د. حسين مجدوبي ‘حزب الشاي’ بدأ يتبلور كأكبر حركة سياسية محافظة في الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة ويكتسب وزنا متزايدا في السياسة الأمريكية وستمتد تأثيراته المستقبلية للعلاقات الدولية، حيث يمكن التكهن مسبقا بحدوث توتر في العلاقات الأمريكية مع العالم الإسلامي والقوى الصاعدة في أمريكا اللاتينية والصين إذا ما نجحت هذه الحركة في التأثير السياسي على البيت الأبيض أو إيصال أحد مرشحيها لمنصب الرئاسة.فالإعلام العربي لم يول بعد هذه الظاهرة الاهتمام الكافي رغم أنها بدأت تضع بصماتها القوية في الساحة السياسية الأمريكية وتقلق الحزب الجمهوري المحافظ وتهدد الحزب الديمقراطي. فقد قفز اسم هذه الحركة ‘حزب الشاي’ إلى الساحة الإعلامية العالمية يوم 28 آب/أغسطس الماضي بتنظيمها تظاهرة كبيرة في واشنطن شارك فيها 80 ألف أمريكي مطالبين بالعودة للقيم الأمريكية المستوحاة من ‘المسيحية النقية’. ويؤكد الفيلسوف الأمريكي جيمس م بيرنستاين أن هذه الحركة تشكل عنصرا سياسيا مفاجئا يجب أن يحظى بالبحث والتحليل العميق للتأثيرات التي ستحملها مستقبلا على صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة.وتستوحي هذه الحركة التي يطلق عليها مجازا اسم الحزب من الجذور التأسيسية للولايات المتحدة، فهذه الدولة تأسست في مواجهة بريطانيا بعدما رفض سكان شمال أمريكا وخاصة بوسطن سنة 1773 دفع الضرائب التي فرضتها لندن عليهم في مادة الشاي، وكانت انطلاقة شرارة الاستقلال عن التاج البريطاني. وتعتقد حركة حزب الشاي أن الولايات المتحدة فقدت مع الرئيس الديمقراطي باراك أوباما شرفها وقيّمها ومكانتها في العالم، ولهذا اختارت كشعار للتظاهرة المذكورة ‘من أجل شرف الولايات المتحدة’.وايديولوجيا، فالحركة تتراوح بين الفكر اليميني المحافظ والفكر اليميني المتطرف المتأثر بسلبيات ومخلفات الأزمة الاقتصادية الحالية والرفض المطلق لقرارات أوباما، وترتكز حملتها السياسية الحالية وفق أول مؤتمر وطني لها في مدينة ناشفيل مؤخرا على النقط التالية:ـ مواجهة ما تعتبره الاصلاحات الاشتراكية للرئيس أوباما في المجال المالي وخاصة الصحة والدعوة مجددا للفردانية المطلقة.ـ المطالبة بسياسة حمائية ضد المنتوجات المستوردة وخاصة من الصين والرفع من استهلاك المنتوج الأمريكي لخلق مناصب الشغل.ـ إعادة الاعتبار السياسي والاجتماعي للإنسان الأبيض الأنجلوسكسوني البروتستاني أو ما يعرف باللاتينية WASP (White, Anglo-Saxon and Protestant) الذي شكل العمود الفقري للولايات المتحدة في الخمسينات والستينات.ـ مواجهة سياسة التساهل مع الهجرة، ولهذا فهذه الحركة تؤيد أبشع قانون لمكافحة الهجرة شهدته الولايات المتحدة ويتعلق الأمر بقانون ولاية أريزونا المثير للجدل وتطالب بتعميمه في كافة البلاد. وفي الوقت ذاته، تطالب المهاجرين الجدد باحترام الثقافة الأمريكية الأصيلة المتمثلة في الثقافة الانجليكانية.ـ تأييد مطلق لإسرائيل والتحفظ على سياسة أوباما التصالحية مع العالم الإسلامي، فجزء من هذه الحركة وخاصة أحد ابرز وجوهها غلين بك تعتبر أوباما مسلما مدسوسا في البيت الأبيض لتقويض أسس البلاد.