الخرطوم ـ «القدس العربي»: رغم تأكيد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك على حماية حق التظاهر السلمي وحقن الدماء، والوعود التي قطعتها إدارة الشرطة بخصوص حماية المتظاهرين، إلا أن الانتهاكات واسعة النطاق التي مارستها الأجهزة الأمنية في تظاهرات إحياء ذكرى الثورة أول، أعادت التساؤلات حول قدرة الرجل على حقن دماء المدنيين، وقد شيع المئات، أمس الإثنين، في مقابر «الشيخ الصباحي» في الخرطوم، محمد مجذوب محمد أحمد (28 عاما) الذي قتل برصاصة في الصدر في احتجاجات الأحد.
وحسب لجنة أطباء السودان المركزية، قتل أحمد خلال قمع الأجهزة الأمنية للتظاهرات في منطقة شرق النيل، يوم الأحد، ليرتفع عدد القتلى منذ انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى 46، اثنان منهم قتلا بعد توقيع اتفاق (البرهان ـ حمدوك) في الحادي والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني 2021.
ووفقاً للجنة قتل أحمد بعد إصابته برصاصة في الصدر في تظاهرات الأحد، ولفتت إلى اعتداء القوات الأمنية على المرافق الصحية والكوادر الصحية.
المدير التنفيذي لمبادرة حاضرين لمعالجة مصابي ثورة ديسمبر، ناظم سراج، قال لـ«القدس العربي» إنهم رصدوا حتى الآن قتيلا واحدا بالإضافة إلى 300 إصابة، ثلاثة منها في الرأس، حالتها خطرة حتى الآن، بالإضافة إلى امرأة تم دفعها من فوق جسر توتي، مما أدى إلى كسر سلسلتها الفقرية وساقها، وخمس حالات اعتداء جنسي، تضمنت حالتي اغتصاب، إحداهما تحتاج لتدخل جراحي.
وحسب ناظم ازدادت الإصابات، منذ عصر الأحد، وحتى فض الاعتصام أمام القصر الرئاسي، وتراوحت بين إصابات بالرصاص وعبوات الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية، مشيرا إلى أن حالات الاعتداء الجنسي جميعها تمت عند فض الاعتصام أمام القصر الرئاسي مساء الأحد.
وأكدت رئيسة مبادرة «لا لقهر النساء» أميرة عثمان، لـ«القدس العربي» أنهم «لا يزالون يقومون برصد حالات الاغتصاب التي تمت خلال فض الأجهزة الأمنية لاعتصام الأحد، أمام القصر الرئاسي» مشيرة إلى «تأكيد حالتين إحداهما تحتاج لتدخل جراحي، فضلا عن العلاج النفسي لكلتيهما».
وقالت إن «الحكومة تسعى بكافة أدواتها القمعية لإخافة المتظاهرين والتسبب بفوبيا للفتيات وأسرهم من المشاركة في التظاهرات» مشددة على أن «الاغتصاب مثله مثل القتل أداة حرب ظل الطغاة يستخدمونها» مؤكدة أن «النساء لن يخفن من الاغتصاب أو الرصاص وسيواصلن النضال حتى إسقاط النظام».
وأكدت لجان مقاومة مدينة بحري، في بيان مساء الأحد، أن الأجهزة الأمنية فضت الاعتصام أمام القصر الرئاسي بالطريقة الوحشية نفسها التي فضت بها اعتصام القيادة العامة، في يونيو/حزيران 2019.
«خيانة» حمدوك
وحسب البيان «أطلقت قوات الدعم السريع والاحتياطي المركزي التابعة للشرطة الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع بكثافة كبيرة وطاردت المتظاهرين وسط الخرطوم».
واعتبرت لجان المقاومة ما حدث في محيط القصر الرئاسي «امتدادا لحملة القمع التي ينتهجها الانقلابيون» وإثباتا لما وصفتها بـ«خيانة رئيس الوزراء للشارع، لأن الدماء لا تزال تسفك».
وفي الثالث من يونيو/حزيران 2019، فض المجلس العسكري اعتصاما أمام القيادة العامة للقوات المسلحة وسط الخرطوم، واعتصامات في عدد من الولايات، كانت تطالب بتسليم السلطة للمدنيين، قتل وجرح خلالها المئات فضلا عن حالات الاغتصاب.
وفي الأثناء، لم يصدر تعليق من حمدوك على الانتهاكات التي تمت في تظاهرات واعتصام الأحد، في وقت التزمت إدارة الشرطة الصمت أيضا رغم الوعود التي قدمتها بخصوص حماية حق التظاهر السلمي.
وأكد حمدوك، خلال توقيعه اتفاق الإعلان السياسي مع قائد الجيش في الحادي والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إنه وقع الاتفاق حقنا لدماء السودانيين.
وأعفى رئيس الوزراء في السابع والعشرين من الشهر الماضي المدير العام للشرطة السودانية خالد مهدي ونائبه الصادق علي، وتم تعيين عنان حامد مديرا للشرطة ومدثر عبد الرحمن، نائبا له ومفتشا عاما.
