لقطة شاشاة لبدر المطيري
الدوحة ـ “القدس العربي”:
رحل الكاتب الكويتي بدر المطيري بعد شهرة كبيرة حققها خلال السنوات الأخيرة، مما يفتح من جديد نقاشًا يتجاوز حدود السيرة الشخصية، ليمس علاقة الأدب بالعدالة، والذاكرة الفردية بالمسؤولية العامة، في مشهد ثقافي عربي اعتاد أن يرى الإبداع يولد أحيانًا من أقسى التجارب الإنسانية.
غيب الموت بدر المطيري بعد صراع طويل مع المرض، بحسب ما أُعلن في الكويت، وتشييع جنازته يوم الاثنين عقب صلاة العصر، ومواراة جثمانه الثرى في مقبرة الصليبيخات.
ويأتي رحيله بعد تدهور ملحوظ في حالته الصحية خلال الفترة الأخيرة، إثر تعرضه لجلطات وأورام متعددة أنهكت جسده، وأبعدته عن الحياة العامة، قبل أن يختتم مسيرته بظهور مصور مؤثر ناشد فيه متابعيه الدعاء، في لحظة كشفت هشاشة الجسد أمام قسوة المرض، وثقل التجربة التي عاشها حتى آخر أيامه.
المرض كخاتمة لمسار قاس
تفاقمت الحالة الصحية للكاتب الكويتي خلال الأشهر الماضية، وسط معاناة مركبة لم تقتصر على الجانب الجسدي، بل امتدت إلى عبء نفسي راكمته سنوات سابقة من الألم.
وظهر المطيري في تسجيل مصور قبيل وفاته، متحدثًا بصوت متعب ونبرة صادقة، طالبًا الدعاء، في مشهد أعاد إلى الواجهة صورته كإنسان قبل أن يكون كاتبًا، وكمثال على كلفة المعاناة حين تتقاطع التجربة الشخصية مع اهتمام عام واسع.
وترك هذا الظهور أثرًا كبيرًا بين متابعيه، خصوصًا أن صورته ارتبطت في الوعي الجمعي بقصة استثنائية، بدأت باتهام جنائي وسجن، وانتهت بإعلان براءة، لكنها لم تُغلق عند هذا الحد، بل تحولت إلى مادة أدبية وإعلامية أثارت أسئلة قانونية واجتماعية عميقة داخل الكويت وخارجها.
وبرحيله، تُطوى صفحة إنسانية حملت تناقضات حادة بين القهر والأمل، وبين العزلة والانتشار، في مسار يوضح كيف يمكن للمرض أن يكون الخاتمة الصامتة لقصة ضجت طويلاً بالجدل والاهتمام.
السجن والبراءة في قلب السرد الأدبي
جسدت رواية «أعوام الظلام» التجربة الأبرز في مسيرة بدر المطيري، إذ استندت إلى واقعة عاشها بنفسه، بعد اتهامه في قضية جنائية وسجنه لسنوات، قبل أن تتكشف لاحقًا حقيقة انتحال شخص آخر لهويته، ويُعلن عن براءته رسميًا.
وقدمت الرواية سردًا قائمًا على المعايشة المباشرة، مبتعدة عن التجميل أو الخطابة، ومركزة على تفاصيل القهر اليومي، وانتظار العدالة، وتآكل الزمن داخل جدران السجن.
وأثارت القصة، منذ تداولها، تفاعلًا واسعًا في المجتمع الكويتي، تجاوز حدود التعاطف الفردي، ليفتح نقاشًا عامًا حول الثغرات القانونية، وآليات التحقق، ومسؤولية المنظومة العدلية في حماية الأفراد من أخطاء قد تقود إلى مصائر قاسية.
وبرزت مطالبات بإعادة النظر في بعض التشريعات والإجراءات، في سياق محاولة منع تكرار تجارب مشابهة.
ولم تُقرأ «أعوام الظلام» بوصفها رواية فقط، بل كوثيقة سردية حملت شهادة شخصية على تجربة فقدان الحرية، وتحول الظلم إلى مادة للكتابة، في تقاطع نادر بين الأدب والواقع، جعل من اسم المطيري حاضرًا في نقاشات ثقافية وقانونية على حد سواء.
من الصفحات إلى الشاشة والذاكرة العامة
انتقلت قصة بدر المطيري من النص المكتوب إلى الدراما التلفزيونية، بعدما تحولت «أعوام الظلام» إلى عمل درامي يحمل الاسم نفسه، من إخراج محمد سلامة، وبطولة حمد العماني، إيمان الحسيني، وشوق الهادي.
وحصلت منصة «شاشا» على حقوق تحويل القصة إلى مسلسل، مع توقعات بعرضه خلال العام الجاري، في خطوة عززت حضور الحكاية في الوعي الجماهيري، ونقلتها إلى جمهور أوسع خارج دائرة القراء.
وساهمت مقابلة مصورة مطولة مع المطيري، استمرت قرابة ست ساعات، في ترسيخ هذا الحضور، بعدما حصدت ملايين المشاهدات.
وروى خلالها تفاصيل رحلته منذ لحظة دخوله السجن، مرورًا بسنوات الانتظار والقهر، وصولًا إلى خروجه بريئًا، في شهادة إنسانية اتسمت بالهدوء والوضوح، وابتعدت عن المبالغة، لكنها تركت أثرًا عميقًا في وجدان المتابعين.
وبرحيل بدر المطيري، يبقى إرثه حاضرًا بوصفه مثالًا على قدرة التجربة الفردية على التحول إلى أثر ثقافي عام، وعلى دور السرد في كشف ما قد يظل مخفيًا خلف الإجراءات والأحكام.
ويغلق الموت فصلًا إنسانيًا، بينما تبقى الأسئلة التي أثارتها قصته مفتوحة، في ذاكرة قراء ومشاهدين وجدوا في حكايته انعكاسًا لهواجس العدالة، والكرامة، وحدود ما يمكن أن يتحمله الإنسان.