حميد سعيدلا يذكر أدب الرحلات في التراث العربي، إلاّ وذُكر إبن بطوطة، حتى تقدّم ذكره على من سبقه في هذا الفن من فنون القول، وبخاصة الرحالة الأندلسي إبن جبير، الذي تقدّم عليه بما يزيد على قرن ونصف قرن، حتى أن شهرة إبن بطوطة وشهرة كتابه’ ‘تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الاسفار’ قد غبَّشت على رحالين كبار ، ممن كتبوا عن رحلاتهم بكثير من الإاتدار، ووصلوا الى أصقاع لم يصلها، ونذكر منهم إبن فضلان على سبيل المثال.وما زال الناس الى يومنا هذا، يصفون الشخص، كثير السفر والتنقّل، بقولهم، إبن بطوطة، وشكّلت مروياته، بعض محيط الذاكرة الشعبية العربية، من دون تحديد مصدرها أو التدقيق في كونها صحيحة أو غير صحيحة، وتأسطرت بعض هذه المرويات، حتى صارت من مصادر المحكي في رحلات السندباد البحري، ودخل المتخيَّل البطوطي، في متخيَّل الليالي العربية، ووقف الشيخ شمس الدين محمد بن بطوطة الطنجي، غير بعيد عن السيّدة شهرزاد، التي حمّلها رواة الليالي العربية، مروياتهم بكل صفحاتها ومصادرها التاريخية والجغرافية والأسطورية، المتخيَّل منها والواقعي.وإذا كانت رحلة إبن بطوطة ‘تحفة النُظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار’ قد عرفت واشتهرت قبل عصر الطباعة، فقد نشرت في عصر الطباعة، في عدد من الطبعات، وفي مستويات شتّى، سواء على صعيد الطباعة أو النشر، ثمّ توَّج كل تلك الجهود في نشرها أو تحقيقها، الدكتور عبد الهادي التازي، وهو عالم جليل مدقّق واسع الإطلاع والأفق، وبخاصة في ما يتعلّق بالتراث المغربي، أندلسياً كان أم مغاربيّاً.لكن ما سأتناوله، لا يختص بنص رحلة الشبخ الطنجي، وإنَّما بقراءة جديدة فيها، أنجزها الشاعر علي كنعان، ونشرت في كتاب بما يقرب من خمسمائة صفحة من القطع المتوّسط، بعنوان ‘غرائب الأسفار.. حكايات إبن بطوطة مستخلصة من رحلته ‘في سلسلة ‘حكايات الرحالة’ إحدى سلاسل مشروع ‘إرتياد الآفاق’ الذي أطلقه الشاعر محمد السويدي، عن دار السويدي للنشر والتوزيع- ابو ظبي- الإمارات العربية المتحدة، فكان إنجازا إستثنائيا في ما يتعلّق بأدب الرحلات، قديمه وجديده.وصف السويدي، سلسلة حكايات الرحالة بالقول: ‘سلسلة جديدة، نقدّمها الى قراء العربية، ليطوفوا معنا، في عالم من السرد الأدبي، غني بالوقائع الغريبة والطريفة، وحافل بالأخبار المتواترة والقصص المتناثرة والأساطيرالمهاجرة، من جغرافيا الى إلى أخرى، في رحاب العالم القديم، الذي طرق الرحالة العرب والمسلمون، دروبه الوعرة، بهمة المغامرين وقدرات العلماء ومخيّلات الأدباء، فا2ستحقّوا أن يكونوا رواداً غير مسبوقين، وباحثين عن المعرفة من طراز قلّما عرف له العالم مثيلاً’لأن حكايات الرحالة:’ ترصد الجانب الأدبي في نصّ الرحلة، وتسعى الى تقديم نماذج من أفضل ما أبدعته مخيّلة المسافرين وأكثرها تشويقاً، ما رأوا في تجوالهم وما سمعوا من الناس، هنا وهناك، في أقاليم العالم القديم، وما ابتكرته مخيّلاتهم أيضاً، وكان جزءا من نصوص رحلاتهم، ومستوى من مستويات النص الرحلي’.