المغرب: الارتفاع المتزايد لأسعار المواد الاستهلاكية يفنّد تطمينات الخطاب الحكومي

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
2

الرباط – «القدس العربي»: إذا كانت الحكومة المغربية تكرّر في أكثر من مناسبة عزمها على محاربة «المُضاربين» في أثمان المواد الاستهلاكية الأساسية التي تشهد ارتفاعا متزايدا، فإن مُراقبين يرون أن هذه التصريحات تظلّ مجرد إعلان نيات، لا تترجم على أرض الواقع كإجراءات ملموسة.
وما زالت الأسعار تتصدر النقاشات داخل الأسر المغربية، مع اختلاف طفيف بين نهاية سنة وبداية أخرى، في ظل تباين واضح بين انخفاض أسعار المحروقات واستمرار الجدل حول غلاء بعض المواد الغذائية، نتيجة عوامل محلية ومناخية، بحسب تبريرات الخطاب الحكومي.
وشكّل الانخفاض الطفيف لأسعار المحروقات مفاجأة للمواطنين مع بداية النصف الثاني من كانون الثاني/يناير، عقب تراجع ملحوظ بمحطات الوقود. غير أن هذا الانخفاض لم يشفع للقطاع في تفادي انتقادات النقابات التي اعتبرت أن الأسعار كان يفترض أن تكون أقل من مستواها الحالي قياسا بالأسعار الدولية، متّهمة الشركات بالحفاظ على هوامش ربح مرتفعة.
في المقابل، لم تترجم التساقطات المطرية المهمة التي شهدها المغرب في الآونة الأخيرة إلى انخفاض في أسعار الخضار، رغم ارتباطها بخيرات الأرض وعطاء السماء. واتسعت دائرة الجدل حول هذه المفارقة التي وصفها البعض بـ «الغريبة»، بينما رأى آخرون أن الأمطار تؤدي بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار الخضر مثل الطماطم والبصل وغيرهما. ويربط التبرير المهني هذا الغلاء بصعوبة عمليات الجني خلال فترات المطر، إضافة إلى دور «الشناقة» (تعبير قدحي للوسطاء) الذين يستغلون هذه الظروف لرفع الأثمان قبل وصولها إلى المستهلك النهائي.
وقرر سعر الدجاج العودة إلى الأرض بعدما حلّق عاليا في سماء الغلاء، ما أعاد الدفء إلى علاقته بالمستهلك وبموائد الأسر المغربية التي لا تخلو منه في كل الأحوال، في حين حافظت اللحوم والأسماك على مستويات مرتفعة للأسعار مقارنة بالقدرة الشرائية للمغاربة.

نشطاء ينتقدون استنزاف مورّدين ومنتجين ووسطاء للقدرة الشرائية

ويرى طارق البختي، رئيس «المنتدى المغربي للمستهلك»، في حديثه لـ «القدس العربي»، أن «المتتبع للشأن العام وتقلبات السوق يلاحظ أن المستهلك المغربي ما زال يعاني بشكل يومي من ارتفاع الأسعار نتيجة الزيادات التي طالت العديد من المواد الاستهلاكية والبضائع».
وأرجع هذه الوضعية «بالأساس إلى احتكار بعض المنتجين أو الموردين، إضافة إلى المُضاربة التي لا تزال ترخي بظلالها رغم الإجراءات الحكومية المتخذة»، مشيرا إلى أن «المضاربة باتت تتركز في بعض المواد ذات الأولوية التي تعرف طلبا مرتفعا من قبل المستهلكين».
وتعليقًا على ما يردده مراقبون كون الأسعار إذا ارتفعت لا تعود إلى الانخفاض، أكد البختي أن «الملاحظين والمواطنين يرون أن الأسعار في منحى تصاعدي مستمر، وأنه رغم استقرار أو تراجع أثمان بعض المواد الأولية، فإن الأسعار النهائية تظل مستقرة في مستوياتها دون تخفيض، باستثناء بعض الفواكه والخضروات التي تتأرجح أسعارها تبعا للإنتاج وتكاليف النقل والمضاربة وارتباطها بأسعار المحروقات. هذه الأخيرة ترتفع بشكل كبير وتنخفض بشكل محدود، قبل أن تعود أسعار السلع والبضائع إلى الارتفاع مجددا بوتيرة أقوى، وهو ما لا يعكس حماية حقيقية للمستهلك بقدر ما يواصل استنزاف قدرته الشرائية، في حين أن انخفاض الأسعار بشكل متوازن ومستمر مع السوق يعد مؤشرا على الحرص على حماية المستهلك».
وكانت المندوبية السامية للتخطيط، (مؤسسة رسمية للمسوح والإحصائيات الاقتصادية والاجتماعية)، قد أفادت في أحدث بياناتها لشهر كانون الثاني/يناير الجاري بأن التضخم يواصل منحاه التنازلي للفصل الثالث على التوالي، غير أن الأسر المغربية لا تزال تشعر بضغط الغلاء في معيشتها اليومية. في المقابل، تتوقع تقارير دولية، من بينها تقرير صادر حديثا عن «ستاندرد تشارترد»، أن يبلغ النمو الاقتصادي في المغرب 4.5 في المئة خلال العام الجاري، مع استقرار تدريجي في الأسعار بفعل تحسن الموارد المائية.
أما الحكومة، فقد أكدت أنها لم تقف مكتوفة الأيدي أمام «الوحوش» التي تستغل السوق لتحقيق مكاسب «غير مشروعة»، ولم تترك المغاربة لقمة سائغة بين أيديهم، بل تبذل مجهودا كبيرا، وفق تصريح وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، تحت قبة البرلمان الذي شدد على أن «قانون حماية المستهلك الحالي يحتاج إلى تحيين، وأن الترسانة القانونية المتوفرة ليست محتشمة، لكنها تحتاج إلى التطوير».
وفيما يتعلق بقانون حماية المستهلك، تتجه الوزارة إلى تعزيز صلاحيات جمعيات حماية المستهلك، من خلال تمكينها من أدوار أكبر في التقاضي والدفاع عن المصالح الجماعية، وتسهيل حصولها على «صفة المنفعة العامة».
وفي هذا السياق، قال طارق البختي إن «التمييز ضروري بين شرط المنفعة العامة وقانون حماية المستهلك الذي يتضمن هذا الشرط»، موضحا أن «القانون الحالي، وبعد سنوات من التطبيق، أظهر قصورا في عدة جوانب تتعلق بحماية المستهلك، خاصة فيما يخص الجانب الزجري المرتبط بالمتابعات وزجر الأفعال التي تمس بحقوقه، في حين يشكل شرط المنفعة العامة عائقا أمام عدد من جمعيات حماية المستهلك، ما قيد حركيتها وحدّ من مساهمتها».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول شهيد آسفي:

    لنكن صادقين لقد عم الفساد في وطننا وغاب الظمير وانحلت الأخلاق وماتت القيم وقل الإيمان فطبيعي سيكون الغلاء الذي هو طرف من الفساد اما المبررات والاسباب ما هي الا أكاذيب في غالبيتها والهروب من الحقيقة ارضاء لأصحاب المصالح..إلى متى سنبقى على هذا الحال وفي غياب دور المؤسسات المعنية وغياب الواقعية ؟

    1. يقول ملاحظ...:

      شهيد آسفي،
      أخبرني من اي جهة انت من آسفي فانا اعرفع آسفي زنقة زنقة،
      تكلمت عن انحلال الأخلاق وقمت بربط ذلك بارتفاع الاسعار وطلبت من مؤسسات ان تقوم بعملها،
      بمعنى ان نظرية العرض والطلب لاغية وترتفع الاسعار وتخفض حسب بارومتر الأخلاق.
      لو كان رخص او غلاء الأسعار له علاقة بالأخلاق لكانت الاسعار في اليابان الارخص في العالم لما يشهد لليابانيين من حسن أخلاقهم ،
      بحسب ما اقترحته، يجب أحداث مؤسسات تراقب الأخلاق حتى تنخفض الاسعار،
      اليس كذلك،
      من له القدرة والحق بالحكم على اخلاق الناس ان كانت جيدة او قبيحة !
      ما هو المرجع في الخلق ؟
      هل الاسلام هو المرجع ،ام المجتمع ،ام القانون ،ام العرف !
      حبدا لو شرحت الفكرة بشكل اكبر

اشترك في قائمتنا البريدية