غزة ـ «القدس العربي»: صادف يوم أمس الثامن من ديسمبر/ كانون الأول، مرور الذكرى الـ 32 لاندلاع «انتفاضة الحجارة» التي تفجرت في مثل هذا اليوم من عام 1987 واستمرت حتى عام 1994، بمواجهات شعبية عارمة انطلقت شرارتها في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين شمال قطاع غزة، لتمتد خلال فترة قصيرة إلى جميع المناطق الفلسطينية في الضفة وغزة، تعبيرا عن رفض الشعب الفلسطيني للاحتلال.
وأطلق اسم «انتفاضة الحجارة» على تلك الثورة الشعبية، كون أن السلاح الفلسطيني فيها كان الحجر مقابل الأسلحة الرشاشة، وأسفر القمع الإسرائيلي العنيف للمتظاهرين عن سقوط آلاف الشهداء والجرحى، والزج بعشرات آلاف الفلسطينيين بينهم أطفال ونساء وشيوخ علاوة على الشبان في معتقلاتها.
وتشير معطيات مؤسسة رعاية أسر الشهداء والأسرى إلى استشهاد 1550 فلسطينيا خلال الانتفاضة، واعتقال 100-200 ألف.
كما تشير معطيات مؤسسة الجريح الفلسطيني إلى أن عدد جرحى الانتفاضة زاد عن 70 ألف جريح، يعاني نحو 40 % منهم من إعاقات دائمة، ولعدم كفاية سجون الاحتلال لأعداد المعتقلين، قامت أنشأت إسرائيل معتقل «النقب الصحراوي» من الخيام، لتضع فيه آلاف الأسرى.
وتفجرت أحداث «انتفاضة الحجارة»، ردا على قيام سائق إسرائيلي بدهس مجموعة من العمال الفلسطينيين من غزة، وهم في طريقهم للعمل داخل المناطق المحتلة عام 1994، ما أدى وقتها لاستشهادهم.
وتطورت وسائل المقاومة في تلك الانتفاضة من الحجارة وإشعال النار في إطارات السيارات، لتشمل الإضراب الشامل، ومن ثم استخدام الأسلحة الرشاشة في عمليات المقاومة، كما شهدت الانتفاضة تشكيل قيادة وطنية موحدة لإدارتها شاركت فيها فصائل منظمة التحرير، كما أعلن بعد أيام من انطلاقها عن تأسيس حركة حماس يوم 14كانون الأول/ ديسمبر.
وعمدت إسرائيل إلى جانب قمع المتظاهرين بالرصاص والضرب المبرح وتكسير العظام الذي وثقته كاميرات الصحافيين، لمنع تنامي موجة الغضب الشعبي، الى إبعاد عدد من قادة الانتفاضة من كافة الفصائل الفلسطينية، وأغلقت الجامعات، كما قامت إسرائيل في شهر أبريل/ نيسان 1988، باغتيال عضو اللجنة المركزية لحركة فتح خليل الوزير «أبو جهاد» الملقب بأبي الانتفاضة في العاصمة التونسية، والذي كان على تواصل مع قيادة الانتفاضة، وكان يدبر لعمليات مسلحة من الخارج، غير أن تلك العمليات زادت من لهيب الغضب، وعمل شبان الانتفاضة على تطوير أدواتها.
وبدأت «انتفاضة الحجارة» بالإعلان عن فعالياتها في ذلك الوقت الذي لم يكن يشهد ثورة الإنترنت ولا مواقع التواصل، عبر بيانات مكتوبة، كانت تطبع بشكل سري، كما عمدت الفصائل الى إعلان الفعاليات من خلال الكتابة على جدران المنازل. ونجح الفلسطينيون في إيصال صوتهم المنادي بزوال الاحتلال إلى كل العالم.
ولا يزال الفلسطينيون يستذكرون تلك الأيام التي عاشوها فترة «انتفاضة الحجارة»، التي تخللها استمرار جيش الاحتلال بفرض منع التجوال على المناطق الفلسطينية، في مسعى لمنع التظاهرات، كما لا يزال الكثير من الأسر يعيش حسرة فقدان أبنائها الذين استشهدوا بنيران الاحتلال، فيما لا يزال هناك مواطنون كثر يعانون من الإعاقة جراء الاصابة في مناطق خطرة.
من جهتها، أكدت حركة حماس في الذكرى الثانية والثلاثين لاندلاع «انتفاضة الحجارة»، على أن الاحتلال الإسرائيلي «لن يهنأ بلحظة استقرار فوق أرضنا المحتلة».
وقالت في بيان لها «إن الأسباب التي أدت بالشعب الفلسطيني إلى تفجير ثورته الشعبية عام 1987 ما زالت قائمة حتى يومنا، بل وتفاقمت». وأكدت على أن المقاومة «حق مشروع كفلته الشرائع السماوية والأعراف والقوانين الدولية، ولا سيما الكفاح المسلح الذي يمثل خيارًا استراتيجيًا لحماية القضية، واسترداد الحقوق الوطنية الفلسطينية».
وأكدت كذلك أن اندلاع انتفاضة الحجارة شكل «فصلاً ملهمًا من فصول المواجهة مع الاحتلال»، داعية إلى تضافر الجهود وتوحيد البنادق في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي إزاء ما تتعرض له القضية من مخاطر الشطب والتصفية.
ونددت بهذا المناسبة بعمليات «التطبيع» التي أكدت أنها تتناقض مع رغبة الشعوب الرافضة لإقامة أي علاقة مع الاحتلال، أو القبول بوجوده في فلسطين.
وقال تيسير خالد عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية، وعضو اللجنة التنفيذية للمنظمة «في مثل هذا اليوم من عام 1987 انطلقت الانتفاضة الشعبية الباسلة، انتفاضة أطفال الحجارة، التي أعادت التوازن الى المواقف العربية والدولية من القضية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية»، لافتا إلى أنه في تلك الفترة «كان الوضع الفلسطيني في أصعب أحواله، واليوم فإن الوضع الفلسطيني في أسوأ أحواله، فالاحتلال يتعمق والاستيطان ينتشر ويحاصرنا في معازل، والانقسام يتعمق ويتجه نحو الانفصال وصفقة القرن اللعينة، يجري تطبيقها خطوة خطوة»، مؤكدا أن الحالة الفلسطينية «أحوج ما تكون هذه الأيام إلى انتفاضة شعبية شاملة، وعصيان وطني في مواجهة الاحتلال».