العنوان الصحيح لما جرى في الانتخابات الفلسطينية كان خسارة حركة فتح للانتخابات التشريعية. ففي هذه الانتخابات تحديداً كان واضحاً أثر التصويت الانتقامي الذي يعبر عن فشل فتح في الإدارة، ووضع حركة حماس في وضعية لم تكن تتوقعها أصلاً، وواجهت معادلة تناقض خطابها القائم على فكرة المقاومة مع متطلبات سلطة تقوم على اتفاقية سلام سيئة.
وفي ميدان التحرير، وبعد أن تمهلت حركة الإخوان المسلمين وتابعت ما يجري هناك قبل أن تقرر النزول، وجدت نفسها خلال بضعة أشهر بوصفها القوة التي تتحصل على فرصة إدارة مصر بعد تصويت لم يتغيب عنه الجانب الانتقامي في مواجهة الفريق أحمد شفيق ممثل ما يسمى بالفلول، فالمصريون لم يكونوا مستعدين للتعامل مع نسخة جديدة من نظام مبارك.
يُنقَل عن الرئيس مبارك، وعند حديثه عن التوريث، مقولته مستهجناً ذلك بأنه لن يورث لابنه (خرابة) قاصداً مصر بجميع مشكلاتها وأزماتها، ولم يتوقف مبارك الذي استساغ أن يلقي باللوم على الشعب نفسه عن حقيقة مسؤوليته عن الوصول بالبلاد إلى ذلك الوضع، ومع ذلك وقع الإخوان في الفخ ودخلوا الحكم بمنطق المغالبة لا المشاركة، فحملوا مسؤولية الخرابة على رؤوسهم لفترة وجيزة قبل أن يغرقوا في الرمال المتحركة التي زاد ضراوتها وقوف الدولة العميقة في موقع المتفرج على انفلات الأمور.
لم يتعلم الإخوان من الدرس الواضح والبسيط. وفي تونس يقعون في الجحر نفسه مرة أخرى، وبغض النظر عن أي مبررات فإن فشلهم في السيطرة على أداء البرلمان الذي تحول مع استعراضات النائبة عبير موسي إلى سيرك مفتوح كان من بين العناوين الرئيسية للأزمة الحالية، وهو الذي مكن الرئيس قيس سعيّد من اللجوء إلى مادة من الدستور ليقوم بتجميد مجلس النواب ورفع الحصانة عن أعضائه.
ليس ثمة فائدة ترجى من منازلة سعيّد في ملعبه الخاص، أي الفقه الدستوري، وهو ما تبدى في خطابه الموجه للتونسيين (هل كان خطاباً موجهاً للتونسيين وحدهم؟)، ولذلك فما يحدث في تونس شأن سياسي تضافرت عدة عوامل لتجعله مقبولاً لدى فئات واسعة من التونسيين، وفي مقدمتها انهيار المنظومة الصحية وعدم قدرة الإدارة التونسية على التعامل مع الأوضاع المستجدة بالطريقة المقبولة.
اندفعت العديد من القوى السياسية لتأييد الرئيس التونسي في قراراته، وتمهلت أخرى من أهمها حزب العمال التونسي الذي أطلق رئيسه حمة الهمامي الكلمة المفتاح في تونس، وهي المشروع الذي يتغيب عن الرئيس، مستذكراً مظاهر الفرح الشعبية التي تلت انقلاب زين العابدين بن علي على الحبيب بو رقيبة والتي أنتجت طاغية جديداً أزاحته ثورة الياسمين 2011، ومع ذلك يطرح الحزب حلاً غير واقعي بدوره متمثلاً في اللجوء إلى تفعيل نظام ديمقراطي شعبي، ليلتحق الحزب أيضاً بموجة المثالية السياسية التي هشمت الجميع في تونس وغيرها من الدول العربية.
الاتهامات المتبادلة والحديث عن الأصابع الخارجية لا تحقق شيئاً أمام الاستحقاقات العاجلة والطارئة والمطلوبة من أجل المرور من أزمة اقتصادية وإدارية
المثالية لا تعني النزاهة أو الاستقامة، ولكنها تقوم على أساس بناء افتراضات منطقية من وجهة نظر أصحابها، وافتراض أن العالم سيستجيب معها بالطريقة التي يتوقعونها، وتجاهل جميع العوامل المعيقة والمعطلة، ومعظم القوى السياسية العربية التي حرمت من المشاركة الفعالة لعقود طويلة من الزمن، ولا تمتلك بسبب ذلك خبرة في إدارة الدولة وتحدياتها لا يمكن أن تفلت من الارتطام المدوي مع الواقع وتعقيداته، وليس من مصلحة الثورة المضادة والدولة العميقة المنتمية للأنظمة السابقة أن تهب لنجدة المتورطين، فكل ما تفعله هو الانتظار للحظة المناسبة من أجل الانقضاض على الثورة.
المفكر السلوفيني سلافوي جيجك، وهو متابع جيد لثورات الربيع العربي، تحدث سابقاً عن معضلة اليوم الأول التي تواجه الثوار بعد إزاحتهم للسلطة القائمة، وتتمثل في عدم قدرتهم على الإمساك بزمام الأمور وتنظيم المؤسسات، وفي ظل ثورات غاضبة هي أقرب للتمرد والعصيان من الثورة لم تتمكن من امتلاك رأس حقيقي ومشروع واضح، فإن التهافت على السلطة من قبل الخصوم الأيديولوجيين والسياسيين هو الأمر المتوقع، وهو الطريق المفروش بالنوايا الطيبة للإقامة في البلاد في الجحيم بانتظار الخلاص ولو كان على يد طاغية آخر.
المشكلة التي وقعت فيها قيادات الإخوان هي استثمار نجاحها التنظيمي الداخلي القائم على هرمية التنظيم وطاعة أعضائه في إدارة الدولة على افتراض أن الطاعة ستصبح سلوكاً عاماً، ولذلك كان تقدمهم النسبي على غيرهم من القوى السياسية واستغلالهم للخطاب الديني يجعلهم في مقدمة الحلول المطروحة للتجربة والتي ستشتبك مع جميع المشكلات دفعة واحدة لتتعثر أقدامها في وحل (الخرابة)، وأمام سيادة مفهوم الغلبة على المشاركة كان الفشل حتمياً ولا يمكن تجنبه.
اتخذ قيس سعيّد قراره، وسيتحمل كما الآخرين حصته من الثمن الباهظ لإجهاض التجربة الديمقراطية في بلاده، ولأن الوضع في تونس حالياً مع تفاعلاته الاقتصادية والاجتماعية يدخل مساراً من التعقيد وعدم التيقن فإن ما يمكن للمتابع أن يحمله من مواقف يتوزع بين التفاؤل والتشاؤم مع تغليب لأسباب التشاؤم يتعلق جزء منها بشخصية قيس سعيّد وإدارته للأمور بصبغة القرون الوسطى سابقاً، وكونه شريكاً في وصول الأوضاع إلى نقطة الانفجار الأخيرة.
تعود تونس من جديد إلى النقطة صفر، فالجميع يتربص بالجميع، والحرب التي يعلنها قيس سعيّد موجهة لأطراف لن تبقى ساكنة وتتخذ وضعية أهداف التصويب في ميادين التدريب، والغرق في دوامة التكفير والتخوين والاتهامات المتبادلة والحديث عن الأصابع الخارجية لا يمكن أن يحقق شيئاً أمام الاستحقاقات العاجلة والطارئة والمطلوبة من أجل المرور من أزمة اقتصادية وإدارية مستفحلة.
كاتب أردني
مقال جيد ولكن ما هو الحل؟ لا يوجد نظام سياسي بدون أخطاء. على القوى المعارضة في تونس تجنب العنف والتمسك بالدستور والقبول بحكم القضاء التونسي الذي اتمنى ان يكون افضل من القضاء المصري الذي انحاز الى الدكتاتورية ،