المشي والكلام

حجم الخط
0

المشي والكلام

أمجد ناصرالمشي والكلاملا يجتمع، عندي، المشي والكلام. المشي مشي والكلام كلام. اظن ان اوامرهما تصدر من منطقتين مختلفتين في الدماغ. تعلمت المشي باكرا، ومذ ذاك وأنا أمشي. حتي وأنا جالس في مقهي يعج بالحركة والكلام وروائح البن والشاي والدخان أمشي. ولكن في داخلي. في دورتي الدموية. في ذاكرتي. في احلام يقظة جعلتني اصل الي اي مكان اريد واحصل علي كل ما ارغب واكون ما اتمني ان اكون. الجالسون وحيدون، مثلي، يمشون هم،ايضا، في مضاميرهم. قد تتقاطع طرقنا ولكن من دون ان نعلم. اول مشيي كان مع جدتي (ثنية الدخيل)، وتلك التي بطول متر ونصف ، الموشومة الذقن، التي تجلس بين اكابر الرجال وافصحهم فتبزهم حكمة وبعد نظر، مشاءة كبيرة. تصلي الفجر وتمشي. احيانا تتأخر، وذلك من حسن حظي. الشيء الوحيد الذي كان يجعلني اصحو قبل رائحة شاي الصباح المدوخة هو المشي معها. فليذهب الشاي الي الجحيم ما دمت سأحظي بالمشي مع راوية السير، مخترعة الحكايات، ضاربة الامثال السديدة كسهام دقيقة التصويب.في (جناعة)، الحي العشوائي في مدينة اردنية عشوائية تدعي (الزرقاء) ينام اهلها بعد صلاة العشاء مباشرة، كان الاسمنت الذي تثوي بين جدرانه وتحت سقوفه ارواح الأهلين الشقية يخنقها، فتحن الي البر. كان البر، لحسن الحظ، ما يزال موجودا علي بعد كيلو متر واحد، فتسعي اليه وهي تعقد يديها القصيرتين وراء ظهرها وتصعد الهضبة الصغيرة في اتجاه سكة حديد الحجاز. وبسبب تعلقي الشديد بها فقد كنت امشي معها، وهي لم تكن تمانع. وعلي طول الطريق كانت تتوقف امام اعشاب ونباتات فقيرة، متناثرة، وتقطف منها أوراقا او عذوقا وتفركها ثم تشمها، تحتفظ ببعضها في يدها وترمي بعضها الآخر. كنت اقدَّر، وانا امشي جنبها، بقامة تناهزها ثم بقامة راحت، سريعا، تتجاوزها، انها كانت تحتفظ بالاعشاب ذات الروائح العطرية والعلاجية، مثل القيصوم، او الشيح، او البابونج، او رجل الحمامة.من يدها انتقل هذا الطقس المنحني، بقداسة، علي هبات طبيعة فقيرة الي يدي. لم يكن المشي وقتا صالحا للكلام معها، فللكلام مكانه وزمانه الخاصان. انه في الجلوس علي البرندة عصرا، بعد ميلان الشمس الشرسة الي الغروب، او في مستهل الليل. المشي صباحا هو للصمت، او الترنم بالقصيد، احيانا بـ (الهجيني). لم تكن تعلم جدتي شيئا عن (المشائين) و(المدرسة المشائية) ولكنها كانت، في الأقل، تفعل مثلهم: تمشي وتفكر. لم اعرف قط بماذا كانت تفكر. فهي لا تقرأ ولا تكتب، ولا تنتج اعمالا ذهنية. ولكنها بالتأكيد كانت تفكر. لعلها كانت تبلور افكارا وتأملات وحكايات سأسمع بعضها، فيؤجج مخيلتي ويغرس في أثلام روحي بذار احلام اليقظة المجنحة، او لعلها كانت تتأمل، في خريفها الطويل، مصائر راحلين كثيرين مشت معهم، هي ايضا، فراسخ واميالا من حياة لا يبقي منها إلا العمل الصالح . تعلمت المشي. هذا المشي بالذات. من (ثنية الدخيل) البدوية التي لم ترتفع عن الارض اكثر من متر ونصف ولكنها كانت تتحلي بخيال علي هيئة نسر كاسر ينشر جناحيه الخافقين فوق ضيق المكان الذي انتهي اليه ابنها وعائلته في محجر اسمنتي مكلل بالغبار. اصبح للمشي معني التفكير والصمت والغناء (لنفسي)، ولم يعد (قسدرة) للثرثرة مع الاصحاب، ولا مجرد وظيفة ميكانيكية تؤديها القدمان لحمل عبء جسد تورط في الحياة رغم أنفه.