تركيا تُلمح لقرب الهجوم على سرت والجفرة

حجم الخط
0

إسطنبول -«القدس العربي»: على غرار ما جرى إبان معركة طرابلس التي انسحب منها مرتزقة فاغنر الروس دون مقاومة كبيرة، تسعى تركيا لتحييد روسيا عن المعركة المتوقعة في مدينة سرت وقاعدة الجفرة الاستراتيجيتين في ليبيا وذلك في إطار تفاهمات عسكرية وسياسية تُمكن أنقرة من دعم حكومة الوفاق للسيطرة على المنطقتين دون خطر الدخول في مواجهة عسكرية وأزمة سياسية أكبر مع موسكو.
والأحد، نشر حساب رئاسة الاتصال التابع لرئاسة الجمهورية التركية خريطة لتوزيع مناطق السيطرة والتطورات الأخيرة في ليبيا، وظهر على الخريطة مناطق سيطرة حفتر وحكومة الوفاق، وأسهم تدل على أن مدينة سيرة وقاعدة الجفرة الهدف المقبل لقوات حكومة الوفاق الليبية.
كما نشر خريطة أخرى توضح أماكن انتشار مرتزفة فاغنر الروس وأظهرت الخريطة تواجدهم في سرت والجفرة، قبل أن تنشر خريطة تفصيلية قاعدة الجفرة الجوية تحت العنوان “الهدف.. قاعدة الجفرة الجوية”، ولفتت إلى أن الجفرة ستكون الهدف المقبل إلى جانب سرت، مشيرة إلى أنه كان يتوجب على ميليشيات حفتر إخلاء قاعدة الجفرة بموجب اتفاق الصخيرات.
وبات الهجوم على سرت والجفرة يرتبط بتعقيدات عسكرية وسياسية مختلفة، لا سيما مع إعادة ميليشيات حفتر ترتيب صفوفها في المنطقتين وتسارع الدعم العسكري الإماراتي، وإرسال مرتزقة سوريين للقتال إلى جانب حفتر، والتهديدات الأخيرة التي أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السياسي واعتبارهما “خطاً أحمر” بالنسبة لبلاده، وتصاعد التوتر بين فرنسا وتركيا.
هذه التعقيدات غير الجديدة لا تتضمن أي تغيير جوهري في خريطة ميزان القوى على الأرض، فالدعم الفرنسي والإماراتي والمصري متواصل منذ سنوات لحفتر، على عكس الدعم الروسي المستجد وإرسال موسكو أعداداً جديدة من مرتزقة فاغنر وأسلحة جديدة متطورة أبرزها طائرات حربية متقدمة، وهو ما يعتبر التحول العسكري الحقيقي في ميزان القوى، إلى جانب الثقل السياسي الذي تتمتع به روسيا وعدم رغبة أنقرة في الصدام معها لا سياسياً ولا عسكرياً.
هذا المشهد دفع أنقرة نحو التروي أكثر قبيل دعم هجوم حكومة الوفاق على سرت والجفرة وذلك في محاولة للتوصل إلى تفاهمات مع روسيا تتيح تحييد موسكو عسكرياً وسياسياً، لكن وحتى الآن لا توجد مؤشرات حقيقية على ذلك لا سيما عقب إلغاء زيارة الوزراء الروس إلى أنقرة، واقتصاد لقاء اردوغان بوتين ضمن القمة الثلاثية الافتراضية على مناقشة الملف السوري.
وشهدت الأيام الأخيرة زيارات متتالية لكبار القادة العسكريين الأتراك إلى ليبيا كان أبرزها زيارة وزير الدفاع، خلوصي أقار، ورئيس هيئة الأركان، يشار غولر، سبقتها زيارة قائد القوات البحرية، بعد أيام من زيارة وفد وزاري ضم رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان. ويتوقع أن تدفع الغارات الجوية التي تعرضت لها قاعدة الوطية الجوية، مساء السبت، تركيا إلى الإصرار أكثر على تسريع عمليتي سرت والجفرة لحماية العاصمة طرابلس وتعزيز دفاعاتها، وبالتالي يتوقع أن تتكثف الاتصالات التركية الروسية في الأيام المقبلة.
وكتب هاكان تشيليك في مقال له بصحيفة بوسطا التركية: “روسيا تقف إلى جانب حفتر، ولذلك فهي ضمنيًّاً في صفوف هذا التحالف (فرنسا الإمارات مصر والإمارات) لكن يمكن لأنقرة وموسكو إيجاد أرضية لاتفاق ما، رغم كل خلافات وجهات النظر”، مضيفاً: “عمق الحوار بين اردوغان وبوتين يدفع للتفكير بأنه ما زالت هناك فرص حاليّاً للتوافق. من المؤكد أن تركيا ستلعب دوراً في مستقبل ليبيا عبر الخطوات التي تقدم عليها”.
وتابع الكاتب: “سيحدد موقف أنقرة وموسكو وقرار واشنطن سير الأحداث بليبيا في المستقبل القريب. مع أن الإدارة الأمريكية لم تقدم بعد على حملة تغير التوازن”، لافتاً إلى أن الملف الليبي “يحتل مكاناً هاماً في الاتصالات بين اردوغان وترامب. وليس من المستبعد أن تقدم أنقرة وواشنطن على تحرك مشترك”.
وشدد محمد قدو أفندي أوغلو في مقال له بموقع ترك برس على ضرورة إيجاد طريقة لتحييد روسيا من معركة سرت، وكتب: “حكومة الوفاق والحليف التركي سيتقيدون تماماً عند الإقدام على أي خطوة باتجاه سرت دون التنسيق المباشر والفعال مع زعامة حلف الناتو والولايات المتحدة ولا أتصور أن يكون هناك تقدم أو معارك لاستعادة سرت قبل البحث عن طريقة لإنهاء النفوذ الروسي في مناطق ليبيا الشرقية والداخلية والغنية بالموارد الاستراتيجية”.
وأجمع عدد آخر من الكتاب الأتراك على ضرورة أن تعمل بلادهم من أجل “تحييد” روسيا عن عملية سرت المتوقعة، معتبرين أن هذا الأمر ممكن عبر تفاهمات سياسية وعسكرية، وإلا فإن الخيار الآخر سيكون التحالف مع واشنطن للحصول على دعم أكبر ودفاعات جوية أقوى لمواجهة حفتر وداعميه، مجمعين على أن عدم السيطرة على سرت والجفرة يعني إمكانية خسارة تركيا إنجازاتها العسكرية السابقة هنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية