الصراع على سوريا… مجدداً

إن أشهر الكتب التي وصفت الحالة السورية في مطلع ستينيات القرن المنصرم، وأحد أفضلها بالتأكيد، كتاب الصحافي البريطاني باتريك سيل (1930-2014) الذي ترعرع في سوريا وتخصّص في الكتابة عنها وعن سائر أمور الشرق الأوسط. صدر الكتاب في عام 1965 تحت عنوان «الصراع على سوريا»، وقد وصف الأحداث السورية والأحداث الإقليمية المرتبطة بها بين نهاية الحرب العالمية في عام 1945، وعام 1958 الذي شهد الوحدة مع مصر في إطار ما سمي آنذاك «الجمهورية العربية المتحدة». أما الصراع المذكور، فقد رآه الكاتب صراعاً بين المحور الغربي، مستنداً إلى المملكة العراقية الهاشمية (1921-1958) و«حلف بغداد» (1955) بقيادة بريطانيا ودعم الولايات المتحدة، وبين صعود الحركة القومية العربية، الذي جسّده «حزب البعث العربي الاشتراكي» وبعده مصر الناصرية، وقد صعد نجم هذه الأخيرة بقوة إثر تأميمها لقناة السويس في عام 1956 وصمودها في وجه العدوان الثلاثي البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي الذي تلا ذلك التأميم.
والحال أننا اليوم أمام أقصى حالة من الصراع الإقليمي والدولي على سوريا منذ أن استقرّت البلاد لمدة ثلاثين سنة تحت نظام آل الأسد الاستبدادي. حتى أن الصراع بات مفتوحاً اليوم أكثر مما في أي وقت مضى منذ أن اندلعت الحرب الأهلية في سوريا إثر قمع الانتفاضة الشعبية في عام 2011. ذلك أن التدخلين الإيراني والروسي المتتاليين أنقذا نظام آل الأسد إلى حد أن هيمنته على معظم الأراضي السورية بدت مؤكدة بعد عام 2015، بينما انحصرت المناطق الفالتة من سيطرته على أطراف البلاد. وقد عرفت ركيزتا حكم آل الأسد ضموراً حاداً في خريف العام الماضي مع تقلّص الدعم الروسي بسبب غرق موسكو في أوحال غزوها لأوكرانيا، وانهيار الدعم الإيراني، الذي تكبّد ضربة قاضية إثر الهزيمة التي مني بها «حزب الله» في لبنان من جرّاء الهجوم الصاعق الذي نفّذته الدولة الصهيونية عليه بعد سنة من تبادل القصف المحدود نسبياً.
فإن انهيار حكم آل الأسد إثر سقوط الركيزتين اللتين استند إليهما منذ عام 2015، وعجز «هيئة تحرير الشام» (هتش) عن التعويض عن الثلاثي المكوّن من قوات النظام البائد، التي كانت بذاتها أعظم بكثير مما لدى هتش سابقاً وحتى اليوم، ومن القوات التابعة لإيران وروسيا على الأراضي السورية، ذاك الانهيار وهذا العجز يعنيان أن سوريا باتت مجدداً ساحة صراع إقليمي مكشوف، بل وبشروط أكثر انفتاحاً على شتى الاحتمالات مما في أي وقت مضى في السنوات الثمانين الأخيرة، منذ نيل سوريا الحديثة استقلالها في عام 1946. والحال أن لدى «قوات سوريا الديمقراطية» وحدها، في الشمال الشرقي، من القوة العسكرية الذاتية ما يفوق ما لدى هتش (بلا مزيد من توغل الجيش التركي داخل الأراضي السورية).

