بحرٌ من الأوهام في لبنان إزاء اتفاق واشنطن وطهران

إنه لاتفاقٌ عجيب، ذلك الذي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الإثنين أن الجهتين الأمريكية والإيرانية أبرمتاه! قلّما شهد التاريخ اتفاقاً أثار احتجاجات لدى كافة فرقائه. والحال أن أصواتا ارتفعت داخل الولايات المتحدة، بل وداخل حزب الجمهوريين بالذات بما في ذلك القاعدة الموالية لترامب، تتهمه بالتراجع عن الأهداف التي رسمها لعدوانه، بينما ارتفعت أصواتٌ داخل إيران تندّد برئيس مجلس الشورى (البرلمان) محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، وتتهمهما بالخيانة، إلى حدّ تنظيم تظاهرات احتجاجية ضدهما. أخيراً وليس آخراً، انهال اللوم داخل الدولة الصهيونية على رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو من طرفي نقيض مفترَض، هما شركاء نتنياهو أشباه النازيين في حكومته النيوفاشية، من جهة، والمعارضة التي لم يعد أحدٌ يتوهّم أنها «معتدلة» ومحبّذة للسلام، من الجهة الأخرى، يلومونه جميعاً لكون إسرائيل هي الخاسر الأكبر في هذه الحرب على حدّ ظنّهم.

«حزب الله» يشترط خروج المحتل كي يتخلّى عن سلاحه، والمحتل يتحجج باستمرار تسلّح الحزب كي يطيل ويعمّق احتلاله

سوف تتبيّن قريباً حقيقة النقاط التي تتضمّنها مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران. أما الآن فإزاء الانتقادات التي يواجهها، يحاول كل طرف أن يصوّر نفسه في ثوب الظافر. وفيما يخص لبنان، ما هو أكيد هو أن الاتفاق قد نصّ على وقف إطلاق النار. فلنتمعّن في هذا الأمر: وقف إطلاق النار، لا غير، أي تجميد الجبهة عند الخطوط التي بلغها جيش الاحتلال الصهيوني في عمق الشطر الجنوبي من لبنان، بلا كلمة واحدة عن انسحابه. بكلام آخر، تصبح كل عملية مقاومة للاحتلال في ضوء هذا الاتفاق خرقاً له، تبرّر للمحتلّ الاسترسال في تمدّده. وبالطبع، فهو اتفاقٌ مريح للدولة الصهيونية التي احتلت من الأراضي اللبنانية أكثر مما كان يمكن أن تتوقعه عند بداية العدوان الثنائي على إيران، والتي سوف تستفيد من الاتفاق-الهدنة كي تعزّز مواقعها في منظور استيلاء طويل الأمد، بل مستديم على غرار ما جرى في الأراضي المحتلة خلال نكبة 1948 وهضبة الجولان في عام 1967 وقطاع غزة إثر السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 (أنظر «طبيعة الاحتلال الراهن في غزة ولبنان»، القدس العربي، 9/06/2026).
إزاء هذ الواقع المرّ، تثير بعض ردود الفعل في لبنان الشفقة وبعضها الآخر الازدراء. إن ردود الفعل التي تثير الشفقة هي بالدرجة الأولى تلك التي أبداها أهل المناطق المنكوبة في الجنوب، من فرح واغتباط وشكر لإيران وكأن باب العودة إلى ديارهم بات مفتوحاً أمامهم. والحقيقة أن المسؤولين عن ظهور هذه المشاعر التي لن تلبث أن تتحوّل إلى إحباط، همّ الجهات التي هي في موقع المسؤولية والتي رحّبت بالاتفاق الأمريكي-الإيراني وكأنه نصرٌ مبين. فلنبدأ برئيس الجمهورية اللبنانية الذي أسرع إلى شكر واشنطن على رعايتها لمصلحة الدولة اللبنانية. ويحتار المراقب إزاءه إن كان يأمل حقاً بأن تعيد له إدارة ترامب السيادة على كامل التراب والمياه اللبنانية، بما في ذلك إخراج المحتلّ ونزع سلاح «حزب الله»، أم أنه يتظاهر بالأمر سعياً وراء إضفاء شرعية وطنية على رئاسته في أعين قسم من اللبنانيين. أما الطرف المسؤول الثاني الذي هلّل للاتفاق بين واشنطن وطهران، إنما هو «حزب الله» ذاته الذي طالما وعد الشعب اللبناني عموماً، وأهل المناطق المنكوبة خصوصاً، بأن الاتكال على «الجمهورية الإسلامية الإيرانية» كفيلٌ بتحقيق النصر واسترجاع كافة الأراضي المسلوبة.
بيد أن طهران لم تحدّد انسحاب القوات الصهيونية من لبنان هدفاً لمسعاها، وهذا لسبب بديهي: فإن أي اشتراط لهذا الانسحاب يقابله تلقائياً اشتراط نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما وافق عليه الحزب نفسه وليس مرّة واحدة، بل مرّتين، في عام 2006 وفي عام 2024. وهكذا نعود إلى الحلقة المفرغة التي سادت منذ بداية الاجتياح الصهيوني المجدّد لجنوب لبنان: «حزب الله» يشترط خروج المحتل كي يتخلّى عن سلاحه، والمحتل يتحجج باستمرار تسلّح الحزب كي يطيل ويعمّق احتلاله. والحال أن المحتلّ لا نية له في الانسحاب، بل يسعى وراء ضمّ الأراضي التي استولى عليها في غزة ولبنان وسوريا بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بل مع توسيع رقعتها، ضمّها إلى الدولة الصهيونية بما يحقق مطامعها التوسّعية الولادية.
ولتبيان حقيقة الأمر، يكفي أن نلتفت إلى ما قاله نتنياهو يوم الإثنين، وقد هلّل هو أيضاً لما رأى فيه نصراً تاريخياً على إيران (كاد يكون إجماع الأعداء على الابتهاج بالنصر مضحكاً، لولا مأساوية الأوضاع في غزة ولبنان على الأخص)، نافياً أي احتمال لانسحاب قواته من لبنان، بل مؤكداً ما يلي: «لقد أقمنا مناطق أمنية في العمق في محيط دولة إسرائيل. فعلنا ذلك في غزة ولبنان وسوريا. وأودّ أن يكون الأمر واضحاً: سوف نبقى في هذه المناطق الأمنية لحماية بلدنا».

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محمد:

    برأيك إيران لا تعرف أن وقف إطلاق النار، لا غير، أي تجميد الجبهة عند الخطوط التي بلغها جيش الاحتلال الصهيوني في عمق الشطر الجنوبي من لبنان؟ هل إيران ساذجة لهذا الحد يا استاذ

  2. يقول عمر علي:

    مع الاسف الشديد فان المقاومات العربية ضعيفة والدول العربية وخاصة في الخليج ولبنان وسوريا والعراق والأردن بحاجة إلى الدعم الامريكي العسكري والسياسي وبالرغم من التوتر الحالي بين الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل إلا ان واشنطن لم ولن تفرض على اسراءيل عقوبات من اجل السلام العادل في الشرق الأوسط.

  3. يقول بلال:

    سيد جلبير الأشقر كيف تقول هنا إن إيران لم تحدّد قط انسحاب القوات الصهيونية من لبنان هدفا لمسعاها، رغم أن شرط إيران الرئيسي في إبرام الاتفاق بينها وبين أمريكا هو هذا الانسحاب الصهيوني من لبنان بالذات ؟؟ هذا ما صرح به وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بهذا الصدد:
    “محادثات الاتفاق النهائي مع واشنطن تبدأ الجمعة ووقف الحرب مع إيران يشمل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للبنان”!

  4. يقول fadi:

    الحقيقة أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أجرى اتصالاً هاتفياً بنبيه بري . وشدد الطرفان على أن أي اتفاق يتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية

  5. يقول Ayad Hadi:

    كل الشكر سيد اشقر

  6. يقول المنبه الإخباري:

    كما أكد رئيس مؤتمر ميونخ الدولي للأمن السابق، فولفغانغ إيشينغر، على إبداء الشماتة تجاه ترامب من جراء التوصل إلى اتفاق إطاري بين لأمريكا وإيران لإنهاء الحرب. وصرّح الأول بأنه حتى إذا كانت أمريكا لم تحقق من خلال الحرب أيا من “أهدافها التي كانت مرغوبة في الأساس”، فإن “أي شماتة في هذا الأمر تعد غير مفاجئة وغير مستغربة بالطلق – هدف حرمان إيران من امتلاك قدرة نووية هو هدف تشاركه ألمانيا بالطبع مع أمريكا لذلك ينبغي أن يكون هذا يوم شماتة من خلال هذه الحرب أقل مما كان مأمولا” وحتى لو كان مأمولا عكس ذلك !!.

  7. يقول مراقب صريح صريخ:

    اولا ان مسودة الاتفاق لم تتطرق الى انسحاب القوات الاسرائيليه وانما الى ،،،. و قف اطلاق،،، وعراقجي يقول ما يحلو له ، ايران تستجدي وقف اطلاق النار في لبنان. واسرائيل تحاول التملص من ضغط ترامب وتعلن صراحة لا. انسحاب ولا انسحاب ، من بجبر اسرائيل على الانسحاب ؟ ثلاث انسحابات قامت بها اسرائيل ضمن قرارات دوليه تسترط تسليم حزب الله لسلاحه ،. لم يمتثل ، هل القيادة الاسرائيليه من الغباء ان تنسحب دون ثمن ؟ وهو انهاء سلاح. حزب الله. نهائيا الذي يهدد بلدات الشمال، كلما دق الكوز بالجرة ؟ منذ قيام اسرائيل لم نعرف عنهم غباء بل يقظة وانتصارات عسكريه واستخباراتيه مذهله ، اي انسحاب سيكون مقابله انهاء سلاح حرب الله وتركيبته العسكريه ؟ والغرب يعلن ليل نهار ان من حق اسرائيل الدفاع عن نفسها ،،. الايام قادمة. وستكون حبلى بالمفاجآت لم يبق لدى ايران من اهداف استراتيجيه سوى منشآت الطاقة وتحلية المياه ، ، اذا فشل الاتفاق. ستكون بدون شك الهدف التالي. للقصف كما سبق التهديد به عدة مرات لعل ايران تتعظ ؟

    1. يقول احمد حسن-المغرب:

      مراقب حريص على تهويل قوة الكيان.

    2. يقول الصراحة راحة:

      مسودة الاتفاق لم يطلع عليها أحد

  8. يقول علي:

    مسؤول بالبيت الأبيض يكشف تفاصيل بنود مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية تشمل جبهة لبنان.

اشترك في قائمتنا البريدية