ـ التقليل من تدخل الولايات المتحدة في القضايا الدولية وعدم لعب دركي العالم إلا إذا استدعت الضرورة، وإن كان يوجد اختلاف وسط أعضاء الحركة حول هذه النقطة.ونجحت حركة حزب الشاي من تحقيق انتشار واسع في وقت وجيز بفضل نجوم السياسة المعبرين عن تطلعاتها سواء السياسي المخضرم رون بول ورجل الدين غلين بك أو سارا بالين التي ترشحت لمنصب نائبة رئيس الولايات المتحدة مع جون ماكين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز فيها باراك حسين أوباما. وحققت فوزا معنويا بعدما تمكن الجمهوري سكوت براون الحامل لشعارات ‘حركة حزب الشاي’ من الفوز بمقعد ماساشوسيتس الذي كان يشغله الديمقراطي إدوارد كينيدي الذي كان يمثل النقيض لهذه الحركة سياسيا وثقافيا واجتماعيا.ويتبنى جزء من هذه الحركة مواجهة شرسة مع ممثلي الحزب الديمقراطي، فالشرطة الأمريكية ‘إف بي آي’ بدأت توفر الحماية لعدد من أعضاء هذا الحزب مخافة اغتيالهم من طرف متطرفي حركة حزب الشاي. ومن ضمن السياسيين الذين تعرضوا للتهديد رئيسة الكونغرس نانسي بيلوسي وستيف كوهنغ ممثل ولاية تينيسي في الكونغرس وباتي موراي ممثلة ولاية واشنطن.وعموما، يستخلص من تحليل برامج وأفكار وأطروحات هذه الحركة، أنها بشكل أو آخر مع بعض الاختلافات، امتدادا للمحافظين الجدد الذين حكموا طيلة العقد الأول من القرن الواحد والعشرين وتسببوا في حروب دينية في أفغانستان والعراق وتوترا مع مختلف دول العالم وخاصة الدول الإسلامية. وإذا كانت حركة المحافظين الجدد نخبوية وتبلورت كحصيلة نتائج الأبحاث السياسية في المعاهد الإستراتيجية التي وضعت أسسها وطريقة اشتغالها للوصول إلى الهيمنة على القرار الأمريكي والتحكم في الخريطة العالمية، فحركة حزب الشاي تعتبر بمثابة تجديد لفكر المحافظين الجدد ولكن بشكل شعبي وشعبوي وساذج نابع من تذمر المواطن الأمريكي الأبيض من سياسة أوباما واعتقاده بفقدان الولايات المتحدة لريادتها في قيادة العالم لأنها فرطت في الأسس التي قام عليها تاريخيا المجتمع الأمريكي.ويختلف أعضاء الحركة في رؤيتهم للعالم بين المطالبين بالكف عن التدخل في القضايا الدولية وهم الأغلبية وبين من يعتقد على شاكلة المحافظين الجدد في ضرورة استمرار الولايات المتحدة في قيادة العالم وهم الأقلية. لكن هذا لا يمنع الحركة من تكريم الجنود الأمريكيين المتواجدين في العراق وأفغانستان واعتبارهم أبطالا.زمنيا، فعمر هذه الحركة لا يزيد عن سنة واحدة، ولكنها استطاعت خلق تيار سياسي على يمين الحزب الجمهوري المحافظ وفرض عدد من المرشحين في بعض الولايات للانتخابات التشريعية خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وعمليا، فتأثيرها لن يقاس بهذه الانتخابات بقدر ما سيقاس بمدى تجذّرها في المجتمع الأمريكي وخاصة إيقاظ المشاعر العميقة لسكان الحزام المسيحي في الوسط الأمريكي خلال السنتين المقبلتين ولاسيما في الانتخابات الرئاسية المقبلة. فالمحافظون الجدد عندما ظهروا في ثوبهم الجديد في التسعينات لم يحظوا بالاهتمام الإعلامي والسياسي