إنّ ما دفع الشاعر علي كنعان، الى العمل، في رحلة إبن بطوطة، عوامل فنّية ، تتعلق بجوهر الكتابة الإبداعية، ويتجاوز البعد التاريخي أو الجغرافي أو العجائبي فيها، إذ لم يجدها نصّاً مغلقاً، سكب فيه الكاتب كامل تجربته وبلغ نهايته، مستوفياً جميع شروطه وجزئياته وشوارده، بل’ تركه مفتوحاً لقارئه، حتى يضيف إليه ما يشاء من تجربته الخاصة، ويستكمله معه، كما يفعل الروائي الياباني’ وكذلك ، ما رأى معدّ الحكايات، في أحاديث الرحالة الكبير ‘ من طلاوة ومتعة غزارة التنوّع وسرعة الإنتقال من موضوع الى آخر ومن حالة الى حالة مختلفة وكأنه يقتدي بالجاحظ ، ليبعد الرتابة والملل عن قارئه’ وهو إذ يعيد قراءة الرحلة، في استخلاص حكاياتها، يرى في قراءته هذه ما هو إغناء لكل ما جاء في القراءة الأولى، قراءة النص البطوطي.إن الحكايات المستخلصة ، كما هي في’ غرائب الأسفار’ لم تكن مجرد قراءة، للمعّد حسب، بل هي قراءة ثانية، للمتلقّي الذي قرأ نص الرحلة، كما كتبها إبن بطوطة ، حيث يقترب القارئ، بوضوح وسلاسة وتركيز، من اليومي والثقافي والاجتماعي، على امتداد الأمكنة التي ارتادها الرحالة الكبير، في زمن له خصوصياته، ليس في التاريخ العربي الإسلامي حسب، بل في التاريخ الإنساني، حيث يتجاور الواقع والخيال و’ يتقاطعان في كثير من الحكايات’ سواء ما سمعها من أفواه الآخرين او ما شهدها بنفسه، وفي زمن له تقاليده في الكتابة، التي يحرص فيها الكاتب على اشتغال مخيلته، بل مخيّلات رواته، وما ينسب إليهم، لصالح ما هو واقعي، حتى وإن عرف الآخر، إنّه واقع متخيّل، فيحرر معد الحكايات ، النص البطوطي الأول، من تقاليد عصره في الكتابة، وفي القراءة أيضاً، حيث كان القارئ، في حواره مع مخيّلة الكاتب، يتواطأ على أن يرى فيها الواقع، حتى لو تخيَّله بشيء من التعسّف.ورغم ان الحكايات، كما في’غرائب الأسفار.. حكايات إبن بطوطة مستخلصة من رحلته’ لم تبتعد عن النص البطّوطي، لكن مجرد هذا الاستخلاص من نص الرحلة، جعلها تنتسب الى زمن ثقافي، هو غير زمن كتابة الرحلة، وانفتحت على زمن قراءة جديد، إذ صارت ألصق بالنص الإبداعي، وأبعد عن النص التاريخي- الجغرافي، فقد قرأت الحكايات كما أقرأ نصّاً إبداعياً، وكنت قرات الرحلة، على أنها نص تاريخي جغرافي، تتخلله تداخلات سيّرية، ورأيت المتخيّل فيها، من بعض تقاليد الكتابة وقتذاك.لقد أشار علي كنعان، الى المنهج الذي أنجز من خلاله مشروعه هذا، فلم يتدخّل في صيغة الحكاية، محيلاً عدم تدخله الى أهمية النص ومكانة صاحبه و’ التزاماً بالأمانة العلمية والحفاظ على جلال التاريخ’ وإن اضطّر أحياناً، لحذف عبارات أو إضافة شخص أو مكان’ بغية التوضيح أو الترابط الذي يقتضيه السياق’. كما آثر أن يترك’ بعض الحكايات ، تبدأ بحرف العطف’ و’ أو’ ثمّ’ كما وردت في النص، لكي أحافظ على إيقاع الحركة وأذكِّر بالسفر المتواصل’.