إننا اليوم أمام أقصى حالة من الصراع الإقليمي والدولي على سوريا منذ أن استقرّت البلاد لمدة ثلاثين سنة تحت نظام آل الأسد الاستبدادي

أما الفارق بين صراع خمسينيات القرن المنصرم والصراع الراهن، فذو دلالة بالغة على الاختلاف الجذري بين الحالة الإقليمية آنذاك واليوم. فقد انتهى منذ وقت طويل زمن الصعود القومي العربي، وحلّ محلّه تعفّن القوى التي حملت رايته سابقاً، وعلى الأخص حزب البعث بحلّتيه التكريتية والأسدية. أما أفول الحركة القومية العربية وانحطاطها في السبعينيات، فقد فسحا المجال أمام صعود القوى الدينية بالارتباط بصعود نجم المملكة السعودية إثر تعاظم عائداتها النفطية بفعل الارتفاع الحاد الذي عرفته أسعار النفط في منتصف السبعينيات في سياق المقاطعة العربية، لمّا كانت الدول النفطية العربية تتضامن مع الجانب العربي في وجه الدولة الصهيونية خلافاً لموقفها الراهن الذي يكاد يكون غير مبالٍ لحرب الإبادة الجارية في غزة.
بيد أن العدوان الأمريكي على العراق إثر اجتياحه للكويت في صيف 1990 والقطيعة التي تلت بين المملكة وجماعة الإخوان المسلمين، ومن ثم احتضان دولة قطر للجماعة، وبعدها تركيا الأردوغانية على خلفية الانتفاضات العربية التي هبّت منذ عام 2011، هذه التحوّلات جعلت الصراع الإقليمي الرئيسي الراهن صراعاً بين محور تقوده المملكة السعودية بالتحالف مع الإمارات العربية المتحدة ومصر عبد الفتّاح السيسي، من ميزاته العداء للجماعة، وقد التحقت به المملكة الأردنية الهاشمية علناً بعد قرارها الأخير حلّ الجماعة على أراضيها، صراعاً بين هذه الدول من جهة، والمحور التركي من الجهة الأخرى، علاوة على الصراع السعودي-الإيراني الذي خيّم على المنطقة وبلغ ذروته مع الاحتلال الأمريكي للعراق (2003-2011) حتى الهزيمة التي مُنيت بها طهران مؤخراً في الساحة السورية.
وإزاء هذا الصراع الإقليمي، الذي يجد امتداداً دولياً له في تفضيل الدول الغربية للمحور السعودي ومحاولة موسكو تقديم خدماتها للمحور المضاد مقابل ضمان بقاء قاعدتيها البحرية والجوية على الساحل السوري، فإن أحمد الشرع وحكومة هتش الجديدة التي شكّلها يمارسان أقصى الانتهازية في محاولة لكسب الوقت والاستفادة من الخصومات الإقليمية ومن التنافس بين شتى المحاور والدول. وقد بلغت هذه الانتهازية درجة جعلت أحمد الشرع يوحي للولايات المتحدة استعداده للانضمام إلى «اتفاقيات أبراهام»، أي إلى قافلة التطبيع مع الدولة الصهيونية، مع تأكيده لحسن نواياه إزاء إسرائيل، في وقت اغتنمت هذه الأخيرة فرصة سقوط حكم الأسد كي تحتل مساحات جديدة من الأراضي السورية علاوة على ما احتلته في عامي 1967 و1973، وكي تدمّر الطاقة العسكرية النظامية السورية تدميراً شاملاً بعد أن كانت مطمئنة لعدم استخدام تلك الطاقة ضدها ما دام حكم آل الأسد قائماً (خلافاً لأساطير «محور المقاومة») ناهيك من منح إسرائيل نفسها حق الضرب عسكرياً داخل الأراضي السورية متى وكيفما شاءت على غرار ما تمارسه على الأراضي اللبنانية. وإنه لموقف مشين للغاية من قِبَل الشرع، يدلّ على تعلّق أكبر بالسلطة وبالأيديولوجيا الدينية وبالطائفية المكوّنة لحركته ممّا بالمبادئ الوطنية، وإن كان الموقف من باب التكتكة الرخيصة.

كاتب وأكاديمي من لبنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ادهم سعيد:

    هل المطلوب من الشرع إعلان الحرب على الكيان مثلا؟
    نفس كاتب المقال يلوم حركة المقاومة الفلسطينية على ما حدث في غزة والان عندما ياتي احد يحاول أن ينحني قليلا امام العاصفة الهوجاء التي تحاول القضاء على ما تبقى من سورية يسميها الكاتب “تكتكة رخيصة”!!
    يعني لا يقبل بنموذج فلسطين غزة ومقاومة العاصفة ولا نموذج دمشق الثورة بالانحناء للعاصفة
    فما هو النموذج المطلوب؟
    التنظير سهل جدا.
    القيادة السورية أكدت كما نقلت القدس العربي ان لا تطبيع بدون عودة الأراضي المحتلة
    وهذا الشيء نعلم جميعا مستحيل تقبل به دولة الكيان.
    الشرع رمى الكرة في ملعب الكيان.
    تعالوا نتصالح مقابل الارض.
    بهذا التكتيك هو يخفف الضغط الصهيوني عليه
    ويسهم في رفع العقوبات .
    هو يعلم ان الكيان لن يقبل بإعادة شبر من الجولان حاليا. بالتالي هو يجعل من الكيان رافض للسلام وبهذا الخطاب فإن القيادة السورية تعيق اي تبرير صهيوني لاي اعتداء على دمشق.
    هل المطلوب منه ان يستخدم خطاب المقاومة في غزة كي تُدمر دمشق ايضا؟

    1. يقول سعادة فلسطين الصين:

      ‏تعليق سليم تماما, الهدف والأولوية الاستراتيجية العليا أمام سوريا الآن هي الحفاظ على وحدة الأراضي والوحدة الوطنية، ما عداه من حق القيادة السياسية في دمشق ان تجتهد فيما تراه مناسباً لمصلحة سوريا وشعبها، موضوع تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية مع العراق ذا اهمية كبيرة كذلك.

  2. يقول Mahmoud:

    سوريا اصبحت كأنها في عش الدبابير. لتحفظ كيانها
    عليها بالوحدة الوطنية . لان الأعداء ينشرون الفوضى والفتن

  3. يقول سفان الجعموص:

    بالنسبة للعبارة التصديرية –
    “إننا اليوم أمام أقصى حالة من الصراع الإقليمي والدولي على سوريا منذ أن استقرّت البلاد لمدة ثلاثين سنة تحت نظام آل الأسد الاستبدادي” …
    هذه مغالطة فاقعة ولا شك: سوريا تحت نير نظام آل الأسد الاستبدادي الساقط لم تستقرّ قط حتى لمدة ثلاثين يوما، ناهيك عن مدة ثلاثين عاما…

  4. يقول نجم:

    الجلوس في الخلف و الانتقاد سهل
    بالاضافة لانه بالكاد لم يذكر دور قسد الانفصالي ، برأيك ماهو المطلوب في الوقت الحالي من الحكومة في سوريا الجديدة لتنال الرضا !؟

  5. يقول Samir:

    إسرائيل تسعى إلى تفتيت سوريا و تقسيمها، لكنها حاليًا مشغولة بملفين: الأول تورطها في غزة و الثاني البرنامج النووي الايراني و أفضل الطرق لحسمه. إذن هي مسألة وقت فقط.

  6. يقول عربي سوري:

