نواكشوط –«لقدس العربي»: تتحول الحدود الموريتانية المالية شيئا فشيئا، إلى بؤرة توتر متنامية تختلط فيها الحسابات الأمنية بالرهانات السياسية، بينما يتصاعد الانشغال الدولي بتدهور الوضع الأمني في منطقة الساحل التي توجد حاليا على حافة التصعيد إن لم يكن الانفجار.
وتجد موريتانيا نفسها اليوم بين اتهامات متبادلة وتحركات عسكرية متسارعة، أمام اختبار دقيق يفرض عليها حماية سيادتها دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، بالتوازي مع إعادة ضبط شبكة تحالفاتها الدفاعية في بيئة إقليمية مضطربة.
وتشهد المناطق الحدودية، خصوصاً بمحاذاة الحوض الشرقي، حالة من التوتر المتزايد على خلفية اتهامات مالية لنواكشوط بدعم «حركة تحرير أزواد»، وهي اتهامات ترفضها موريتانيا بشكل قاطع.
وفي المقابل، تتحدث مصادر موريتانية عن انتهاكات متكررة من طرف وحدات من الجيش المالي داخل الأراضي الموريتانية، في سياق عمليات ميدانية غير منسقة، ما يفاقم هشاشة الوضع الأمني ويطرح تحديات أمام قواعد السيادة.
تصعيد دموي
ولم يعد التوتر مقتصراً على التصريحات، بل تجسد في حوادث دامية؛ فقد أكد الجيش الموريتاني مؤخرا، مقتل ثلاثة منمين، بينهم مواطنان موريتانيان، داخل الأراضي المالية يوم 20 آذار/مارس، بعد أن قامت وحدة مسلحة باعتقالهم في قرية «ياكنا» قبل العثور عليهم جثثاً هامدة.
وأوضح الجيش أن الحادثة وقعت على بعد 12 كيلومتراً داخل الأراضي المالية، في وقت كانت فيه وحداته منتشرة على طول الشريط الحدودي، نافياً صحة الروايات التي تحدثت عن وقوعها داخل الأراضي الموريتانية. ودعا الجيش الموريتاني لتحري الدقة وتجنب نشر معلومات مغلوطة قد تثير البلبلة. وتأتي هذه الحادثة ضمن سلسلة وقائع أكثر دموية، حيث قُتل خلال الأسبوع الماضي ما لا يقل عن سبعة موريتانيين برصاص الجيش المالي داخل الأراضي المالية، وسط مخاوف من أن يكون العدد الفعلي أعلى، ما يعكس تصاعداً مقلقاً في وتيرة العنف.
وفي خضم هذه التطورات، أكد الرئيس محمد ولد الغزواني أن موريتانيا ستتعامل بصرامة مع أي تهديد لحدودها، مشدداً على أن القوات المسلحة منتشرة على طول الشريط الحدودي وتؤمنه بكامل الوسائل اللازمة.
وفي الوقت ذاته، شدد على رفض بلاده الانجرار إلى الاستفزازات، معتبراً أن الدخول في مواجهة عسكرية مع مالي لن يكون حلاً، بل قد يزيد الوضع تعقيداً، خاصة في ظل ما تعيشه الجارة من هشاشة أمنية وانتشار للجماعات المسلحة.
ولا تقتصر التحديات التي تواجهها موريتانيا على التهديدات العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى ضغوط الهجرة غير النظامية التي باتت تشكل عاملاً موازياً في معادلة الأمن الوطني.
وفي هذا السياق، أكد وزير الداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية محمد أحمد ولد محمد الأمين، خلال مشاركته في الدورة الثالثة والأربعين لمجلس وزراء الداخلية العرب، أن هذه الظاهرة تطرح تحديات جسيمة على الأمن العربي، وبشكل خاص على موريتانيا بحكم موقعها الجغرافي القريب نسبياً من أوروبا.
وأوضح الوزير أن البلاد استقبلت وما تزال تستقبل مئات الآلاف من اللاجئين، خاصة من مناطق التوتر الحدودي، حيث يقيم منذ أكثر من خمسة عشر عاماً نحو 110 آلاف لاجئ مالي في مخيم «أمبرّه» (شرق موريتانيا) إضافة إلى قرابة 300 ألف لاجئ خارج المخيم.
ويشكل هذا الواقع ضغطاً متزايداً على الموارد والخدمات الأساسية، كما يطرح تحديات أمنية واجتماعية معقدة، في ظل التداخل بين الهجرة والبيئة الأمنية الهشة في منطقة الساحل.
اختبار الجاهزية
في سياق تعزيز الجاهزية، أدى وزير الدفاع الموريتاني حنن ولد سيدي، رفقة قائد الأركان العامة للجيوش الفريق محمد فال الرايس الرايس، زيارة إلى مدينة النعمة عاصمة الشرق الموريتاني شملت المنطقة العسكرية الخامسة والكتيبة الموريتانية العاملة ضمن قوة الساحل المشتركة.
وتابع الوزير عرضاً حول الحالة الأمنية والترتيبات الدفاعية، قبل القيام بجولات ميدانية شملت تأمين مطار النعمة والمنشآت العسكرية، في خطوة تعكس حرص القيادة على الرفع من الجاهزية العملياتية في منطقة توصف بأنها من أكثر النقاط حساسية على الحدود.
بالتوازي مع التحرك الميداني، كثفت نواكشوط من نشاطها في مجال التعاون العسكري. فقد اختتمت في نواكشوط أمس اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة مع المغرب، حيث تم تقييم الأنشطة السابقة والتخطيط لتعزيز التعاون المستقبلي. كما استقبل وزير الدفاع وفداً عسكرياً مغربياً رفيع المستوى، وبحث مع مسؤولين أمريكيين سبل تطوير الشراكة الدفاعية.
توازن دقيق مع الجزائر
وفي سياق موازٍ، عززت موريتانيا تعاونها العسكري مع الجزائر، عبر زيارة وفد عسكري رفيع إلى الجزائر نهاية مارس، حيث تم تقييم البرامج المشتركة واستشراف آفاق جديدة للتنسيق الأمني.
ويعكس هذا الانفتاح على كل من المغرب والجزائر حرص موريتانيا على الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الإقليمية، بعيداً عن التجاذبات، في منطقة تشهد تنافساً متزايداً على النفوذ.
وهكذا تجد موريتانيا نفسها اليوم في قلب معادلة أمنية معقدة: حدود ملتهبة شرقاً، وضغوط إقليمية متزايدة، وبيئة ساحلية تتسم بعدم الاستقرار.
وبين الحزم العسكري وضبط النفس السياسي، تحاول نواكشوط رسم خط دقيق يحمي سيادتها دون الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة.
غير أن استمرار التصعيد على الحدود مع مالي يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل هذا التوازن، وما إذا كانت موريتانيا قادرة على الحفاظ على موقعها كفاعل متزن، أم أن تطورات الميدان ستفرض عليها خيارات أكثر حدة في المرحلة المقبلة.