ومايقوله علي كنعان، بشأن الأمانة العلمية، وقد التزم بها، لم تتقاطع مع الأمانة الإبداعية، حيث كان المنهج الذي اختاره، قد أنتج ، قراءة جديدة، إن لم نقل، نصّاً جديداً.أما ترتيب الحكايات، فقد جاء حسب تسلسل ورودها في النص، رغم ملاحظته التي يقول فيها:’ كان المفيد، أن أضعها، عملاً بمنهج مختلف، حسب موضوعاتها، أو حسب المدن والأقاليم التي جرت فيها، لكنّي آثرتُ أن أتركها هكذا، ليسهل على القارئ الرجوع الى مواضعها في النص إن أراد’، كما يقول:’ تيسيراً للقارئ وضعت عناوين فرعية داخل الحكايات الطويلة’.وأرى إن عمله بمنهج الالتزام بتسلسل الحكايات، كما وردت في نص الرحلة البطوطيّة، كان موفَّقاً، إذ لا يترك فراغاً في ذهن المتلقّي بين الحكاية وموقعها وزمنها في النص، ومما انتهيت إليه في قراءة الحكايات المستخلصة، التي بلغت أربعمائة وعشرين حكاية، ان إحساسي، يتوزّع بين ماهو واقعي ومتخيل في الروايات، وبين ما يشكّل إضافة الى ما سبق أن قراته في نص الرحلة، بل لقد قرّبتني الحكايات أكثر فأكثر، الى عوالم الرحلة، بأبعادها الجغرافية والتاريخية والإجتماعية والثقافية، مما رأى الشيخ الطنجي، وما سمع، مما هو واقعي ومتخيّل في رواياته.إن قارئ الرحلة، لطالما انغلق على موقف نقدي، في قبول المروي المتخيّل فيها، والتعامل معه من خلال إحالاته النصيّة، بينما ينفتح قارئ الحكايات على آفاقها، وتقبّلها بوصفها الحكائي الإبداعي، من دون تشدد، ومن نماذج الحكايات التي استخلصها المعدّ ، سأختار ثلاث حكايات، لتقريب طبيعة الكتاب قارئي المقالة، ممن لم يطلعوا على الكتاب، أحاول فيها التنويع، مع إدراكي، بأن مثل هذا الاختزال لايمكن أن يكون بديلاً عن الكتاب.جاء في ص69 بعنوان’ حمّامات بغداد’ ..’ وحمّامات بغداد كثيرة وهي من أبدع الحمامات، وأكثرها مطلية بالقار مسطحّةً به، فيُخيَّل لرائيه إنه رخام أسود، وهذا القار يجلب من عين بين الكوفة والبصرة تنبع أبداً به، ويصير في جوانبها كالصلصال، فيجرف منها ويُجلب الى بغداد، وفي كلّ حمّام منها خلوات كثيرة، كل خلوة منها مفروشة بالقار، مطلي نصف حائطها مما يلي الأرض به، والنصف الأعلى مطلي بالجص الأبيض الناصع، فالضدان بها مجتمعان، متقابل حسنهما، وفي داخل كل خلوة حوضان من الرخام فيه أنبوبان، أحدهما يجري بالماء الحار والآخر يجري بالماء البارد، فيدخل الإنسان الخلوة منها منفرداً لا يشاركه أحدٌ إلاّ إن أراد ذلك، وفي زاوية كلّ خلوة أيضاً، حوض آخر للاغتسال، فيه ايضاً انبوبان يجريان بالحار والبارد، وكلُّ داخلٍ يُعطى ثلاثاً من الفوّط، إحداهما يتزر بها عند دخوله والأخرى يتّزر بها عند خروجه، والأخرى ينشّف بها الماء عن جسده، ولم أر هذا الإتقان كلّه في مدينة سوى