الكافي خارج الولايات المتحدة رغم نشاطهم المكثف في وسائل الإعلام ومعاهد البحث الأمريكية، ولكن ما لبثوا أن فاجأوا العالم بعد إيصالهم جورج بوش لسدة الحكم وتطبيق أجندة عنيفة تجلت في شن حروب في أفغانستان والعراق ومحاولة فرض الديمقراطية وفق المنظور الأمريكي على الكثير من الدول وخاصة العربية منها. وحركة حزب الشاي استطاعت وفي ظرف وجيز فرض مرشحين وسط الحزب الجمهوري لانتخابات مجلس الشيوخ المقبل، ودفعت بسياسيين مثل المرشح الرئاسي السابق جون ماكين إلى تبني مواقف راديكالية لتفادي خسارته في الانتخابات الداخلية للحزب الجمهوري لتمثيل ولاية أريزونا في مجلس الشيوخ خلال الاستحقاقات المقبلة. علاوة على ذلك، فالحركة تحظى الآن باهتمام مكثف من طرف الباحثين في معاهد الدراسات الإستراتيجية لوعيهم وإدراكهم بالدور الذي ستلعبه مستقبلا في الولايات المتحدة والعالم.الارتفاع المطرد لأسهم حركة حزب الشاي في سوق البورصة السياسية الأمريكية يعتبر بمثابة عودة عجلة التاريخ إلى الوراء، فتبني أفكار يمينية راديكالية وحمائية في القرن الـ21 لن يساعد الولايات المتحدة على استعادة ريادة قيادة العالم بل قد يزيد من صعوباتها أمام المنتظم الدولي. فأفكار حركة حزب الشاي تتناقض والتبلور المستمر لخريطة جيوستراتيجية عالمية جديدة متجلية في ظهور دول صاعدة مثل الهند والصين والبرازيل وجنوب إفريقيا وانتشار أفكار التسامح والتلاقح الثقافي بفضل الهجرة المستمرة واختلاط الاثنيات والديانات. ونكتشف من خلال جولة في صحافة ومقالات الرأي في وسائل الإعلام في أمريكا اللاتينية والصين بل حتى بعض الدول الأوروبية، مدى القلق والتحفظ من صعود نجم هذه الحركة في السياسة الأمريكية وما قد تحمله من توتر للعلاقات الدولية مستقبلا.فالولايات المتحدة في حاجة لظهور تيار أمريكي ـ لاتيني تقدمي قوي يساهم في صناعة القرار السياسي بدل أن يبقى مقتصرا فقط على الأنجلوسكسونيين وكأن الولايات المتحدة مازالت تعيش في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فالأقلية اللاتينية أو الهسبانية تتجاوز 40 مليونا وتتزعم باقي الأقليات، والمنطق السياسي يتطلب إيجاد دور فعال لها في الخريطة السياسية الأمريكية قد يساعد على خلق توازن في الرؤية الأمريكية للعالم وتكون انعكاسا لغنى المشهد الثقافي والإثني الأمريكي.وكان المفكر الراحل سامويل هانتنغتون قد حذّر في كتابه ‘من نحن’ من القوة الصاعدة للأمريكيين من أصل لاتيني، فهو في العمق يحذّر من احتمال تأثير اللاتينيين على وحدة القرار الأمريكي الأبيض والأنجلوسكسوني الذي يعتبره مصدر وسر قوة الولايات المتحدة. وعليه، فحركة ‘حزب الشاي’ هي في العمق تجيب على تخوف سامويل هانتنغتون وتعمل على حماية الهوية الأنجلوسكسونية للولايات المتحدة من التأثيرات السياسة والاجتماعية التي تتفاعل في المجتمع الأمريكي.القوة الإعلامية والسياسية لزعماء وأنصار حركة حزب الشاي تؤشر على دور فعال لها مستقبلا، لكن ليس في اتجاه التقدم بل بمثابة السفر إلى ماض غير إيجابي أو بعبارة أخرى عودة عجلة التاريخ إلى الوراء.’ كاتب مغربيqmdqpt