ـ ـ ـنعرف (الكوجيتو) الديكارتي الشهير: أنا افكر إذن أنا موجود. الوجود هنا متحقق بوعي ذاته ووعي منزلته في العالم. إنه وجود لا يبرهن عليه التفكير فقط بل يجعله مميزا عن سواه. التفكير، هنا، هو اصل الكائن في العالم وهو علامته المسجلة، وبما ان المشي (كما هو عند الفلاسفة المشائين) مرتبط بالتفكير، فليس كثيرا ان نقول: نحن نمشي إذن نحن موجودون. مذ شعرت أن لي (عالمي) الداخلي الخاص. لي اسراري. لي تلك الصور والكلمات والترانيم التي تدوّم، علي نحو غامض، في رأسي، صرت امشي وحدي. فقد صار المشي قابلة تلك الهمهمات والانثيالات الداخلية. علي يديه تولد وتتجسد، وهو وحده القادر علي ايجاد حل لاستعصاء الصور والمعاني. لذلك يربكني الذين يتكلمون وهم يمشون. خصوصا الذين يتكلمون بالهاتف المحمول (الموبايل، الجوال، المتنقل، الخليوي، اسماء مختلفة لآلة شيطانية واحدة) وهم يغذون الخطي الي مكاتبهم المكفهرة، الي مواعيد عمل مضجرة، الي مدارس كئيبة، الي لقاءات منذورة لفرح مأمول. لا افهم كل هذا الشغف بالكلام اثناء المشي، خصوصا، بتلك الآلة ـ الحجاب التي تسمي الهاتف النقال. لغط هائل يدوّم فوق المدن الكبري، ثرثرة لا نهائية تطفو فوق رؤوس اناس لا يزيدهم الكلام الا وحدة وضجرا وعزلة.(كلا، عيناي حزينتان)، هذا ما قالته سيدة ذات جمال مؤلم وروح مرفرفة، في هاتفها المحمول، وهي تغذ الخطي بوقع غزالة شاردة الي محطة قطار الانفاق، ثم قبل أن تتواري سمعتها تقول: (هل تظنني سعيدة؟). ففكرت في الشخص الأبله، او الوحيد، الذي يغازل بتحفظ انكليزي بارد، علي ما يبدو، امرأة كفرس عربية مطهمة، ثم فكرت ان الحزن والوحدة والكآبة يمكن ان تتجرأ، بوقاحة منقطعة النظير، علي الجمال فتنهشه بمخالبها القذرة، وان هذا الهاتف الصغير قد يصلح لنجوي عابرة ولكنه لا ينقل حرارة الانفاس ولا انقباضات الأعماق ولا لغة العينين وتقلبات ألوانهما.أعزو فشلي في اقناع الذين يتكلمون وهم يمشون الي خلل بين طرفي المعادلة. هناك خلل فعلا. ثمة شخص يتكلم وهو يمشي وشخص يصغي وهو جالس. الفجوة موجودة ولا سبيل الي ردمها. لا يكفي ان يقول لك الطرف الآخر: نعم .. صحيح .. بالتأكيد .. أنا معك، كي تردم الفجوة التي تفصلك عنه، او كي يصل السهم الي هدفه.هذا يحصل، ايضا، عندما تكلم شخصا، وجها لوجه، وتنصرف عيناه الي تفقد أثاث المكان، او يتطلع، فجأة، الي قمصيك او حذائك فتتابعه، وأنت تتكلم بارتباك، بنظراتك لتعيد الاتصال مرة ثانية بعينيه. لتلقط خيط السمع والفهم الذي انقطع فجأة!ليست الأذن التي تسمع فقط، إنها العين ايضا، فأن تكلم شخصا ولا تري عينيه يعني انك فقدت الاتصال به. خرج عن المدار الذي تتحرك فيه. ألهذا يحرك الضريرون رؤوسهم، ويشخصون بعيونهم المطفأة في غير اتجاه، وهم يتحدثون او يصغون؟ ألا يبدو ذلك كأنهم يبحثون في سديم محاجرهم عن ذلك الشعاع الذي يصدر من العين التي تصغي او تتكلم؟ أرتبك عندما يهاتفني شخص وهو يمشي. أتصور أن الآخرين مثلي لا يركزون في الكلام وهم يمشون. كأن ما يقولونه مجرد ملء فراغ، او محاولة عبثية لتبديد وحشة مقيمة. ينتابي احساس مضحك ان الكلام يطير اثناء المشي. لا يرسخ. يطيش ولا يصل الي هدفه. أن تتكلم مع شخص يمشي، بالنسبة لي، هو جهد ضائع، فهناك حواس اخري تعمل بقوة وتستولي علي منطقة التركيز في الدماغ. هناك الحركة، البصر، الشم، التوازن. ولطالما اعدت الجملة مرتين او ثلاث مرات كي اتيقن انني اوصلت ما اريد. كمن يحاول، باستماتة، رمي سهم في قلب الهدف، لا بالقرب منه او علي حوافه. لذلك اعيد، فأضجر من نفسي، واخشي ان يُضجر التكرار الطرف الآخر، او يشعره باستهانتي بقدرته علي الفهم.قد يقول: لماذا تعيد؟او: لماذا تصرخ؟هل انا اصم؟عندها يتأكد لي، علي نحو محزن، أن سهمي طاش. أصاب أي شيء آخر إلا هدفه.0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية