محمد حصحاص لم أرد أن يمر العام الميلادي الاول من العقد الاول من الالفية الثالثة دون أن أدون كلمات للتاريخ أتذكر بها أحداثا مضت وأخرى تمضي وأنا خارج البلاد العربية التي تسكنني بشكل كبير. ولا أنسى أنني كتبت مدونة في ديسمبر2010 أستشرف فيها نهضة عربية ثانية تفتح للعربي عالما أكثر انفتاحا وثمارا وجمالية، بعد محاولة النهضة الاولى بعد منتصف القرن التاسع عشر. وكنت قد كتبت قبلها مدونة من مهد النهضة الاوروبية مدينة فلورنس الايطالية في شهر أبريل من سنة 2010 حالما بعالم عربي جديد. وأكيد أنني لست الوحيد الذي يحلم بالجديد في عالم ليس فيه الا القديم. مرادي من القول هنا ليس سردا ذاتيا وانما لأقول بأن للثورة بذورا وتاريخا، حاضرا ومستقبلا، بدايات ومسيرات ونهايات. لكن الأهم ليس أحداث الثورة بل روحها التي تمضي في الزمن والمكان الى المستقبل. تولد الثورة في الداخل وتسري ثمارها في الخارج. تتشابك العوامل الفردية والجماعية مع الاقتصادية والثقافية والدينية داخليا لتولد روحا ساخطة عن الوضع الذي يستمر عبر عقود من الزمن. قد تحدث هزات ضعيفة واحتجاجات طفيفة متفرقة للتعبير عن هذا السخط الاجتماعي فيتشكل تدريجيا في الوعي الجمعي نوع من التعاطف الداخلي حول وجوب الاحتجاج والتغيير، لكن قوة النظام السائد وضعف التأطير وغياب الظرفية المناسبة تجعل من التغيير الكبير واقعا صعب المنال. لا تولد الثورة نتيجة عوامل مساعدة داخلية فحسب. بل ان العوامل الداخلية يتم مقارنتها بالدول والاتحادات الخارجية المجاورة وغير المجاورة الاكثر تقدما فيصبح للثورة أهدافا أكثر وضوحا لأن المراد أصبح معلوما لدى العامة التي تطمح لعالم أكثر عدلا، فيه من الحقوق الاساسية والرفاهية ما يكفي لعيش سديد، لا ينتهي عند حرية الحياة، بل يرمي الى حرية أكثر انسانية حيث الحياة تبدو أكثر جمالية، بحريات فردية أكثر اتساعا في محيطها، وصحة أكثر من كونها صباغة الجرح باللون الاحمر، وتعليما متقدما أكثر مواجهة ومواكبة لتحديات العالم المتقدم، وسكنا أكثر دفئا وحضنا لا لأجسادنا فحسب بل لمكتبات منزلية وبيوت يصلها الغاز عبر الانابيب لا عبر القنينات، واقتصادا أكثر قوامة لحياة يصل فيها المتعلم بتعليمه والمحترف بحرفته وليس السليل بنسبه، وسياسة أكثر جدية وشفافية. ان المقارنات لا تنتهي. العالم الحالي رغم اتساع جغرافيته وهوته بين الغني والفقير، الا أن نفس هذه الفوارق أصبحت قريبة من المواطن العادي وحتى الفقير بوسائل الاتصال التي غزت كل البيوت، ووسعت من أحلام البسطاء. ان الثورة توسع من أحلام الجميع، ما عدا النظام الحاكم المستبد الذي تضعف أحلامه وتتلاشى مع نجاح الثورة. صحيح أن الخارج يحاول أن يكون أكثر من ملهم طمعا في ركوب الثورة وتوجيهها حسب أطماعه الا أن الثورة القوية التي تستند الى تاريخ وفكر وتيارات داخلية مختلفة تستطيع أن تواجه طمع الخارج والتعامل معه ليس من باب الضعف والتقليد ولكن من باب المساواة في الاعتبار الذي يجلب الاحترام للثورة ولأصحابها، لتاريخها ووطنها. ان من أهداف الثورة رد الاعتبار للفرد داخليا، فيصبح فردا حرا مسؤولا ومشاركا في بناء الوطن، وخارجيا، فيصبح الفرد فخورا بوطنه وأكثر حنينا اليه اذا ما خرج منه، كما أن اعتباره يكبر في عين الاخر الاجنبي الذي طالما رأى بعين الانتقاص الى الداخل المنكسر والضعيف.فهل كل مواطن في البلد الذي يعيش الثورة يعتبر ثائرا وبذلك فالجميع لهم الحق في الاستفادة من ثمار الثورة؟ ليس كل من في البلد الثائر ثائرا. فالطبقة المستفيدة من نظام الاستبداد تخاف على مصالحها ومن محاكمات بعد الثورة، بمعنى أنها سوف تحاول اما عدم المشاركة في التغيير أو التحريض ضده، وقد تطلب العون من الخارج في سبيل ذلك. لكن اجمالا، اذا كانت الثورة جذرية فانها مع مرور الوقت ستتأثر ايجابا حتى في من خذلوها في بداياتها، لأن الثورة الحقيقية لا تقصي أحدا، الا من يقصي ذاته. ان الثورة، كما سيتم قول ذلك أسفله، ترمي الى اعطاء الفرد حرية المبادرة مما يعني أنها لا تستثني أحدا، وتعطي الفرصة للجميع للمشاركة في الثورة واستمراريتها. ان أهم ما يميز الثورة تاريخيا ليس الاحداث الصغرى التي قد تحدث في البداية يوميا، وهذا لا يعني استصغار هذه الاحداث. ان المراد هو معرفة أهم مميزات الثورة الكبرة التي تقطع بينها وبين حاضر أو ماض معين شابه ما شابه من فتور وضعف على كل المستويات. اذا كان كل ماضي البلاد الثائرة ضعيفا وغير ذي ثقل فكري وفلسفي مميز تاريخيا فان المجتمع الثائر يصبح أكثر عرضة لتقليد المجتمعات المتقدمة التي يحاول سير ركبها. أما اذا كانت المجتمعات الثائرة ذات تاريخ متميز على مختلف الاصعدة فإن هذه المجتمعات تحاول في ثورتها المزج بين ماضيها وثقافتها التي تفتخر بها وبين حاضر المجتمعات المتقدمة التي تريد أن تستفيد من مميزاتها للنهوض بذاتها، وهذا النموذج من الثورة هو ما ألاحظه اجمالا في البلاد العربية الاسلامية المتعددة الايديولوجيات والعقائد الدينية. فرغم اختلاف التيارات المساهمة في الثورة العربية التي ما تزال في أشواطها الاولى، الا أن التاريخ العربي والاسلامي ما يزال حاضرا، والثورة اجمالا ترمي الى السير به لا السير بدونه الى المستقبل، رغم وجود أصوات ترمي الى القفز على التراث، أصوات تواجهها طبيعة المجتمع الذي يريد أن يمشي نحو الامام دون القطع قطع السيف مع الماضي. وهذا ذاته ما يصعب (بضم الياء) من مخاض الثورة: كيف يمكن المزج بين ما يميز المجتمعات الحداثية والمجتمعات التقليدية؟ ليست هذه السطور للخوض في شائكية هذا الموضوع، لكن يكفي هنا التلميح اليه مرورا. ان مخاض الثورة بعد لهيبها الاول الذي يطيح برؤوس النظام البائد يصبح أكثر عسرا لأن تيارات متعددة تخرج للعلن خلال هذه المرحلة الاولية الثانية، فتنتج اختلافات بين رواد الثورة وبسطاءها قد تؤدي الى مواجهات دموية أحيانا. في نفس هذه المرحلة تتضح أكثر مطالب الشعب وباقي التيارات لأنها أصبحت أكثر قربا من السلطة بعد زوال رؤوس النظام، وبقاء مخلفاته التي جمعتها عقود من الزمن.تصبح الثورة ثورة يذكرها التاريخ عندما تقع متغيرات على مختلف المستويات، مخلفات يحس بها جميع أفراد المجتمع. تقع تخفظات وتسجل لحظات قلق مع بدايات الثورة. نفس الشيء يقع مع مرور الوقت، حيث تكبر طلبات المواطنين وتطرح للبرلمان وتناقش، وقد يصادق عليها أو لا، اعتبارا أولا للتأويل الذي يعطيه المشرع لبنود الدستور، وثانيا تماشيا مع أولويات النظام الجديد الذي اختارته الثورة بعد النظام البائد. لا أرمي الى الخوض في التفاصيل. كل ما أرمي اليه هنا هو أن الثورة تلخص مع الوقت في دستور تصوت عليه الاغلبية في الاستفتاء، مع العلم أن الأقلية قد تكون نسبة مهمة، مما يعني أن من الثوار من لم يصادق على الدستور لتحفظات معينة. كما أن القوانين التي تصدر بعد الدستور يتم أحيانا مسايرتها للفعل السياسي اما حسب الأولويات والامكانيات المتاحة للاغلبية، واما حسب تأويلات جديدة تواكب مطالب الشعب بعد الثورة. وبما أن الثورة تصبح تاريخا محددا، فان ملامحها فقط هي ما يسير في الحاضر والمستقبل. انها روح الثورة هي التي تسير بعد بدايتها الى المستقبل.فما روح الثورة العربية الحالية؟