطلب، الذي شدّ اهتمام رئيس الجمهورية، تضمّن دوافع إنسانية خاصة. وذكرت أن الرئيس تبون، وعملا بالمادة 91 الفقرة 8 من الدستور، وبعد الاستشارة القانونية المعمول بها، قرر التجاوب إيجابيا مع الطلب.

وأكدت رئاسة الجمهورية أن الدولة الألمانية ستتكفل بنقل المعني وعلاجه، ليغلق بذلك ملف واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العلاقات الجزائرية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة، إذ تحولت قضية صنصال إلى ملف سياسي ودبلوماسي تجاوز أبعادها القضائية.

بدوره، شكر شتاينماير الرئيس الجزائري في بيان على “اللفتة الإنسانية” التي قال إنها “تُجسّد متانة العلاقات والثقة المتبادلة بين ألمانيا والجزائر”.

واللافت أنه منذ بداية حبسه في نوفمبر 2023، ظلت السلطات الجزائرية ترفض ضغوط باريس المتكررة للمطالبة بالإفراج عنه، سواء عبر القنوات الدبلوماسية أو من خلال تصريحات علنية لمسؤولين فرنسيين كبار.

وجاء التحول غير المتوقع من خلال برلين، حين وجّه الرئيس الألماني في مطلع نوفمبر الجاري رسالة رسمية إلى الرئيس تبون، دعا فيها إلى “النظر في إمكانية العفو عن بوعلام صنصال، بالنظر إلى تقدمه في السن ووضعه الصحي الهش”، مبديا استعداد بلاده لاستقباله للعلاج.

وما أثار الانتباه أن الرسالة نُشرت على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام الرسمية الجزائرية، وهو ما فُهم كإشارة إلى وجود نية فعلية لدى الجزائر في التجاوب مع الوساطة الألمانية، بعد أشهر من الجمود في هذا الملف.

ورغم أن الرسالة بدت في ظاهرها إنسانية، إلا أن تفاعل السلطات الجزائرية معها أثار تساؤلات عدة في الأوساط الإعلامية والسياسية، حول ما إذا كانت ألمانيا قد تحركت بالوكالة عن فرنسا لإيجاد مخرج دبلوماسي يحفظ ماء وجه باريس والجزائر معا.

رغم أن رسالة الرئيس الألماني بدت في ظاهرها إنسانية، إلا أن تفاعل السلطات الجزائرية معها أثار تساؤلات حول ما إذا كانت ألمانيا قد تحركت بالوكالة عن فرنسا لإيجاد مخرج دبلوماسي يحفظ ماء وجه باريس والجزائر معا

وتزامنت الوساطة الألمانية مع مؤشرات أخرى على تقارب حذر بين الجزائر وفرنسا، منها استئناف الاتصالات بين الأجهزة الأمنية وعودة التحضير لزيارات رسمية مؤجلة. وكان رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي نيكولا ليرنر قد صرّح مؤخرًا بأن “استئناف الحوار مع الجزائر لن يكون ممكنًا دون تسوية ملف بوعلام صنصال والصحافي كريستوف غليز”، وهي تصريحات عكست حجم الرهان الفرنسي على هذه القضية كمفتاح لإذابة الجليد الدبلوماسي بين البلدين.

وعلى مدار أشهر، كانت قضية صنصال بمثابة البنزين الذي زاد من اشتعال الأزمة بين الجزائر وفرنسا، خاصة بعد الحكم عليه بخمس سنوات سجنا نافذا على مرتين في بتهم تتعلق بالمساس بوحدة الوطن وعدة تهم أخرى. وكان الكاتب قد اعتقل في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، لدى وصوله لمطار الجزائر، بعد تصريحاته لقناة يمينية متطرفة شكك فيها في أحقية الجزائر لحدودها الحالية. وتم وضعه رهن الحبس المؤقت.

وخلال محاكمته، سئل صنصال عن عن تصريحاته فأجاب: “قلت ببساطة إن الحدود الحالية رُسمت من طرف الفرنسيين، وهي من مخلفات الاستعمار. وذكّرت بأن الاتحاد الإفريقي أقرّ بعد الاستقلال بضرورة احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار”.

