المشهد السياسي والاجتماعي في لبنان زاخر دائماً بالأحداث والمفاجآت والمفارقات. ما حدث في الأسبوع الماضي فصل غير مسبوق، وغير مألوف من فصوله المتناسلة بلا نهاية. قاضي التحقيق في كارثة تفجير مرفأ بيروت طارق البيطار فاجأ اللبنانيين عشيةَ مرور 11 شهراً على كارثة 4 آب/أغسطس 2020 باتخاذ سلسلة قرارات جريئة وغير عادية، لملاحقة نواب ووزراء سابقين، وقادة أمنيين وعسكريين، ومديرين عامين وقضاة، ويهيئ أيضاً لملاحقة رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب.
بعضٌ من المسؤولين الملاحَقين سيستمع إليهم القاضي البيطار كشهود.. بعضهم الآخر سيحقق معهم كمدعى عليهم، بعدما تثبّت من تلقيهم مستندات بشأن تخزين نيترات الأمونيوم القابلة للتفجير في أحد عنابر مرفأ بيروت. التهم تتراوح في مضمونها بين جناية الإهمال مع القصد الاحتمالي، وجنحة الإهمال والتقصير في المتابعة والاستعلام.
اللبنانيون جميعاً، ولاسيما ذوي شهداء الكارثة الـ200 والجرحى الـ 3000، طاروا فرحاً لقرارات القاضي الجريء، استبشروا بأن مفترقاً مفصلياً قد حدث في المسار القضائي الطويل والمتعثّر، فهل ينتهي هذا الفصل غير المألوف من الملاحقات القضائية إلى محاكمات عادلة لم يشهد لها لبنان مثيلاً في تاريخه المعاصر؟ من السابق لأوانه إعطاء جواب قاطع، ذلك أن إجراءات كثيرة شديدة التعقيد والحساسية يقتضي استكمالها قبل بدء المحاكمات، أهمها:
رفع الحصانة عن ثلاثة نواب من المسؤولين الملاحَقين.
هل ستتكشف معلومات ومعطيات إضافية حول دورٍ فاعل لـ”إسرائيل” في تفجير العنبر المليء بنترات الأمونيوم؟
الاستحصال على إذونات من نقابتيّ المحامين في بيروت وطرابلس، للتحقيق مع الملاحَقين ممَّن يعملون محامين.
الاستحصال على إذونات من الوزراء والمراجع الأمنية والإدارية المختصة للتحقيق مع كبار الموظفين الملاحَقين.
إلى ذلك، ثمة مفاجآت غير منظورة قد تحدث للقائمين بالتحقيق وعلى رأسهم قاضي التحقيق نفسه. فقد ثبت للصحافي المعروف سركيس نعوم أن قاضي التحقيق الأسبق فادي صوان، الذي طلب التنحي عن المهمة ذاتها، قبل أشهر، فعل ذلك بعد ارتعابه وعائلته من مرأى هرٍّ مذبوح على باب منزله، ترى هل يلجأ المرتكبون والمتضررون من التحقيق القضائي إلى تنظيم عملية إرهابية ضد القاضي البيطار لإكراهه على التنحي أيضاً؟ ثم، ماذا يمكن أن يكشفه التحقيق لاحقاً من معطيات إضافية خطيرة قد تمسّ مسؤولين وقادة سياسيين كباراً؟ وهل تتكشف معلومات ومعطيات إضافية حول دورٍ فاعل لـ”إسرائيل” في تفجير العنبر المليء بنترات الأمونيوم، وفي كِلا الحالين: هل يسمح المتضررون من التحقيق والمحاكمات للمسار القضائي أن يتواصل بصورة طبيعية؟ حتى لو تواصلت التحقيقات بصورة طبيعية وأدت إلى قيام القاضي البيطار بإصدار قرار ظنّي أو اتهامي بحق بعض الملاحَقين، فما هي الانعكاسات السلبية لذلك على المشهد السياسي والأمني اللبناني عشيةَ استحقاقين بالغيّ الأهمية: الانتخابات النيابية في شهر آذار/مايو، أو نيسان/إبريل من العام المقبل 2022، وانتخاب رئيس الجمهورية الجديد في شهر أيلول/سبتمبر من العام ذاته؟ هل يعقل ألاّ يتحسّب أركان المنظومة الحاكمة، والقادة السياسيون لكل الانعكاسات والتداعيات المحتمل وقوعها نتيجةَ القرار الظني والقرار الاتهامي، اللذين قد يصدران قبل الاستحقاقين سالفي الذكر، فلا يتخذون حيالها من الاحتياطات والإجراءات السياسية والميدانية ما يحفظ، في ظنهم، مصالحهم ومستقبلهم؟
في هذا السياق، سيضع كبار أركان المنظومة الحاكمة والقادة السياسيون أيضاً في الحسبان ما يجري في الإقليم من تطورات قد تترك مفاعيل مؤثّرة في موازين القوى المحلية والإقليمية وتطرح تالياً أسئلةً ذات دلالة:
هل ستتوصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق نووي جديد؟ أَم إلى إحياء الاتفاق النووي القديم؟ وماذا ستكون انعكاسات كلٍّ منهما على أوضاع اللاعبين وقدراتهم وأدوارهم في إيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين المحتلة؟
هل تنشأ تحالفات سياسية جديدة في الساحة اللبنانية قبل صدور القرار الظني والقرار الاتهامي أو عقب صدورهما؟
هل تنشأ تطورات سياسية وأمنية نتيجةَ الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران، يكون من شأنها حمل “إسرائيل” على تصعيد اعتداءاتها على سوريا والعراق وحتى على إيران، ما يدفع أطراف محور المقاومة إلى تصعيد التعاون والتنسيق في ما بينها وصولاً، ربما، إلى مواجهة “إسرائيل” ميدانياً مجتمعين؟
هل تدفع هذه التطورات حزب الله والجيش اللبناني إلى إقامة تحالف سياسي وعسكري بينهما لحماية أمن لبنان واستقراره؟
هل تحمل التداعيات الداخلية والتطورات الإقليمية مختلف الأطراف السياسية اللبنانية الفاعلة على محاولة احتوائها، بتمديد ولاية مجلس النواب، وبتشكيل حكومة ائتلافية لمواجهة تحديات المرحلة، ولإدارة الدولة ورعاية استقرار البلاد بعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ولغاية انتخاب خلفٍ له؟
المشهد في لبنان مرشح لمزيد من الفصول المتناسلة، التي لا نهاية لها.. فهل هذا قدر الوطن الجميل والدائم الاضطراب في آن؟ كلا بالتأكيد شريطة أن يتمكّن اللبنانيون في مستقبل منظور من التعبير عن إرادتهم بحرية، واختيار قادتهم وفق قانون للانتخاب يؤمّن صحة التمثيل الشعبي وعدالته ويكون أميناً في تطبيق أحكام الدستور ولا سيما المادة 22 منه. هذا هو شرط قبول التحدي ومواجهته للخروج من الأزمة المزمنة.
*كاتب لبناني