بغداد>’وجاء في ص173 بعنوان’قطب الدين النيسابوري”وصلنا الى مدينة نيسابور، وهي إحدى المدن الاربع التي هي قواعد خراسان، ويقال لها: دمشق الصغيرة، لكثرة فواكهها وبساتينها ومياهها، وحسنها، وتخترقها أربعة من الأنهار، وأسواقها حسنة متسعة، ومسجدها بديع، وهو في وسط السوق، ويليه أربع من المدارس يجري بها الماء الغزير، وفيها من الطلبة خلق كثير، يقرأون القرآن والفقه، وهي من حسان مدارس تلك البلاد، ويصنع بنيسابور ثياب الحرير من النخ والكمخاء وغيرها، وتحمل منها الى الهند، وفي هذه المدينة زاوية الشيخ الإمام العالم القطب العابد ، قطب الدين النيسابوري أحد العلماء الوعاظ الصالحين، نزلتُ عنده فأحسن القرى وأكرم، ورأيت له البراهين والكرامات العجيبة.كنت قد اشتريت بنيسابور غلاماً تركيّاً، فرآه معي فقال لي: هذا الغلام لا يصلح لك، فبعه، فقلت له: نعم، وبعت الغلام في غد ذلك اليوم، واشتراه بعض التجار، وودعت الشيخ وانصرفت، فلما حللت بمدينة بسطام، كتب إلي بعض أصحابي من نيسابور، وذكر ان الغلام المذكور قتل بعض أولاد الأتراك وقُتِلَ به، وهذه كرامة واضحة لهذا الشيخ رضي الله عنه’.وجاء في ص 430 بعنوان’ الرُخ وشبح الهلاك”ولما كان في اليوم الثالث والأربعين، ظهر لنا بعد طلوع الفجر جبلٌ في البحر، بيننا وبينه نحو عشرين ميلاً، والريح تحملنا الى صوبه، فعجب البحريّةُ وقالوا:لسنا بقرب من البر، ولا يعهد في البحر جبلٌ، وإن اضطرتنا الريح إليه هلكنا، فلجأ الناس الى التضرّع والإخلاص، وجددوا التوبة، وابتهلنا الى الله بالدعاء، وتوسلنا بنبيه صلى الله عليه وسلّم، ونذر التجار الصدقات الكثيرة، وكتبتها لهم في زمام بخطّي، وسكنت الريح بعض سكون، ثمّ رأينا ذلك الجبل عند طلوع الشمس قد ارتفع في الهواء، وظهر الضوء فيما بيننا وبين البحر، فعجبنا من ذلك، ورأيت البحريّة يبكون ويودعون بعضهم بعضاً، فقلت: ما شأنكم؟فقالوا: إن الذي تخيّلناه جبلاً هو الرخ، وإن رآنا أهلكنا ، وبيننا وبينه إذاك أقل من عشرة أميال، ثم إن الله تعالى منَّ علينا بريح طيّبة صرفتنا عن صوبه، فلم نره، ولا عرفنا حقيقة صورته، وبعد شهرين من ذلك اليوم وصلنا الجاوةَ، ونزلنا الى سمطرة، فوجدنا سلطانها الملك الظاهر قد قدم من غزوة له، وجاء بسبي كثير، فبعث لي جاريتين وغلامين وأنزلني على العادة، وحضرت عرس ولده مع بنت أخيه’.ويبدو لي، من خلال الحكايات الثلاث، رغم ما أشرت إليه من قبل، بشأن ما تؤدي إليه من اختزال، انَّ بإمكان القارئ، إدراك بعض سمات النص البطوطي، ومنها المساحات الواسعة التي شكلّت جغرافية رحلته، وماضمَّ النص، من وصف البلاد التي مرّبها، وشواخصها وأحداثها، كما يمكن إدراك عمل المخيّلة، كما هي حكاية الرخ، التي ستنتقل بشكل او بآخر الى الحكاية الشعبية، ومن ثمّ الى نصوصها المكتوبة، ومنها ما جاء في حكايات الليالي العربية، كما في رحلات السندباد البحري.