واستعرضت القاضية بعض الرسائل والمراسلات التي جمعته مع السفير الفرنسي الأسبق في الجزائر كزافييه دريانكور، والوزير الفرنسي السابق هوبرت فيدرين، وأشارت خصوصًا إلى قوله: “لدينا البترول وشنقريحة”، ليرد قائلاً: “كانت محادثات خاصة، أحيانًا مازحة. لا أرى ما هو الخطير فيها”، حسبنا نقله الموقع ذاته.

وبخصوص علاقاته بحركة الماك (المنظمة المصنّفة إرهابية في الجزائر)، أجاب: “أنا أتحدث مع الجميع”. ثم طرحت القاضية سؤالًا مفاجئًا: “هل زرت إسرائيل من قبل؟”، فأجاب: “نعم، سنة 2012″، واستفسرت: “في أي إطار؟”، فردّ: “كنت مدعوًا من طرف منظمة التحرير الفلسطينية والسلطات الإسرائيلية معًا”.

 توتر بالغ

وبلغ التوتر أوجه في هذه القضية بعد تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بروكسل، التي قال فيها إن “الجزائر لا يشرفها أن تسجن كاتبًا”، وهو ما أثار غضب السلطات الجزائرية، ودفع بالرئيس تبون إلى الرد عليه في لاحقا، حين وصف صنصال في خطاب عام بـ”اللص المجهول الهوية الذي يدّعي أن نصف الجزائر مملوك لدولة أخرى”.

بلغ التوتر أوجه في هذه القضية بعد قول الرئيس الفرنسي إن “الجزائر لا يشرفها أن تسجن كاتبًا”، و قد رد الرئيس الجزائري عليه بوصف صنصال بـ”اللص المجهول الهوية الذي يدّعي أن نصف الجزائر مملوك لدولة أخرى”

وعلى الجانب الفرنسي، لم تقتصر الضغوط على الحكومة، بل تبنتها أيضًا أوساط اليمين المتطرف التي وجدت في القضية فرصة للهجوم على الجزائر. فقد طالبت ماريون ماريشال، حفيدة جان ماري لوبان، خلال جلسة في البرلمان الأوروبي، بـ”مقايضة 3500 مجرم جزائري مسجون في فرنسا مقابل الإفراج عن صنصال”، وذهبت إلى حد وصف الجزائر بأنها “دولة مارقة”، في مشهد عكس عمق التوظيف السياسي الذي اتخذته هذه القضية في فرنسا.

أما داخل الجزائر، فقد اعتُبر الحكم على صنصال تعبيرا عن تمسك الدولة بسيادتها واستقلال قرارها في مواجهة الضغوط الخارجية، وذلك من قبل عدة أحزاب سياسية عبّرت عن مساندتها المطلقة للقضاء الجزائري، على الرغم من ظهور أصوات أبدت رفضها لحبسه وطالبت بمحاكمته وهو قيد الإفراج، ومواجهة أفكاره بالنقاش العلني الحر.

وعرف بوعلام صنصال، الذي شغل منصبا حكوميا رفيعا في بداية الألفية كمدير في وزارة الصناعة، بكتاباته المثيرة للجدل التي وُصفت في الجزائر بأنها تمس بالثوابت الوطنية. وقد أثار جدلا واسعا بروايته “قرية الألماني” التي ربط فيها الثورة التحريرية الجزائرية بضابط ألماني نازي، وواصل بعدها إطلاق تصريحات اعتبرها كثيرون معادية لثورة التحرير الوطني ومتعاطفة مع الكيان الإسرائيلي الذي زاره أكثر من مرة. وبعد عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023، برز مجددا في الإعلام الغربي بتصريحات مدافعة عن إسرائيل، مما زاد من غضب الجزائريين عليه.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول aissa ziad:

    ماذا عن الأستاذ بلغيث ؟؟؟؟

1 4 5 6

اشترك في قائمتنا البريدية