صعب أن توجزالثورة في كلمات لان لكل ثائر عربي ومشاهد أجنبي تأويلات حسب منطلقاته ومشاهداته لواقع العالم العربي وما كان له وما سيكون من تأثيرات وطنيا واقليميا ودوليا. ان روح الثورة أكبر من أن توجز، لأنها تمس كل الافراد على كل المستويات. فكما الروح داخل جسم كل الانسان فكذلك هي روح الثورة: يصعب ايجاد تموضعها. انني لا أقصد بالروح هنا الاسباب وراء اندلاع الثورة، بل تلك القوة الداخلية التي تدفع الثائر ليجابه المدفعية والرشاشات بجسده دون خوف. ان الثورة تصنع عندما تصبح روح الانسان ذاتها مساوية لروح الثورة، بحيث تدفع الاولى بذاتها الى الزوال لكي تحيى الثانية. فلا يستقيم الاستقلال من الاستعمار بدون دم المناضلين من أجله، ولا يقام أي دين أو نظام سياسي بدون زوال روح الانسان في سبيل الثورة (وقد يدفع بالابرياء أحيانا الى الاستشهاد من أجل ثورة ما وهي مبنية على أوهام أو على غير حق). ان الروح التي تدفع الى الثورة هي ذاتها روح الحرية التي تدفع الى التغيير. الثورة حرية. وكما لكل فرد وتيار تفسير لمعنى الثورة فكذلك بالنسبة للحرية. واذا كان جوهر الثورة هو الفرد فنفس الشيء يقال عن الحرية. ان جوهر الحرية هي الفرد المسؤول الذي فهم أفق حرياته وما يقابلها من مسؤوليات. وقد حددت في مقال اخر ثلاثة أنواع من الحرية: حرية الجسد التي يسعى اليها الفرد العادي، وحرية الفكر التي يسعى اليها المفكرون والفلاسفة، وحرية الروح التي يسعى اليها العقلاء والحكماء. وقلت أن الثورة العادية، أي السياسية، لا تعدو كونها تلبي حرية الجسد والفكر، أما حرية الروح فهي للافراد وحدهم ليكتشفوها لانها أكثر صعوبة وأعلى درجة في الانسانية. ان روح الثورة هي التي تبقى وتغير المجتمع عبر الزمن لانها منارة الساهرين على المجتمع كما هي كذلك بالنسبة للبسطاء الذين يستنيرون بروحها. ان أهم ما يميزهذه الروح هي رد الاعتبار للفرد وحفظ حقوقه وعرضه الانساني كفرد ومواطن مستقل، مع انفتاح كبير على العالم. ان ما يمز الاديان والثورات المبنية على العقل والايديولوجيا هي أنها أعطت لهيبا أجج حركية الانسان في وقت من الاوقات وأثر هذا اللهيب في سيرورتها وسيرورة التاريخ. عمليا، تتجلى هذه الروح في العمل والحركية لاحياء حركة المجتمع ودراسة تاريخه وحاضره واستشراف مستقبله وعلاقاته مع العالم، وبسط سيطرته عليه أحيانا، كل ذلك استنادا الى منظور معين للعالم، سواء كان هذا المنظور مبني على الفكر الانساني فحسب، أو على عالم غيبي يديره اله أو لهة. عندما انطفأ هذا اللهيب، لم تبق الا القشور التي تدل على حدوثها في غابر الازمان. ان روح الثورة العربية الحالية تتغذى بروح الحرية من جديد، ولا تريد بأي حال من الاحوال أن تعيش على نفس النمط الذي تعيشه منذ قرون، وليس فقط عقود. ولأن روح الحرية منفتحة على تيارات كثيرة قد تتضارب في قيمها ونهاياتها أحيانا، فان هذا ينعكس على روح الثورة. صحيح أنه لا يجب تكبيل الامال والاحلام منذ البداية، لكن التحدي الذي سيواجه الثورة العربية سيكون أكبر مستقبلا. اذا كانت الترتيبات السياسية والاقتصادية هي الحلول العملية الراهنة لإعادة ترتيب البيت الداخلي الآن، فان الترتيبات المستقبلية تتعدى ذلك. انني أعني بذلك الروح الأسمى للثورة، أي الانسان بحد ذاته. كيف سيؤول مستقبل الانسان العربي، وكيف ستكون علاقاته بالآخر وبالعالم؟ ان هذا السؤال جوهري لأنه يحاول سبر جوهر الانسان وحركيته ووجوده في التاريخ، في الزمان والمكان. ان التحديات المادية والاقتصادية التي تواجه الانسان العربي الآن قد تلهيه عن طرح هذه الاسئلة خاصة وأننا قلنا بداية بأن الثورة حرية، والحرية أنواع، ونوعيها الأولين هما الاكثر تداولا لدى البسطاء والنخبة، أما النوع الثالث فهو الاكثر تحديا لانه يأتي بعدهما، بعد أن ينضج المجتمع وتتحقق له حياة كريمة تسمح له برفع مستواه الفكري الى ما هو داخلي، وقيمي، أي ما هو متعلق بالروح وبالانسان ككائن له حضور ورسالة. ان غابت هذه الروح غابت مع الزمن حرية الجسد والفكر، وانتهت مع غيابها الثورة. ان الثورة تتطلب أفرادا نشيطين همهم الاكبر حفظ قيمة الانسان والعلو بها. ان الثورة هي ثورة الانسان من الداخل نحو عالم أكثر عدلا وجمالا، وأي ثورة لا ترمي الى ذلك فلا روح لها ولا مستقبل لها ولا التاريخ يكتب عنها في أولى صفحاته، بل في هامشها فحسب. ‘ جامعة كوبنهاغن – الدانمارك