الخليج لاعب غير مباشر في إعادة رسم التوازن مع إيران.. والمطلوب ضمانات في «التسوية الكبرى»

رلى موفّق
حجم الخط
2

شكَّلت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران نقطة انعطاف حاد بين طهران ودول الخليج دفعته إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على ارتفاع منسوب انعدام ثقة عميق، وتداخل غير مسبوق بين الأمن الإقليمي، والطاقة، والتوازنات الدولية. فبعد أن شهدت السنوات الأخيرة محاولات تهدئة تدريجية، جاء استهداف الحرس الثوري بالصواريخ الباليستية والمسيَّرات الانتحارية مواقع مدنية وحيوية ومنشآت الطاقة في الخليج ليُعيد العلاقة إلى مربَّع الشك الاستراتيجي، ولكن ضمن بيئة مختلفة جذرياً عمّا كانت عليه في العقود السابقة.
كانت إيران الشاه حليفاً وثيقاً للغرب، ولعبت دور «شرطي الخليج»، في إطار ترتيبات أمنية هدفت إلى ضمان استقرار تدفقات النفط. ورغم هذا التحالف، لم تكن العلاقة مع بعض الدول الخليجية خالية من التوتر لكنه ظل مضبوطًا ضمن قواعد النظام الإقليمي الذي كانت تهيمن عليه الولايات المتحدة.
في نظرة إلى الوراء، دخلت العلاقة مرحلة جديدة أكثر تحدياً مع انتصار الثورة الإسلامية عام 1979. فقد تبنّت إيران في دستورها عقيدة «تصدير الثورة « لنصرة المستضعفين والمحرومين في العالم ونشر «التشيُّع» ضمن مفهوم «ولاية الفقيه»، وهو ما حمل في طياته تهديداً وجودياً للأنظمة الخليجية، وجاءت الحرب العراقية-الإيرانية لتكرِّس هذا التهديد، حيث وقفت معظم دول الخليج إلى جانب العراق، ما أدى إلى ترسيخ حالة من العداء وانعدام الثقة استمرت لسنوات طويلة، وتحوَّلت إلى أحد الثوابت البنيوية في العلاقة.
وفي التسعينيات، ومع انتهاء الحرب، بدأت محاولات حذرة لإعادة بناء العلاقات، خصوصاً في عهد الرئيس الإيراني محمد خاتمي، الذي طرح مفهوم «حوار الحضارات». شهدت هذه المرحلة انفراجاً نسبياً، لكنها لم تُعالج جذور الخلاف، بل اكتفت بإدارة التوتر. كانت انفراجاً في الظاهر، حيث إن مرتكزات تطوير البرنامج النووي وُضعت في زمن خاتمي الذي كان يُنظر إليه على أنه يُمثِّـل الفريق الإصلاحي غير المتشدد، الذي يمكن أن ينقل إيران من الثورة إلى الدولة.
لم يدم التوازن الهش طويلاً، إذ أدّى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، وفتح المجال أمام صعود النفوذ الإيراني في عدد من الساحات العربية، من العراق إلى لبنان وسوريا ولاحقاً اليمن. ووجدت إيران فرصتها كقوة توسعية تستخدم أدوات غير مباشرة لتعزيز نفوذها، وهي واقع تعزَّز مع الاتفاق النووي عام 2015 الذي كانت دول الخليج مُستبعَدة منه، من دون أن يعالج مخاوفهم، إذ ركَّز على الملف النووي من دون التطرق إلى الصواريخ الباليستية أو الشبكات الإقليمية.
عادت المنطقة إلى التصعيد، مع انسحاب دونالد ترامب في ولايته الرئاسية الأولى عام 2018 من الاتفاق النووي، وشهدت هجمات على منشآت نفطية في السعودية، ما أعاد التأكيد على هشاشة أي تفاهم لا يعالج جذور التوتر. وبرزت محاولة جديدة لإعادة التوازن، تمثّلت في الحوار السعودي-الإيراني برعاية صينية بين عامي 2021 و2023، والذي أدى إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران التي انقطعت مع الهجوم على سفارة المملكة في طهران وقنصليتها في مشهد على خلفية إعدام السلطات السعودية رجل الدين الشيعي السعودي الشيخ نمر باقر النمر بتهمة الإرهاب، في 2 كانون الثاني/يناير 2016. كان الاتفاق السعودي-الإيراني أقرب إلى ربط نزاع ومحاولة تعايش اضطراري، إلا أن الحرب الأخيرة أعادت خلط الأوراق، وأظهرت حدود هذا المسار بالنسبة إلى المملكة، كما كشفت واقع العلاقة بين إيران وكل من دول الخليج، ولاسيما في ما يتعلق بقطر والإمارات والكويت والبحرين، فضلاً عن سلطنة عمان الطامحة إلى سياسة النأي بالنفس.
لم يكن استهداف دول الخليج بالصواريخ والمسيَّرات الإيرانية، رد فعل عسكري على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بذريعة استهداف القواعد الأمريكية في هذه الدول، بل حمل رسالة استراتيجية مفادها أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من معادلة الصراع مع إيران. هذا التطور أعاد ترسيخ قناعة لدى العواصم الخليجية بأن أي مواجهة مع طهران لن تبقى محصورة، وأنها ستتحمل كلفة مباشرة، حتى لو لم تكن طرفًا رئيسيًا في النزاع. وهنا تحديدًا، تعمَّق انعدام الثقة إلى مستويات غير مسبوقة.
