المبدع موسى المعماري بنى قصر الأحلام ورحل بعدما ثأر من سخرية حبيبته والأستاذ

حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي» : ما زال الموت يترّبص بكبار المبدعين في لبنان، ففي الوقت الذي ودّعت فيه البلاد زغلول الدامور والفنان القدير نهاد طربيه، فجع لبنان الرسمي والشعبي والفنيّ برحيل مبدع آخر رفع اسم لبنان فنيّاً وسياحيّاً هو موسى المعماري، صاحب «قصر موسى» أو القلعة الاثرية، التي بناها بنفسه وحملت اسم «قصر موسى»، التي باتت معلماً أثرياً ومقصداً للسياح من داخل وخارج لبنان.
وموسى المعماري هو ابن الشوف، الذي نعاه رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط عبر تغريدة نشرها على حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» أشاد فيها بفرادة عمله وابداعه ونعاه قائلاً: «فقد لبنان وفقدت منطقة الشوف فناناً معمارياً نادراً.
لقد بنى قلعته وزيّنها على مدى سنوات طوال وحقّق بذلك حلم حياته، فكانت مقصداً لجميع اللبنانيين والسياح من كل حدب وصوب. كم نحن بحاجة إلى أمثالك يا معلم موسى لنبني لبناناً جديداً صلباً مثل قلعتك. رحمك الله».
من هو الراحل موسى المعماري؟
هو موسى عبد الكريم المعماري، الذي ولد في 27 تموز/يوليو 1931 واشتهرت عائلته بتوارثها مهنة العمارة حتى اتخذت من المهنة اسماً لها، وتعود جذور العائلة الاصلية إلى حارة السرايا المتاخمة لأسوار قلعة الحصن في محافظة حمص السورية.
والمعروف عن موسى عمله الدؤوب ومثابرته طوال حياته، هو الذي حلم عندما كان لا يزال على مقاعد الدراسة ببناء «القصر الحلم» الذي حمل اسمه، وقد نشرت سيرة حياته في الكتب المدرسية وأعدّ فيلما خاصا يروي حلمه، الذي حققهّ، واليكم كيف حلم وبنى موسى مملكته، التي تربّع من خلالها على عرش الابداع الفنيّ اللبناني المعماري.
حلم موسى وهو لا يزال طالباً في المدرسة ببناء القصر فقام بتجسيد حلمه على الورق عبر رسمه في إحدى ساعات الرسم، وكان استاذه يسخر دوماً منه لأنه لم يكن مجتهداً في دروسه وكان يؤّنبه قائلاً: «أنت لن تحقق شيئًا»، خصوصاً بعد أن طلب من طلابه أن يرسموا عصفوراُ على الشجرة فرسم موسى قصره بدلاً من العصفور، فسأله الأستاذ باستهجان اذا كان هذا القصر المتخيّل هو لاجداده فأجابه بأنه حلم به وسيحققه، فعاجله استاذه بضربه بقضيب الرمان وبتمزيق الرسم ورميه أرضاً فحمل الورقة الممّزقة وغادر الصّف متوّعداً بتحقيق الحلم.
وقرّر موسى من خلال حلمه ورسمه القصر على الورق اثبات مقدرته وحضوره في المجتمع هو الذي عانى من سخرية إحدى زميلاته في المدرسة، التي أحبّها ولم تبادله الحبّ، بل الاستهجان والسخرية لأنّ هناك فوارق اجتماعية بينه وبينها، لا سيما أنها كانت تنتمي إلى عائلة مرموقة ووالدها يملك قصراً، وكان حاكماً لإحدى نواحي المدينة، ومن حينها أراد أن يثبت لها ولسواها مقدرته هي التي قالت له بالحرف الواحد «عندما تملك قصراً، يمكنك أن تتحدث إليّ»، وهذا ما ولدّ عنده الحرقة والجرح، فضاقت به الدنيا حزناً وتعاسة، فقرّر أن يكون له قصر أجمل من قصور الملوك والسلاطين.
وهذه الأمنية نقلها موسى إلى أهله وأصحابه الذين اعتبروا كلامه بأنه «ضرب جنون» فاشفقوا عليه إنما هو تحّدى الصعاب والعراقيل وبدأ البناء قطعة قطعة واستخدم أروع الحجر والرسم من دون مساعدة أحد لفترة تزيد عن الـ 15 سنة، وهكذا بدأ مشروع حياته ببناء القصر بين عامي 1951 و1962 بعد تحضيره كل شيء لتحقيق مخططه بما في ذلك شراء الأراضي والمخططات وفي عام 1962 بدأ عمله وبنى القلعة بيديه مستخدماً الحجارة والطين.
وبعد أربع سنوات من العمل الدؤوب، بمشاركة زوجته، صار بإمكانه استقبال بعض الزوار الذين بدأ يلفتهم قيام هذه الحجارة المنحوتة والأبراج. ويقول:» كان الرئيس كميل شمعون الذي أتى مع زوجته السيدة زلفا من أول الزوار. ساعدني الرئيس في الحصول على قرض طويل الأمد (60 ألف ليرة) من بنك التسليف الزراعي بفائدة ضئيلة، بعدما أهداني الجنسية اللبنانية. كان في حينها وزيراً للداخلية».
وكان الشهيد كمال جنبلاط قد ساعده أيضاً في الحصول على مبلغ عشرة آلاف ليرة لبنانية وهذه المساعدات، إلى جانب «رسوم دخول القصر»، وبيع أشغال يدوية كان يصنعها هو وزوجته، مكّنت موسى المعماري من وضع حلمه قيد التنفيذ، ليستقبل الزوار والسائحين رسمياً في العام 1967.
موسى لم يثنه أيّ طموح فكتب ونشر كتابه بعنوان «حلم حياتي» وطبع منه أكثر من 150 ألف نسخة، وصاحب الكتاب والقصر لم ينس حبيبته الأولى فروى عنها ما يلي: «بعد سنوات طويلة من البحث عنها، وجدتها في بروكلين في أمريكا، اتفقت مع ابنة عمّي هناك، لتدعوها إلى زيارة لبنان، والقصر من دون أن تخبرها أنّ هذا القصر هو الذي وعدتها به. وفعلاً، جاءت سيّدة إلى لبنان عام 2009، وكان القصر على خريطة زياراتها، وكنت أحرص على أن تدخل من الباب المنخفض. أردت أن تركع أمامي، مثلما ركعتُ يوم ضربني المعلم لأنني حاولت تقبيلها».
وأضاف عندما وصلت سيدة، ورأت الرجل العجوز قرب القصر، سألت: «أنت موسى المعماري؟ قبل أن تدمع عيناها بعد 67 عاماً من الفراق».
اذاً صفحة مجيدة من الابداع طويت مع موسى المعماري الرجل الطموح والمثابر والساعي دوماً إلى تحقيق الهدف وتخطي العراقيل والصعوبات، والذي سيّودعه لبنان ومنطقة دير القمر يوم السبت المقبل ليوارى الثرى في الأرض التي احتضنت قصره الحلم الذي اصبح حقيقة.

المبدع موسى المعماري بنى قصر الأحلام ورحل بعدما ثأر من سخرية حبيبته والأستاذ

ناديا الياس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية