التاريخ يعيد نفسه، وصف قد ينطبق على حالة الرئيسين السابقين زين العابدين في تونس ومبارك في مصر، عندما قدم الأول في كل خطاب ألقاه قبل هربه تنازلا تلو الآخر على أمل أن يلحق بالعربة التي سبقته، وعندما تنازل الثاني في كل خطاب عن أمور كان يتشبث بها على أمل أن يلحق بذات العربة، لكنهما أدركا متأخرين أن عربة الزمان كالقدر لا تنتظر طويلا، وإذا انطلقت فهي لا ترحم وهي بالتأكيد لن تنظر إلى الوراء قط. إذا انتقلنا إلى حالة سورية وخطاب بشار الأسد الأخير نلاحظ بوضوح أن الأسد لا يرى العربة أصلا، ويعتبر نفسه خارج المعادلة بشكل كامل فهو باق ولو ضربتم رأسكم بألف جدار، وإذا وضعنا جانبا كل الملاحظات، سواء المتعلقة بمقارنته نفسه بعريس يبحث عن زوجة ولا يجدها، أو باختيار الحضور الذين يتباهون بكونهم شبيحته إلى الأبد أو بإسقاط كلمة سورية من هتاف الجمهور وإلحاق بشار بالله دونما وسيط، فهنا قد يطرح سؤال مهم جدا: من الذي منع بشار الأسد من القيام بمبادرة نقاط المرحلة الانتقالية الثلاث التي ذكرها؟ ولماذا لم يعقد مؤتمرا وطنيا للحوار؟ لماذا لم يفتح الباب لصياغة دستور يستحق هذا المسمى؟ من وضع الصعاب في وجهه ومن حال دونه ودون حكومة موسعة بينه وبين معارضته (الوطنية)؟ كل هذه البدهيات التي ذكرها في الخطاب لم تكن تحتاج لسفك دم أكثر من ستين ألف شهيد ولملاحقة مئات الألوف واعتقالهم أو إلى ملايين غير محصورة من اللاجئين والمفقودين والنازحين، وكل هذه الخطوات كان من المحتمل أن تكون قابلة للأخذ والرد يوم تربع عرش الرئاسة بالوراثة عام 2000، أو بعيد بداية الثورة في شهر نيسان 2011 على أقصى تقدير، لكن حتى في ذلك الوقت كان من المفروض أن يضاف عليها نقطة رئيسية هامة للغاية ألا وهي تفكيك النظام الأمني وتحويله من مافيا مخابراتية إلى مؤسسة دولة خاضعة للمساءلة وتابعة للإدارة السياسية وقابلة للمحاكمة من قبل القضاء. هذه النقطة التي يرفض بشار الأسد حتى هذه اللحظة أن يطرحها أصلا للنقاش، إلى جانب عدم قدرته على استيعاب ما حدث وما يحدث على الأرض في سورية، كافية لجعل إمكانية استمراره كرئيس للدولة في عداد المستحيلات، وهذا الاستنتاج ليس من منطلق سوري ثوري وحسب بل من ناحية تحليلية بحتة. ولهذا، أعتقد أن على روسيا وإيران والصين بعد هذا الخطاب أن يودعوا كل أمل في إمكانية بشار الأسد وبطانته من إخراج سورية من الأزمة الحالية، خاصة بعد حديثه عن كل شيء عدا مصيره ومستقبله هو، فمن الواضح أن الرجل يعتبر نفسه خارج دائرة النقاش أصلا. خطاب الأسد الذي يصنفه الكثيرون بأنه الأخير، يثبت مبدأ حرب النظام على شعب ثائر ويحاول تصريحا لا تورية زج البلاد في حرب أهلية، فهو يطالب المواطن العادي بمساعدته بالحفاظ على نظامه ولو عن طريق حمل السلاح معطيا إياه الضوء الأخضر ومحصنا إياه من أي عقاب متوعدا الذين يقفون ضده أو حتى الذين يختارون طريق الحياد بالرعب والإفناء. لقد قال بشار الأسد ما عنده وأدلى بما في جعبته مثبتا بشكل عملي أن كلمتي الحرية والكرامة محذوفتان من قاموسه تماما، ناهيك عن وصفه لكل ما يحصل حوله وفي بلاد المنطقة من نهضة للشعوب بوجه الديكتاتوريات بفقاعات هواء وصابون…!! فأين هي قدرته على الإدراك؟ الآن يأتي دور الحراك الثوري، فالعالم برمته والسوريون على وجه الخصوص، ينتظرون التصور الواضح للمرحلة الانتقالية، إذ لم يغدُ المطلوبُ الآن توحيدَ المعارضة والقوى الثورية وحسب بل توحيد الرؤيا السياسية للمرحلة الانتقالية وانضواء جميع القوى العسكرية تحت قيادة واحدة تلتزم بدورها بهذه الرؤيا السياسية الموحدة، وهنا يكمن التحدي الحقيقي الذي سينقل سورية من دولة الإستبداد والفساد إلى دولة الحرية والكرامة والشفافية. بشار الأسد أثبت وبجدارة لكل من بقي عنده وميض أمل بقدرته على فهم ما حدث أنه غير قادر على استيعاب الحاضر أو إدراك الماضي، ناهيك عن إدارة ما يحدث الآن، وعلينا الآن كسوريين أن نثبت لأنفسنا وللعالم أننا قادرين على استيعاب ما حدث وإدارة ما يحدث والتخطيط لما سيحدث. بشار الأسد أعلن وعلى الملأ انه ليس رئيساً لكل السوريين، وسوريا بحاجة اليوم قبل الغد إلى قيادة سياسية ذات مصداقية تؤكد للجميع أنها ممثلة لكل السوريين وليس لأتباعها فقط، والائتلاف الوطني يمتلك هذه المقومات… لكن التحدي الحقيقي يكمن بالانتقال من القول إلى العمل.طرفه بغجاتي – النمساqmnqpt