سؤال اليوم والغدّ: أيّ دور لمحور المقاومة في الجولة المقبلة؟

حجم الخط
3

المقاومة في فلسطين بادرت وانتصرت. قادة فصائلها المقاتلة أعلنوا ذلك بقوة وثقة. الشعب الفلسطيني، بوحدته ومشاركته الواسعة في الكفاح والمواجهة، أكّد الانتصار، بدليل احتفاله به بفرح عظيم. العرب في وطنهم الكبير ابتهجوا واحتفلوا أيضاً.. كذلك فعل المسلمون في دول عدّة. العالم، بصورة عامة، اعتبر الفلسطينيين منتصرين في جولة القتال الأخيرة. المقاومة أعادت، حصيلة ذلك كله، لقضية فلسطين مركزيتها وصدارتها، ودشنّت انتقالها والمنطقة برمتها من زمن إلى آخر.
بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة «إسرائيل» ادّعى أن «العملية الأخيرة في قطاع غزة تُوّجت بنجاح منقطع النظير، وأسفرت عن توجيه ضربة قوية إلى حركة حماس». جمهور الكيان الصهيوني لم يتقبّل هذا الادعاء، بدليل أنه لم يبتهج، أو يحتفل بما انتهت إليه حرب «إسرائيل» الرابعة على قطاع غزة. لعل الموقف الحقيقي للجمهور الصهيوني عبّر عنه إيتي بارون نائب رئيس معهد دراسات الأمن القومي، بقوله («مباط عال» العدد 1469، 20/5/2021) «إن الجمهور في إسرائيل محبط من استمرار إطلاق الصواريخ، ومن عجز الجيش عن منع ذلك، ومن عدم تحقيق انتصار إسرائيلي واضح وقاطع، إذ كانت وتيرة الأحداث في هذه العملية أسرع مما كانت عليه في المواجهات السابقة. من هنا أيضاً الشعور بالمرارة الذي سارع هذه المرة إلى الظهور». ماذا بعد؟ وكيف يمكن أن يتصرف اللاعبون الإسرائيليون والفلسطينيون والعرب والإقليميون والدوليون؟

انتصار المقاومة لم يوحّد الشعب الفلسطيني فحسب، بل عبّأ أكثريته الساحقة ضد كل مشاريع الإخضاع والتسوية

