يقول لوكاتش «ليست الأهمية في الرواية التاريخية إعادة سرد الأحداث التاريخية الكبرى، بل في الإيقاظ الشعري للناس الذين كانوا جزءا من تلك الأحداث»، وجان دوست الملتزم بقضية الكرد في بلادنا، بوصفها قضية قومية اجتماعية سياسية كبرى، يعود في روايته «آخر معارك الجنرال» (دار النهار 2025) ليستعيد حياة ملا مصطفى البارزاني، وهو الزعيم الأشهر، الذي ترك أثرا كبيرا في النضال الكردي خلال القرن الماضي، وقد استعاد بالفعل الأحداث موقظا «الشعري» لهذا القائد الذي كان أساسا، لا جزءا فقط في تلك الأحداث.
وحسب لوكاتش أيضا «تنشأ الرواية التاريخية في تلك اللحظات التي تدخل فيها حياة الأمة طور الأزمة، حين تُطرح مسألة الوجود القومي بإلحاح درامي»، وقضية الأكراد، وهي جزء من قضية بلادنا الكبرى، التي تعيش في أزمات متلاحقة، ولأن الأكراد تاريخيّا في صراع «وجوديّ» دائم، تخمد ثورتهم حينا وتشتعل وتقوى أحيانا، تأتي الرواية التي تلاحق تلك الأحداث وأبطالها بإلحاح، وجان دوست واحد من أولئك الذين حملوا قضية «شعبهم» وساروا بها ومستمرون. ولكن من حيث السردية والفنية والجديد، ماذا قدّم لنا دوست في نصه؟
تبدأ الرواية بنبأ وفاة ملا مصطفى البارزاني، يوم الجمعة في الثاني من آذار/مارس 1979 في أحد المستشفيات في واشنطن، يسمع الخبر القرويون عبر المذياع، ولكن حاجي محك بَروجي لا يتقبّل الخبر، ولا يصدّق نبأ وفاة زعيمه وقائده، بعد صراع في «معركته الأخيرة» مع السرطان، ومن هناك تبدأ الحكايات، بين المستشفى، والتفاصيل التي تحصل مع ملا مصطفى في المشفى، ومع مرافقيه وبعض حواراتهم، في ما بينهم أو معه. تنقسم الرواية إلى كتب أربعة، أولها «شجرة البلوط الهرمة»، وآخرها «المعركة الأخيرة»، مرورا بـ»كنج خليل» وهو المغنّي الكردي الشهير، و»ملحمة الـ500».
«شجرة البلوط» تحضر باستمرار برمزيتها، بوصفها الشجرة التي رمزت بشكل أو بآخر إلى ملا مصطفى، وأوراقها التي تنتهي معها صفحات الرواية الأخيرة، وحياة البارزاني، وكان لهذه الرمزية الحضور العميق بالنسبة إلى هذا الزعيم الكردي على مدار السرد، والاسترجاعات التي سيطرت على النص، فكانت ذكرياته هي الأساس الذي بنيت عليه ركائز الرواية، المرجعيّ التاريخي الموثّق منها، والمتخيَّل من حيث تفاصيله، خلال المعارك، أو الرحلة من الاتحاد السوفييتي، بمرافقة المقاتلين الثوار، كثرت تلك التفاصيل، ولكنها ظلّت في معظمها متعلقة بملا مصطفى نفسه، ولم تدخلنا الرواية في عوالم جديدة مرتبطة بالشخصيات التي كانت تتحرك من حوله، وهنا أودّ التركيز على هذا الأمر.
حياة ملا مصطفى، بكل ما حصل فيها من بطولات وخيبات، وانتصارات وانكسارات، وبكل المواقف التي اتّخذها النص وصاحبه، تدعم وجهة نظره تجاه قضية الكرد، ضدّ الشاه وعبد الكريم قاسم، وتدخلنا قليلا بلقاء بسيط مع صدّام حسين، لا مشكلة من تبنّي وجهة نظر واضحة وصارمة، من دون إبداء وجهات نظر أخرى، عبر السرد، أو عبر حوارات بين شخصيات واقعية متخيلة أو حقيقية، وهو أمر مبرّر للكاتب الواضح في مواقفه، ولكن غياب الشخصيات بحضورها وعلاقاتها وصراعاتها الخاصة، والإغراق في حياة الشخصية التاريخية المختارة، وعلى الرغم من أنّ النص كان واضحا في أنه استعادة لحياتها، إلا أنّ التركيز عليها، ما عدا جزءا بسيطا قبيل نهاية الرواية ظهرت فيه الشخصيات المحيطة قليلا، أوقع النصّ في فخّ التأريخ والتوثيق على السردية والفنية، فلو أن الحوارات بين المرافقين ظهرت أكثر وعرفنا من خلالها ما تريد الرواية إيصاله، ولو أنّ الشخصية التي بدأت معها الرواية ظهرت في زمنها وفي مكانها الحالي، في البيئة الكردية الحالي ولم يتمّ التركيز فقط على المشفى في جورج تاون فقط، وعلى الطبيب والمرافقين، وعودة المساء المنتظرة هناك، لكان النصّ في عنصر التعلّق والتشويق والإمتاع، أقوى وأعمق.
جان دوست ملتزم ومقنع في التزامه، فهو الكرديّ الذي يقدّم وجهة نظره بوضوح، يكتب بالعربية والكردية، لا لأنه في صراع وجودي، بل لأنه مقتنع بأن الجمهور الذي يجب أن يفهم قضية الكرد هو العربيّ، العراقي والسوري، ومعه التركي والإيراني، فالأكراد كما نعرف موزّع وجودهم ومشتَّت بين تلك الدول الأربع، ولكن ما يحصل للمبدع أحيانا، أنه تأخذه الحماسة المرتبطة في حرصه على القضية على حساب الفنية، ولا أقول إنّ النصّ لم يقدّم رواية حديثة جيدة، ولكنها كان يمكن أن تكون أكثر إمتاعا لو أنّ الفنية كان أكثر حضورا من التوثيقية.
«آخر معارك الجنرال» أظهرت ملا مصطفى البارزاني الإنسان، مصارعا السرطان محتفظا بأوراق شجرة البلوط، «مرّت في خياله الواهن مراحل عمره المختلفة سريعا كغيوم تدفعها ريح الشمال. كان يريد أن يستوقفها ويفهم لماذا وصل شعبه إلى تلك الحال. لماذا انكسرت الثورة ولماذا خان الأصدقاء! كان يريد محاكمة المرحلة التي ترك عليها بصمته… حيث كان منتظرا المساء الذي اعتقد أنه معه ستكون النهاية، ولكنها فاجأته، فتأجلت، وهنا نهاية للنصّ عميقة من حيث رمزية حياة الرجل الأبرز من قادة الكرد، بوصفها تمثل حياتهم جميعا، فهذه القضية ستبقى وتستمر، ولا حلّ يلوح في الأفق، موتا أو حياة جديدا، وكلّ ما هو مرتبط بحلولها سيبقى مؤجّلا مهما بدا وضوح هنا أو غموض هناك، فالتاريخ والحاضر يؤكّدان ذلك.
عنوان الرواية مغاير لواقع البرزاني الاب.. فهو ليس بجنرال عسكري تخرج من كلية عسكرية بل كان زعيم جماعة مسلحة في الجبال. والصواب لو كان عنوان الرواية: شجرة البلوط.