رئيسة مبادرة «لا لقهر النساء» تحدثت عن حالتي اغتصاب
وفي مطلع الشهر الجاري، أكد حمدوك أن حماية حق المتظاهرين في التعبير السلمي من أهم واجبات الشرطة، ووجه الشرطة لتوخي أقصى درجات الاحترافية في حماية التظاهرات السلمية، وذلك عقب اقتحام قوات الشرطة لمستشفيات استقبلت مصابين خلال التظاهرات في30 نوفمبر/ تشرين الأول الماضي.
كما بيّن مدير عام الشرطة التزامهم بالعمل وفق الدستور والقانون وبما يحفظ للجميع أمنهم وسلامتهم وممارسة حقهم في التعبير السلمي، وعرض على رئيس الوزراء خطط الشرطة لتعزيز حق التعبير السلمي وحماية المتظاهرين وسلامتهم.
«الإفلات من العقاب»
الخبير القانوني المعز حضرة، اعتبر في حديث مع «القدس العربي» أن «استمرار الإفلات من العقاب هو الذي يشجع قوات الشرطة وغيرها من القوات النظامية على مزيد من الانتهاكات».
وبين أن «الشرطة يوم الأحد ومنذ انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول، مارست العديد من الانتهاكات القانونية من قتل وضرب وانتهاك للمنازل وأيضا سرقة مقتنيات المتظاهرين من هواتف نقالة وأموال».
واستنك، «صمت مدير الشرطة ورئيس الوزراء» مطالبا حمدوك بمحاسبة مدير عام الشرطة.
ورغم محاكمة عدد من مرتكبي جرائم القتل في حق المتظاهرين في ثورة ديسمبر 2018، ألا أنه لم يتم تنفيذ أي حكم حتى الآن، في وقت لم تسفر لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة العامة ولجان أخرى، تم تشكيلها بخصوص الانتهاكات التي حدثت في الاحتجاجات، عن أي نتائج تجرم الجناة في تلك الانتهاكات.
وبالتزامن مع الذكرى الثالثة لثورة ديسمبر/ كانون الأول 2018، حاصر عشرات الآلاف من المتظاهرين الأحد، القصر الرئاسي وسط الخرطوم، مطالبين بإسقاط الانقلاب العسكري وتسليم السلطة المدنيين.
ووصل عشرات الآلاف من المتظاهرين، أمس الأول، إلى مقر القصر الرئاسي في العاصمة الخرطوم، بعد ساعات من عمليات كر وفر مع قوات الأمن، معلنين الاعتصام هناك، إلا أن الأجهزة الأمنية فضت الاعتصام، مستخدمة القوة المفرطة.
واستبقت قوات الأمن مليونية 19 ديسمبر/ كانون الأول، التي دعت إليها لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين، بإغلاق الجسور والطرق التي تربط مدن العاصمة الثلاث مع بعضها البعض في وقت مبكر من صباح الأحد، في وقت تمكن عشرات الآلاف من السودانيين من كسر الأطواق الأمنية وعبور جسور العاصمة صوب الخرطوم، وصولا للقصر الرئاسي.
البرهان يدعم حمدوك
وفي سياق منفصل، أكد قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، أن ما تم من إجراءات وتعيينات مؤخراً كان بالتنسيق بينه وبين رئيس مجلس الوزراء، مؤكداً دعمه الكامل لحمدوك، حتى يضطلع بدوره في إنجاز مسؤولياته الوطنية، على حد وصفه.
البرهان زاد خلال تنوير قدمه لضباط القوات المسلحة والدعم السريع، برتبة عميد فما فوق، في القيادة العامة أمس، «التزامه بالاتفاق مع حمدوك حول تكوين حكومة كفاءات غير حزبية».
ودعا لـ«عدم الالتفات لما وصفها بـ«الشائعات التي تستهدف وحدة المنظومة الأمنية» حسب بيان لإعلام المجلس السيادي.
وكان حمدوك قد أعفى خلال الأسابيع الماضية وكلاء وزارات وولاة ولايات عينهم قائد الجيش، عقب الانقلاب واستبدلهم بآخرين.
ونفذ البرهان في الخامس والعشرين من نوفمبر/ تشرين الأول الماضي انقلاب عسكري أطاح عبره بالحكومة الانتقالية التي تشاركها المدنيون والعسكريون لأكثر من عامين، وبعدها بأربعة أسابيع أخرج البرهان، حمدوك من الإقامة الجبرية ووقع معه اتفاق إعلان سياسي عاد بموجبه رئيسا للوزراء، ولكن دون حكومته من قوى الحرية والتغيير، على أن يشكل حكومات كفاءات مستقلة.
وكان من المنتظر أن تعيد عودة حمدوك إلى منصبه الهدوء إلى الشارع إلا أن التظاهرات الرافضة للانقلاب والاتفاق بين برهان وحمدوك ما زالت مستمرة، حتى الآن، بينما لم يتمكن حمدوك من تشكيل حكومته حتى الآن.
حمدوك أسكتته المليارات والخزائن والرصاصة البرهانية
حمدوك دمية في يد العسكر– الشعب يريد تغيير جذري وانتخابات حقيقية ومحاكمة القتله والخونه