الخرطوم ـ «القدس العربي»: يشهد السودان جدلاً بخصوص سياسة إزالة التمكين التي تنتهجها الحكومة ضد مؤسسات وشخصيات نظام عمر البشير. ففي حين ترى جهات سياسية أن إجراءات استعادة «أموال الشعب» و«ممتلكاته» ضرورية جداً ولا بد أن تتوسع، تجد قوى إسلامية أن اللجنة المخولة بهذه الإجراءات «مهووسة» وتحركها «الأحقاد والضغائن».
بالتزامن اتفقت قوى «الحرية والتغيير» والحكومة السودانية على خطة من 7 بنود، وفق جداول زمنية محددة، لمعالجة جملة من القضايا بينها السلام وهياكل الحكم والأزمة الاقتصادية، وكذلك مواصلة إزالة التمكين.
يأتي ذلك بعد قرارات اتخذتها لجنة إزالة التمكين والتي قضت بحل منظمة «الدعوة الإسلامية» ونزع عدد 153 قطعة في مناطق حيوية في الخرطوم من ثلاثة من قادة النظام السابق البارزين، ومنهم وزير الخارجية الأسبق علي كرتي ومدير عام قوات الشرطة الأسبق ووالي الخرطوم هاشم الحسين.
في 10 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أصدر رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان، قرارا بتشكيل لجنة «إزالة آثار التمكين» لنظام الرئيس المعزول عمر البشير، ومحاربة الفساد واسترداد الأموال.
وفي الاجتماع الذي عقد أول أمس السبت، في القصر الجمهوري، واستغرق ساعات طويلة، وحضره أعضاء المجلس المركزي لقوى «الحرية والتغيير» إلى جانب أعضاء المجلس السيادي ورئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، أقر خطة إجراءات سياسية وقرارات حكومية تشمل سبعة قضايا على أن يتم تنفيذها وفق جداول زمنية محددة.
وعلى رأس هذه القضايا التعجيل في استكمال هياكل السلطة التنفيذية (ولاة الولايات وحكوماتها والمجالس المحلية والمجلس التشريعي)، حسب البيان الذي صد عن الطرفين عقب الاجتماع.
تحقيق السلام والعدالة
وأشار البيان إلى «ضرورة الإسراع في تحقيق السلام، وحل الأزمة الاقتصادية، عبر تشكيل لجنة للطوارئ، علاوة على كيفية إصلاح الأجهزة الأمنية والعسكرية».
كما «اتفق الطرفان على المواصلة في تفكيك وإزالة التمكين، بالإسراع في مواجهة النظام البائد وزيادة وتيرة العمل في هذا الاتجاه، إلى جانب العمل على تحقيق العدالة، مع الاتفاق على السياسة المتعلقة بالبلاد في العلاقات الخارجية».
وكانت الخرطوم شهدت قرارات مهمة، ليلة الجمعة الماضية، حيث قامت لجنة إزالة التمكين بحل منظمة «الدعوة الإسلامية» التي تعد من أكبر المنظمات الدعوية الإسلامية في السودان، و واحدة من أزرع تمكين النظام السابق، وجرى تسجيل بيان انقلاب الثلاثين من حزيران/ يونيو 1989 في مبانيها، إضافة إلى نزع أكثر من 150 قطعة أرض في الخرطوم تخص ثلاثة من قيادات المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم البائد)، هم وزير الخارجية السابق، علي كرتي، ووالي الخرطوم السابق، عبد الحليم المتعافي، ومدير عام قوات الشرطة السابق هاشم عثمان الحسين.
وقال عضو مجلس السيادة، محمد الفكي سليمان، الرئيس المناوب للجنة إزالة التمكين: « نواصل عملنا بالرغم من الظروف الصحية التي تمر بها البلاد». وزاد: «نحن في حرب مفتوحة مع حزب المؤتمر الوطني الذي حكم البلاد لعقود وتورطت قيادته في الفساد ونهب الأموال العامة».
وأضاف، في مؤتمر صحافي، مساء يوم الجمعة الماضي أن «اللجنة ستواصل توجيه ضرباتها لمراكز الفساد وتتخذ إجراءات قوية لإنهاء التمكين واستعادة الأموال المنهوبة». ودعا قوى الثورة إلى أن «تفتح أعينها على مكتسبات الثورة والعمل على حمايتها ومساندة هذه القرارات التي ستعيد ممتلكات الشعب لدولته».
وأشار إلى أن «هذه الإجراءات القوية للجنة إزالة التمكين، باسترداد 153 قطعة أرض نهبها ثلاثة من كبار قادة النظام السابق خطوة في طريق طويل وتكتسب أهمية استثنائية في هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد نتيجة للنهب والفساد والتخريب الذي دام لثلاثة عقود».
واعتبر أن: «هذه الاجراءات جزء من الوفاء بمطالب الثورة بإنهاء دولة التمكين لصالح دولة الوطن».
والأراضي التي جرى نزعها، 99 منها كانت لكرتي في محلية بحري، و32 للحسين في الأزهري ومناطق أخرى، و22 للمتعافي في منطقة الحلفايا.
وسارعت أسرة كرتي الذي يعد أحد أبرز القيادات الراديكالية في الحزب الحاكم سابقاً، إلى اصدار بيان أكدت فيه ملكيتها لهذه الأراضي إذ حصلت عليها دون تجاوزات وأنها ستتجه لمقاضاة اللجنة بتهمة التشهير.
عقب حلّ منظمة «الدعوة الإسلامية»… واسترداد أراض من ثلاثة مسؤولين سابقين
ووفق البيان «الأراضي المذكورة هي في الأصل كانت مزرعة (ملك حر) لمالكها علي أحمد كرتي ، تقع شمال شرق ويتا، مساحتها تقارب الـ30 فدانا، تمت زراعتها لمدة 10 سنوات، وتم تحسين المزارع في المنطقة حولها من زراعية لسكنية، فتحت ضغط التمدد السكني حولها تقدم المالك وفق الإجراءات المتبعة بالتخطيط العمراني ولوائح التخطيط العمراني لتحسينها إلى أراض سكنية، واستمرت الإجراءات لمدة عامين حتى اكتملت الإجراءات بالتخصيص لعدد 118 قطعة دون أي تجاوز لأي من إجراءات ورسوم لجان التخطيط العمراني، وقد وافقت لجنة التخطيط العمراني في ولاية الخرطوم على كلٍ الإجراءات، والأوراق التي تثبت ذلك وفق القانون واللوائح موجودة في سجلات الأراضي والمالك».
وأضاف البيان «المزرعة لم تكن يوما ملكاً لحكومة السودان، ولم يستفد المالك من أي تسهيلات أو معاملات خارج الإطار القانوني، وما نصت عليه اللوائح وفق قانون الأراضي لجمهورية السودان». وزاد «سيقوم المتضرر برفع دعوى تشهير أمام القضاء السوداني ضد أعضاء لجنة تفكيك النظام».
وكان عدد من القانونيين السودانيين كتبوا في وسائل التواصل الاجتماعي محتجين على الطريقة التي تمت بها المصادرة، ما قاد وزير العدل، نصر الدين عبد الباري، للتغريد على حسابه في «تويتر» قائلا «يتحدث بعض القانونيين عن عدم سلامة مصادرة أموال بعض قادة النظام البائد، بحجة أنها ملكية خاصة، ولكنها ليست كذلك، كما أن قانون التفكيك لا يتحدث عن مصادرة الأموال وإنما استردادها، ونحن الان نسترد أموالا مملوكة لنا كشعب ولا نصادر ملكية خاصة لأحد».
وأوضح « سندنا في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والتي بنينا عليها بعض أحكام قانون تفكيك التمكين، كما أن قادة حكومة اللصوص البائدة استولوا على الأموال العامة بإجراءات إدارية، وبذات الإجراءات الإدارية يسترد الشعب اليوم تلك الأموال عبر لجنة تفكيك التمكين».
تجمع «المهنيين السودانيين»، أشاد بالقرارات التي أصدرتها لجنة إزالة التمكين، معتبرا إياها «عيدية مستحقة في الذكرى الأولى للإطاحة بنظام المخلوع».
وأشار في بيان إلى أن اللجنة «كشفت عن جانب بسيط من فساد رموز النظام، بجانب حل منظمة الدعوة الإسلامية التي انطلقت منها مؤامرة انقلاب الإنقاذ»، ودعا اللجنة إلى «التحرك بوتيرة أسرع، وأن تستعين بالكفاءات المطلوبة لضمان التعجيل بإعادة الأموال المنهوبة». كما دعا «الشرفاء لمواصلة مد اللجنة بكل ما يدعم عملها».
كذلك بين وجدي صالح، عضو لجنة إزالة التمكين، أن منظمة الدعوة الإسلامية التي قررت لجنته حلها «كانت هي الدولة الحقيقية التي تدير البلاد».
وتابع: «حل المنظمة لا يقصد به العمل الإسلامي بل هو تصحيح لوضع خاطىء منذ تأسيس المنظمة». وأضاف أن: «عمل المنظمة تركز في الاستثمار والعمل التجاري والاستمتاع بكافة الإعفاءات الجمركية والضرائب بينما لم يأخذ العمل في نشر الدعوة الإسلامية إلا نسبة ضئيلة من أنشطتها».
وبين أن «هذه المنظمة ساعدت في تمكين نظام الجبهة الإسلامية، وكانت تدار من مبانيها الدولة قبل خروج الدكتور حسن الترابي إلى العلن، كما ساعدت في فصل الجنوب، ولديها استثمارات اقتصادية مهولة تشمل آلاف الأفدنة الزراعية وشركات النقل والتعدين، إلى جانب أكبر شركة إنشاءات في السودان. هذه الأموال كانت تستخدم للتمكين السياسي وليس لنشر الدعوة الإسلامية».