    مشكلة الاخرين مع الحكومة السورية او ما يطلق عليها كاتب المقال اليساري حكومة ( هتش) سببها ان الحكومة السورية بقيادة الشرع الذي خلص سورية من اقذر عصابة اقلواتية لم يعرفها التاريخ الى يومنا هذا وهو بهذا حطم المخطط الصهيوصليبي الذي كان يهدف الى تحكم الاقليات في منطقة الشرق والتي ظهرت في فترة الاحتلال الفرنسي الصليبي لسورية وتقسيمها الى دويلات درزية وعلوية واقتطاع لبنان لتشكيل لبنان المسيحي الذي لايزال يعاني من هذه الجريمة التي أفتعلها الاحتلال هذا أولًا ثانيًا الشرع يعرف ان الشعب السوري لن يقبل الاعتراف والتطبيع بالكيان الصهيوني مهما كلفه هذا الامر من ثمن ولكن التكتكة واجبة في هذا الوقت الذي اظهرت فيه ( الاقليات) وجهها القبيح الخائن العميل برفع راية الكيان الصهيونى من الشمال الى الغرب الى الجنوب طالباك الدعم والعون لحلفاؤه (المضطهدين)من قبل المسلمين (المتطرفين)

    1. يقول الجزائري:

      معروف (صوتا وصورة) ان عناصر النصرة كانوا يتداوون في مستشفيات الكيان الصهيوني وحظوا بزيارة النتن ياهو فلا تستبعد أن يطبع النظام الجديد

  7. يقول عزالدين مصطفى جلولي:

    من السابق لأوانه الحكم على الرجل وجماعته الحاكمة في سورية اليوم، وليس صعبا معرفة أين يقف الرجل من قضايا الأمة ومغزى إيحاءاته للعالم الغربي، هنالك المصلحة الشرعية في ثقافة هؤلاء وهي تختلف كليا عن “الانتهازية” التي تسرع الكاتب في وصفه بها. وليس باترك سيل من يدلنا على تاريخ المنطقة ولا على طبيعة الصراع فيها، لننظر في مرآة قلوبنا كي نرى الحقيقة كاملة غير منقوصة.

  8. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شكراً أخي جلبير الأشقر. كان العنوان مفاجئاً لي لكن المقال لايعطي أي انطباع بأن هناك صراع على سوريا باستثناء ماهو معروف في الربيع العربي حتى الأن أي الثورة المضادة وإسرائيل في محاولة جاهدة لضرب استقرار سوريا. ويبدو أن اللغة في المقال هي لغة معتادة بينما الواقع يتغير ويتبدل. بالطبع الرئيس الجديد، أو الرئيس بحكم الأمر الواقع، يتحمل مسؤولية أي تطور في المرحلة القادمة رغم أنه مقيد بشدة بالعقوبات الإقتصادية والدمار والفوضى (وانتشار السلاح) التي خلفها بشارون الهارب فالضباع تكشر عن أنيابها وتطلق عواءها كما حصل اليوم في تصريحات نتنياهو وكاتس في بيان يهددان فيه الإستقرار في سوريا، لكنها تهديدات أيضاً هي نفسها مضطربة وواصحة من حيث هدفها وبحكم أن غالبية الشعب السوري تدرك حساسية هذه المرحلة والأخطار التي تحيط بها، إلى أين تسير الأمور في سوريا. وليس فقط في سوريا بل أيضاً المتطقة كلها.

  9. يقول محمد الحلبي:

    الكيان الصهيوني يسعى لاقامة دويلة دراية في الجنوب لتكون فاصلة بينه وبين باقي سوريا ومن ورائها تركيا وتقطع تواصل الخليج معهما ونحو اوروبا. سيكون دروز سوريا ومعظمهم من الوطنيين ضحية لذلك ويصبحوا اقلية درجة ثانية او ثالثة او رابعة في الكيان الغاصب المتمسك بيهودية دولته المصطنعة اما الخائن منهم فسيضم لفرق الدروز الفلسطينية المجرمة في الجيش الصهيوني. على الجميع اليقظة والحذر ودعم وحدة وسلامة سوريا.

  10. يقول مجتهد:

    باتريك سيل لم يكن كاتب موضوعي وكان على علاقة طيبة مع الأسد الأب ومن بعده الإبن وقد كتب السيرة الذاتية الأب للأسدو قد زوجه الأسد من إمرأة علوية (هدية) تقديراً لجهوده في دعم النظام الأسدي البائد.

اشترك في قائمتنا البريدية