الطوفان للقاص العراقي محمد عبد حسن: عندما يتمني الناس الموت..
فيصل عبد الحسن الطوفان للقاص العراقي محمد عبد حسن: عندما يتمني الناس الموت..وصلتني من الصديق القاص البصري محمد عبد حسن مجموعة قصصية عنوانها الطوفان عن منشورات دار أزمنة، والقاص مهندس يعمل في ليبيا وبالتحديد في منطقة أجدابيا، البصرة مسقط رأس القاص كانت وما زالت موئل الكثير من المواهب الأدبية التي أثرت الأدب العراقي والعربي بنماذج قصصية راقية أضافت لهذا الفن الكثير، نتذكر منهم محمود عبد الوهاب ومهدي عيسي الصقر ومحمد خضير وكاظم الأحمدي ويعرب السعيدي وسلمان كاصد ورياض الأسدي وكاظم الحجاج وعبد الحسين الغراوي ووراد بدر السالم وجمال حسين علي ولؤي حمزة عباس وضياء الجبيلي وغيرهم كثير، والمدينة كما هي فيما يبدو تلد الأجيال تلو الأجيال من الكتاب وكل منهم يكمل مسيرة من سبقه بالرغم مما حدث لهذه المدينة الباسلة من صنوف العذاب في عهودها المختلفة، فهي ارض احتضن ثراها الأحرار، وعاش بين جنباتها كل من حفظ أسئلة الكون الفلسفية، لماذا وكيف ومتي وأين؟فكانت المدينة دائما في صفوف المعارضة، وهي لذلك مكروهة من الحكومات المتعاقبة التي حكمت بغداد لا يفكر مسؤول بتطوير حياة أهلها أو تقديم الخدمات لهم ويكتفي بتقديم الكفاف لأهلها بل وحتي هذا الكفاف البائس المذل تردي في العقدين الأخيرين فصار الكفاف السابق نعمة حنت له المدينة وأهلها وعطشت المدينة وهي التي فيها شط العرب وملتقي دجلة والفرات وجاعت وهي الميناء الوحيد للعراق وثلثا نفط العراق المباع ينبع من تحت أرضها وتردت حياة الناس فصار أهلها في بعض الأوقات يتمنون لو أنهم لم يولدوا ولم يكونوا شيئا مذكورا، وفي خضم الكوارث التي واجهتها المدينة غادر معظم أبنائها ترابها يجولون في أصقاع المعمورة باحثين عن ملجأ يعصمهم مما أصابهم وأصاب بلدهم ومدينتهم من بلاء ونوازل، فحمل كل منهم تاريخ مدينته وبلده معه أينما حل. لقد كتب قاصنا محمد عبد حسن في مجموعته الطوفان تاريخ مدينة البصرة في سبعة عشر نصا قصصيا، وبالرغم من سيادة التاريخي في نصوصه الا أن التقنية القصصية المستخدمة وعين الكاميرا التي يلتقط بها أمكنته وحرصه علي استخدام المنلوج والدايلوج لتعميق رؤاه مكناه من تقديم نص قصصي لا يسقط في المباشرة التاريخية بل يصير التاريخ مؤثثا للمشهد القصصي وعمقا له، وهذا ما نجده في نصوص كموت ابيض، الحرب، الطوفان، مملكة بعيدة، وحتي القصص التي تميزت بكونها تقترب من الذات لتفصح عن معاناة حادة امتزجت برموز تاريخية ومرموزات أسطورية وعقائدية دينية : في نص القصر نقرأ وصفا يحيلنا الي القلاع القرووسطية، في ص 11:ـ هذا هو القصر. تريد ان تراه؟ أعرف ذلك. أعرفه. كثيرون قبلك جاؤوا ليروه. قدتهم الي غرفه، ممراته. حتي القبو سأجعلك تراه، سنبدأ به أولا. وفي موت أزرق يتزايد عدد الجثث في المجموعة القصصية كلما توغلنا الي داخلها : ميتات غرائبية وفجائع يصعب وصفها يصف القاص كيف يتم حمل جثة من الجثث الكثيرة المبثوثة في المتن القصصي: ص 17 عربة تقترب. أيد أربع أخفت جميع العلب في جيوب بدلاتها الزرق المتسخة ـ العلب هنا كما يشير القاص في مفتتح نصه علب سجائر مفتوحة ـ حملت الجثة من الكتفين والقدمين ملقية بها الي جوف العربة المسود. .المختنق ببقايا قاذورات جعلت روائحها المقززة وجه الجثة يتحرك مبتسما باتجاه السماء. ويصف القاص في نصه البئر المقبرة بقوله ص 24 : يسحرني الهدوء هناك. كنت احتفظ بالكتاب بكيس ورقي تحت إبطي ، أتجول بين القبور. أوراقه صفر متهرئة. أقرأ الشواهد. تثير الفضول. أتأمل رحلة عمر: هنا يرقد. ..لذلك أخفيه بكيس ورقي سميك. أجثم عند شاهدة أخري. اداري سره. يا قارئا كتابي. وسري معه. الفاتحة. أقرأها وأنهض. هذا القبر بدون شاهدة: مجرد صفين من طابوق متآكل منخور. مخسوف. ونلاحظ هنا أن الوصف لا ينتهي بالطابوق المنخور بل يضيف الي ذلك أن القبر برمته مخسوف لزيادة اشاعة مفهوم التلاشي الأبدي علي موتاه وقبورهم. ونجد القاص في بعض نصوصه القصيرة يسبر أغوار شخصياته الميتة، وهنا كما لو أن القاص تخصص بالناس الذين يتمنون الموت، فهو في كل قصة يجعلنا ازاء كم من الجثث ولن أبالغ اذا قلت أن كل قصة تبدأ بجثة وتنتهي بجثة أو أنها تدور حول ثيمة الموت من البدء حتي الكلمة الأخيرة، وهنا أستدرك حول هذا الموت المعنوي لهذه الشخصيات فهي بالرغم من أنها تبدو لنا حية من خلال حركتها الا أنها في حقيقة الأمر ميتة لا روح فيها ولا دفء ولا رأي لها بما يحدث لها، فما معني أن يرسل أحدهم الزوج لأداء واجب الحراسة والزوج علي يقي من أن من يبعثه لأداء الواجب سيخونه مع زوجته لنقرأ: ص 35 ـ في الساعة الثانية. ومضي مبتعدا مد يده وأسكت منبه الساعة. قبل أن يبتعد أضيئت غرفة نومه. رأي زوجته، كما رآها أمس الأول، تنضو عنها ثوبها، استبدلته بآخر أكثر عريا. سرحت شعرها. طلت شفتيها. فتحت زجاجة عطر، دلقت قليلا منه في كفها، مسحت رقبتها.. ابطيها. وبقيت تنتظر. تنهد بحسرة وابتلعه الظلام.هنا الذي تحسر هو الزوج الذاهب لأداء الواجب ليحل محله في فراش الزوجية من بعثه لأداء الواجب فهل هناك موت أكثر من موت هذا الزوج المتحسر؟ان القاص محمد عبد حسن بالرغم من أن المجموعة القصصية هي أولي مجموعاته المنشورة الا أن القارئ يشعر أنه أمام قاص فنان استطاع أن يتجاوز عثرات الكتاب الأول وقد قال عن ذلك ارنست همنغواي في نصيحته للكتاب الجدد مزقوا كتابكم الأول، وأوصي الكاتب الايطالي المعروف ايتالو كالفينو الكتاب الجدد بقوله اكتبوا ما عشتموه وامسحوا من ذاكرتكم كل ما قرأتموه عن الكتاب الآخرين، اكتبوه بكلمات بسيطة وتواضع، ولن ننسي أيضا ما أشار اليه غوستاف فلوبير حين قاضته الكنيسة عام 1857لأنه يشيع الفاحشة بين الناس بروايته مدام بوفاري فقال لهم ان مدام بوفاري أنا، والكاتب الحقيقي لا يكتب الا نسيجا من نفسه يضعه علي الورق ليكون كاتبا قريبا من الناس. ان القاص محمد عبد حسن في مجموعته الطوفان استطاع أن يقدم مدينة البصرة في فجيعتها واضطراب أحوالها واستطاع أن ينقل لنا أفراحها الصغيرة ومباهجها السرية عبر سرد موفق ولغة قصصية مؤدية اتسمت بتقنيات قصصية حديثة أغنت مضامين نصوصه وجعلت قارئه يتأمل تجربته بالكثير من الدهشة والاعجاب. الطوفان وقصص أخري (الأردن) دار أزمنة / 2005 عدد الصفحات 82 قطع متوسط.كاتب عراقي يقيم في المغرب0