لكن القيادي في «المؤتمر الشعبي»، أحد الأحزاب الإسلامية المعارضة في البلاد، إدريس سليمان، اعتبر أن لجنة إزالة التمكين «مهووسة وقائمة على منهج غير راشد تحركه الأحقاد والضغائن الشخصية الضيقة والقانون الذي أنشئت به من قوانين القرون الوسطى».
وقال في حديث مع «القدس العربي» إن «منظمة الدعوة الاسلامية من أوائل وكبريات المؤسسات الدعوية التي تعمل في الدعوة للإسلام داخل وخارج السودان، في أفريقيا وآسيا في نحو 56 دولة كما تقدم الرعاية الصحية والإعاشة والتعليم وتبني دور العبادة وتحفر آبار المياه للمحتاجين في العالم».
وأشار إلى أن «ما يجمع المنظمة مع السودان هو اتفاقية، وفق الأعراف الدبلوماسية، منذ إنشائها عام 1980 في عهد الرئيس الراحل جعفر نميري، وقرار حلها الآن يناقض الأعراف القانونية والدبلوماسية، وكان على الحكومة إخطار المنظمة قبل 6 أشهر بعدم الرغبة في وجودها لتدبر أمرها وتغادر البلاد، لكن ليس من حق الحكومة حل المنظمة ومصادرة ممتلكاتها».
وزاد: «صحيح أن المنظمة كان للسودانيين شرف تأسيسها وإنجاحها، لكنها الآن تضم في مجلس أمنائها 70 شخصا من أربع وعشرين دولة، وهو المجلس الوحيد الذي يستطيع حلها وليس الحكومة».
ولفت إلى أن «الحديث عن تسجيل بيان الانقلاب في مباني الجمعية، هو حديث لا تسنده وقائع ودلائل وكيف لـ 70 شخصا من 24 دولة يشكلون مجلس الأمناء أن يوافقوا على هذا الفعل».
وتعرف منظمة «الدعوة الإسلامية» التي تأسست عام 1980، نفسها على موقعها الرسمي، على أنها منظمة إنسانية غير ربحية ومستقلة، ومن أهدافها نشر الإسلام، وترسيخ قيم التسامح والتعايش، إلى جانب دعم وإغاثة المحتاجين، وتشجيع المبادرات المحلية في التنمية والبناء.
تلويح بمقاضاة اللجنة
ولوحت المنظمة بمقاضاة لجنة «إزالة التمكين»، وفي بيان لها قالت: «تلقت الأمانة العامة للمنظمة بكل أسف نبأ قرار لجنة إزالة التمكين القاضي بحل المنظمة والتوصية بإلغاء قانون المنظمة ومصادرة أصولها وممتلكاتها والمؤسسات التابعة لها، دون أن تخطر المنظمة رسميا بذلك».
واعتبرت أن «القرار لم يراع الجانب الإنساني والاجتماعي من عمل المنظمة، الذي يؤثر مباشرة على حياة آلاف السودانيين الذين يستفيدون من خدمات المنظمة».
وأردفت أن «الأمانة العامة لمنظمة الدعوة الإسلامية إذ تأسف لهذا القرار فإنها ستعمل على مناهضته عبر رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية باعتبارهما السلطات المباشرة التي تتعامل معها المنظمة».
واستطردت: «وفي الوقت ذاته فإن المنظمة تحمل لجنة إزالة التمكين المسؤولية الكاملة عن أي أضرار تحلق بأصول المنظمة وممتلكاتها، وتحتفظ بحقها القانوني في المقاضاة لإلغاء القرار والتعويض عن الأضرار المعنوية والمادية التي لحقت بها».
وأوضحت في بيانها أنها «منظمة إنسانية دولية غير حكومية أنشأها عدد من الخيرين من مختلف دول العالم، ووافقت حكومة السودان في عام 1980 على استضافة مقرها في الخرطوم، وظلت حكومات السودان المتعاقبة تقدم للمنظمة كل التسهيلات الضرورية للقيام بدورها الإنساني في القارة الأفريقية».
وأضافت: «خلال السنوات الأربعين الماضية من عمرها قدمت المنظمة أعمالا إنسانية جليلة في 56 دولة حول العالم منها 42 دولة أفريقية، واستفاد من خدمات المنظمة التعليمية والصحية والتنموية والخدمية أكثر من 100 مليون أفريقي».
وأكدت «تدرك المنظمة أن دولة المقر يحق لها التحلل من اتفاق المقر والطلب من المنظمة مغادرة السودان والبحث عن مقر بديل، لكن يجب أن يتم ذلك وفق أعراف دبلوماسية معروفة تسمح للمنظمة بالتصرف في أصولها وممتلكاتها».
إجراءات من هذا القبيل لا يجوز أن تبت فيها وتنفذها سلطة انتقالية كما هو الحال اليوم؛ بل ينبغي أن تكون من مشمولات سلطة منتخبة ديمقراطيا (بصورة حرة ومباشرة)، تحظى بشرعية كاملة ولا تحركها الخلفيات الأيديولوجية وحسب.