«إسرائيل» بجميع أطرافها، تبدو منهكة ومحرجة سياسياً وأمنياً. فهي تعيش أزمةً سياسية حادّة عنوانها العجز عن تأليف حكومة متجانسة رغم إجراء أربعة انتخابات عامة في مدى سنتين، والخامسة تلوح في الأفق. إلى ذلك، لا يبدو نتنياهو، رغم فشله الثابت في حربه الأخيرة على غزة، عازماً على التنحي عن رئاسة الحكومة، أو الامتناع عن خوض الانتخابات مجدداً، إذا تعذّر على غريمه يائير لبيد تأليف حكومة جديدة، لذا اختار موقف التشدد مع المقدسيين صبيحةَ اليوم الأول لإعلان الهدنة، إذ أقدم رجال شرطته القمعية على اقتحام الحرم القدسي الشريف بعد صلاة الجمعة واعتدوا على مصلين واعتقلوا آخرين، كما نكّلوا بمتظاهرين مبتهجين في حي الشيخ جراح. صحيح أن سياسة «إسرائيل» الرسمية سوف تتحدد في ضوء موقف الرئيس جو بايدن مما جرى أخيراً، ودعوته إلى اعتماد «حل الدولتين» لاحتواء الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، وفي ضوء الاتصالات التي سيجريها منتصفَ هذا الاسبوع وزير خارجيته انتوني بلينكن في «إسرائيل» وعواصم دول المنطقة، لكن الأرجح أن الكيان الصهيوني، أياًّ مَن سيكون على رأس حكومته، سيبقى متشدداً وعدوانياً في مسألة القدس، بما فيها قضية الحرم الشريف ومسألة حي الشيخ جراح، خصوصاً أن أحزابه السياسية المتصارعة تجد نفسها على عتبة انتخابات خامسة، وليس من مصلحتها أن تبدو متهاونة في مسألة القدس أمام جمهورها الحانق والمتعصب.
الفلسطينيون جميعاً صف واحد في اعتبار القدس عاصمة فلسطين الأبدية، ويدافعون بعنف عن الأقصى وسائر الأماكن المقدسة، كما عن حقوق أصحاب المساكن الفلسطينيين في حي الشيخ جراح. إلى ذلك، فإن انتصار المقاومة في المواجهة الأخيرة لم يوحّد الشعب الفلسطيني في جميع أنحاء ترابه الوطني فحسب، بل عبّأ أكثريته الساحقة أيضاً ضد كل مشاريع الإخضاع والتسوية كـ»صفقة القرن» و»حل الدولتين» و»الدولة الواحدة التي يتساوى فيها المواطنون اليهود والعرب» والاستيطان، والتطبيع وما إلى ذلك من التخريجات المشبوهة. غير أن المسألة الأكثر تعقيداً وأهمية هي مواقف مختلف القوى الإقليمية مما تعتزم واشنطن تسويقه من مشاريع احتواء وتسوية للصراعات المحتدمة في المنطقة. ما يهمّ المقاومة الفلسطينية وأنصارها في عالم العرب هو موقف محور المقاومة بكل أطرافه من الاحتلال الاسرائيلي، ومن سياسة ادارة الرئيس بايدن، خصوصاً بعد المواجهة الأخيرة وتداعياتها الأمنية والسياسية.
لا غلوّ في القول إن انتصار المقاومة في المواجهة الأخيرة «سيف القدس» دشّنت زمناً جديداً في المنطقة عنوانه نشوء ميزان قوى مائل لمصلحة دول محور المقاومة، ما يعزز ضرورة الانتقال من مرحلة القبول، ضمناً أو علناً، بتسويةٍ تصفويةٍ مع الكيان الصهيوني، إلى مرحلة تعزيز المقاومة لتحرير كامل فلسطين التاريخية. هذا التطور البازغ في ميزان القوى، وفي مفاعيله الفلسطينية والإقليمية يعزز بالضرورة مساراً سياسياً ونضالياً متدرجاً، وبالتالي متطلّباً قرارات وإجراءات سياسية وميدانية لها المضامين الآتية:
أولاً: الارتقاء بمنظمة التحرير الفلسطينية من مجرد «حكومة» وكيلة لسلطة الاحتلال نتيجةَ اتفاقات أوسلو التصفوية، إلى كيان سياسي تمثيلي لكل الشعب الفلسطيني في شتى مناطق وجوده، تنبثق منه قيادة سياسية وعسكرية، تدير مقاومة مدنية وميدانية ضد الاحتلال الإسرائيلي لغاية التحرير الناجز والكامل.
ثانياً: إلى أن تتمّ إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بالصيغة الثورية المرتجاة، يُصار إلى التوافق بين مختلف فصائل المقاومة، على إنشاء هيئة قيادية عليا مؤقتة لإدارة الصراع السياسي والعسكري ضد العدو الصهيوني في المرحلة الانتقالية.
ثالثاً: تتحالف الهيئة القيادية الفلسطينية المؤقتة مع أطراف محور المقاومة، منفردين ومجتمعين، في كل ما من شأنه تعزيز الكفاح والمواجهة ضد الكيان الصهيوني وحلفائه لغاية تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني من الاحتلال.
رابعاً: يستوجب التحالف بين الهيئة القيادية الفلسطينية المؤقتة (وتالياً منظمة التحرير بعد إعادة بنائها) اتخاذَ قيادة محور المقاومة، بلا إبطاء، قراراً بتوحيد وتفعيل جبهات المواجهة على الحدود، بين دول المحور وفلسطين المحتلة في جميع الجهات المتاحة.
خامساً: مبادرة أطراف محور المقاومة (بما فيها الطرف الفلسطيني) منفردين ومجتمعين إلى التواصل والتوافق مع الدول العربية والإسلامية وغيرها من دول العالم، على تأمين مستلزمات الدعم الاقتصادي والاجتماعي لإعمارالمناطق والمباني المدمرة في قطاع غزة، وتوفير العون المادي والصحي والغذائي لشعبه الصامد.
سادساً: عدم الموافقة على أي اتفاق ثنائي أو قرار دولي يتعلق بقضية فلسطين، إلاّ بعد مناقشته واتخاذ موقف متفق عليه ضمن القيادة الموحدة لأطراف محور المقاومة.
سابعاً: إقامة هيئات ولجان شعبية ودبلوماسية مشتركة للدفاع عن قضية فلسطين، بما هي قضية تحرير وعودة الفلسطينيين إلى وطنهم الأصلي والأصيل، في مختلف الدول والساحات، وبالتعاون مع المنظمات الدولية السياسية والاقتصادية والاجتماعية ذات الصلة.
أخيراً وليس آخراً، ليكن واضحاً أن فعالية المقاومة ونجاحها داخل فلسطين يتوقفان من الآن فصاعداً على مدى فعالية دور محور المقاومة في الجبهات الموحدة على الحدود البرية والبحرية والجوية مع فلسطين المحتلة. هذا هو معيار الجدّية والفعال.
كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول دكتور عبدالله محمد عيسى~الولايات المتحدة:

    شكرا يا اخ عصام لمقالاتك التي اقراءها في القدس العربي. اذكرك اذ كنا طلاب في الجامعة الاميريكية في اواخر الخمسينيات من القرن الماضي. ولك تحياتي

  2. يقول العربي:

    وهل هناك محور ممانعة

  3. يقول سناء:

    فتح القدس عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
    بنى عمر بن الخطاب المسجد القبلي ضمن حرم المسجد الأقصى
    جدد معاوية بن ابي سفيان المسجد الأقصى وجعل المسجد القبلي يتسع ل٣٠٠٠ مصلي.
    حرر صلاح الدين القدس من الصليبيين.
    لا اصدق من لم يحترم هؤلاء سيحرر القدس.

اشترك في قائمتنا البريدية