لكن الجغرافيا حاكمة في الحسابات؛ فإيران خصم قريب، جار دائم يُطلُّ على أهم ممرات الطاقة في العالم، وعلى رأسها «مضيق هرمز» الذي دخل كعامل مؤثر في حرب الـ40 يوماً، حين عمدت طهران إلى استخدامه كورقة موجعة لاقتصاد العالم من خلال إغلاقه وفرض تدابير خاصة ورسوم مالية للسماح لسفن دول حليفة بالمرور عبره. كانت الأنظار خلال الأيام الماضية مُتَّجهة إلى كيفية معالجة معضلة «المضيق» الذي تلاعبت طهران بفتحه مقابل وقف إطلاق النار، والذي توعد ترامب أنه لن يبقى مغلقاً وسيُفتح بالقوة. ذهب الرئيس الأمريكي إلى فرض حصار على الحصار الإيراني. ارتدت «لعبة المضيق» على لاعبها. أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المضيق قد فُتح بشكل كامل، وسيبقى ما دام وقف النار مستمراً. حاول ربطه بإعلان وقف إطلاق النار في لبنان للإيحاء باستمرار الترابط بين إيران ولبنان.
يتحدث ترامب عن قرب الإعلان عن اتفاق مع إيران. أمر قد يكون ممكناً ما دام مبدأ «التفاوض بالقوة» هو الساري، حيث أعلن سيِّد «البيت الأبيض» أنه سيُبقي على الحصار إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق. تفصل بضعة أيام عن انتهاء «هدنة الأسبوعين». وتبدو الأجواء تفاؤلية باحتمالات تمديدها واستئناف محادثات إسلام آباد.
ما يهم دول الخليج هو أن المفاوضات لا تقتصر على الملف النووي، بل تمتد لتشمل الترتيبات الأمنية في المنطقة. وهنا تحاول دول الخليج أن تفرض نفسها كطرف غير مباشر في هذه العملية، من خلال وضع مجموعة من الشروط والخطوط الحمراء، أبرزها: ضرورة الحصول على ضمانات أمنية حقيقية، وليس مجرد تفاهمات سياسية قابلة للانهيار. فدول الخليج، التي تعرّضت لهجمات مباشرة، لم تعد مستعدة للقبول باتفاقات لا تعالج مسألة الصواريخ الباليستية أو دور الميليشيات الإقليمية. كما أنها تسعى إلى التأكد من أن أي اتفاق لن يمنح إيران هامشاً إضافياً لتعزيز نفوذها على حساب أمنها. هي تتبنى مقاربة مزدوجة تقوم على دعم المسار الدبلوماسي، مع الحفاظ على جاهزية دفاعية عالية، وربما الانتقال تدريجياً إلى أدوار أكثر فاعلية في حال استمرت التهديدات.
ولكن أي مسارات محتملة للعلاقة بين إيران ودول الخليج يمكن تصورها في المرحلة المقبلة؟ يرى المراقبون أن هناك ثلاثة مسارات: أولها، استمرار التوتر ضمن مستوى منخفض، مع إدارة الصراع عبر تفاهمات جزئية تمنع الانفجار من دون أن تحقق استقراراً حقيقياً. هذا السيناريو هو الأقرب على المدى القريب، لأنه يعكس توازن القوى الحالي.
ثاني المسارات يتمثل في إعادة بناء الثقة تدريجياً، من خلال اتفاقات أوسع تشمل ضمانات أمنية وآليات رقابة، وربما ترتيبات إقليمية جديدة. غير أن هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية قوية من جميع الأطراف، إضافة إلى دور دولي فاعل، وهو ما يجعله أقل احتمالاً لكنه غير مستحيل.
أما ثالثها، فهو العودة إلى التصعيد، سواء نتيجة فشل المفاوضات أو حدوث تطورات ميدانية مفاجئة. وهو ما قد تتحوُّل المنطقة معه إلى ساحة صراع مفتوح، مع أخطار كبيرة على الاقتصاد العالمي، خصوصاً في قطاع الطاقة.
ما هو أكيد أن العلاقة بين إيران ودول الخليج، باستثناء سلطنة عُمان، دخلت مرحلة جديدة، لم تعد فيها قواعد اللعبة القديمة صالحة. فالحرب الأخيرة كشفت حدود الردع التقليدي، وأظهرت أن التوازن الإقليمي بات أكثر هشاشة وتعقيداً. وأكدت أن أي ترتيبات مستقبلية لا يمكن أن تنجح من دون أخذ مصالح جميع الأطراف بعين الاعتبار. قد يكون التحدّي الأكبر أمام دول الخليج وإيران ليس في إنهاء الصراع، بل في إدارته بطريقة تمنع تحوّله إلى حرب مفتوحة. فكلفة الانفجار قد تكون كافية للدفع إلى البحث عن صيغة جديدة للعلاقة، حتى لو كانت هشَّة ومؤقتة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محسن المغرب 🇲🇦:

    النظام الصفوي لا يؤتمن جانبه.
    على الدول العربية تجميد علاقاتها معه إلى أن تتغير فلسفة و عقيدة النظام.

  2. يقول سليمان:

    التوازن الإقليمي لا يتحقق بإقامة تحالفات عسكرية وسياسية مع دول كبرى وهذا ماتبقى للجميع بالحرب على ايران حيث لم تحرص واشنطن على حماية حلفائها الخليجيين من الهجمات الإيرانية بقدر ماحرصت على حماية إسرائيل ألتي وريتها بهذه الحرب
    التوازن الإقليمي يتحقق بإنشاء قوة دفاعية خليجية عربية قادرة على الردع وخلق تحالفات اقليمية مع قوى اقليمية تشترك معك بالمصالح والمخاوف (مثل مصر وتركيا)
    هاهو حليفكم الاميركي لم يحرص على درء الخطر عنكم وعليكم الغربي وقف متفرجا رغم تضرر مصالحه

اشترك في قائمتنا البريدية