ستانلي كوبريك: المخرج السينمائي الذي لم يتعلم كيفية المساومة

حجم الخط
0

محمد بنعزيز أثناء دراسته الثانوية كان يدخل السينما ثماني مرات أسبوعيا فقرر ‘لن أستطيع إخراج فيلم أسوأ من تلك الأفلام التي أشاهدها’. كان يتغيب عن الدراسة ليشاهد الأفلام… يشاهدها كلها لأن فيها شيئا يجب تعلمه… نصب نفسه مؤرخا للسينما بفضل معرفته بماضيها… يشاهد الأفلام حسب تاريخ صدورها ليرصد التطورات… كان مصورا في مجلة لسنوات عدة… له معرفة دقيقة بعدسات التصوير تدرب على التحكم في الإضاءة… إنه صانع أفلام ولد من روح فوتوغرافية… طالع كونراد ودوستويفسكي وكافكا… ‘عندما بلغت السابعة عشرة قررت أن أصبح مخرجا سينمائيا، وكان السبيل إلى ذلك هو أن أقوم بتأليف وإخراج وإنتاج أفلامي الخاصة بي. كما أدركت أن هذا عمل شاق. فاضطررت إلى اختيار شيء أحبه جدا لأنني قد أقضي سنين طويلة في العمل عليه…’. كان كوبريك مصورا فوتوغرافياً صار مخرجا… تعلم النظام والصراع والتخطيط من لعب الشطرنج.. كان يسمح لنفسه بالاهتمامات التي يمكن أن تعمل بهدف واحد… حين أنجز فيلم ‘ القتل’ كان مخرجا ناشئا ليس لديه أوراق اعتماد ولا استوديو يدعمه… فيلم ‘ القتل’ جلب إليه كيرك دوغلاس وفيلم ‘دروب المجد’ جلب إليه مارلين براندو… كلهم يريدون العمل معه. في سن الثلاثين قال عنه كيرك دوغلاس: ‘سيكون مخرجا رائعا يوما ما إذا سقط يوما على وجهه ولو لمرة واحدة، لأن ذلك سيعلمه كيفية المساومة’. لم يسقط أبدا وآخر فيلم انجزه حصل على 37 مليون دولار في 55 يوماً.المساومة والتنازلات تضعف الفنمع الزمن، وبعد فيلم ‘ سبارتاكوس’ غيّر دوغلاس الأب رأيه وقال: ‘ لا ينبغي على المرء أن يكون لطيفا كي يكون موهوبا جدا… ربما تكون ألطف إنسان في العالم ولا تتمتع بشيء من الموهبة. كوبريك أخرق موهوب جدا’.وقال عنه براندو: ‘ إن ستانلي حاد الملاحظة بشكل غير عادي ومتآلف مع الناس برهافة ولديه ذكاء وفطنة شديدان، كما أنه مفكر مبدع لأنه لا يكرر الأفكار ولا يجمع الحقائق فقط. إنه يستوعب كل ما يتعلمه ويخرج بنظرة أصيلة في كل مشروع جديد’.ابتعد عن دوغلاس وبراندو لأنه رفض أن يكون مخرجا مأجورا في هوليوود ليحتفظ بالحرية الكاملة في أفلامه… قال عنه فريديريكو فيليني: ‘ إن كوبريك كان قادرا على جعلي أصدق ما أرى مهما كان خياليا’.أكد أورسن ويلز: ‘ ترك كوبريك فيّ أثرا خرافيا’… في 1975 دخل فتى عمره 15 سنة لمشاهدة فيلم ‘ أوديسا الفضاء’… وعندما خرج من قاعة السينما قال لنفسه:’ عندما شاهدت الفيلم أدركت أني أريد أن أصبح صانع أفلام’. وفي 1997 ظهر لذلك الفتى فيلم ‘ تيتانيك’ وفي 2009 ظهر له فيلم ‘ أفاتار’… ( من سيرة كوبريك التي ألفها Vincent LoBruo ترجمها علام خضر وصدرت ضمن سلسلة الفن السابع عن وزارة الثقافة السورية في دمشق 2005). مع شهادات كهذه، يشعر عاشق السينما بالرهبة… والشوق للاكتشاف… لذلك شاهدت ربع الساعة الأول من فيلم ‘ دروب المجد’ Paths of Glory عشرين مرة… ليتسنى لي فحص شقي الفرضية التي استخدمها LoBruo لتوثيق وتفسير سيرة كوبريك:يقول الشق الأول من الفرضية أن ( ولع كوبريك بالسينما الصامتة قد انعكس على أسلوبه في الإخراج)، ويقول الشق الثاني ( إن طبيعة ستانلي كوبريك التشاؤمية جرفته إلى الجانب المظلم من التجربة البشرية)، إلى الشر. لنحلل ‘ دروب المجد’ كنموذج ثم نعود لنص السيرة. في لقطة – مشهد طويلة plan- s’quenceيصل قائد أركان الجيش الفرنسي إلى مقر الجنرال ميرو، نكتشف روعة المكان دفعة واحدة… يدخل القائد قصر الجنرال. يطلب القائد من الجنرال خدمة ( شخصية؟)، يريده أن يهاجم خط الدفاع الألماني في منطقة حساسة خلال الحرب العالمية الأولى وبالضبط عام 1916. يرفض الجنرال لأن فيلقه منهار وغير مسلح وليس لديه غطاء مدفعي… نظرات الخبث في عيني قائد الأركان يدين نفسه بكلماته يوافق على ما لا يمكن تنفيذه ليحتفظ بمنصبه… يبتز الجنرال، يعرض عليه ترقية… يتغير موقف الجنرال ويتجه لساحة المعركة… ننتقل من قصر الجنرال إلى خنادق الجنود… يحث الجنرال العقيد داكس ( كيرك دوغلاس) على الهجوم للسيطرة على المنطقة الرئيسية في الدفاع الألماني… يطلب منه أن يهاجم دون أية تعزيزات… دون مدفعية… يرفض العقيد، ويكرر نفس الحجج التي سبق أن ذكرها الجنرال لرئيس هيئة الأركان… دون جدوى، يصر الجنرال على تنفيذ الهجوم غدا… يرفض العقيد… يبتزه الجنرال… يهدده بفصله عن جنوده وإرجاعه إلى الخلف… بعيدا عن ساحة المعركة… يوافق العقيد مضطرا… فيعرض الجنرال تقديراته للخسائر… سيقتل 5 ‘ ثم 10 فـ 20 ثم 25 ‘ من الجنود… وهذه حسبة على الورق… لتقرير مصير 8000 جندي… يرسل العقيد فرقة استطلاع لجمع المعلومات… لكن الرقيب الجبان السكير الذي يقودها يقتل جنديه… ويفر كأرنب.. أمام قوة المدفعية الألمانية، يخرج عقيد فرنسي مسلح بمسدس في هجوم عدمي… عدد من كبير من الجنود لم يتمكنوا حتى من مغادرة خنادقهم بسبب كثافة قصف المدفعية الألمانية… وماذا يفعل الجنرال أثناء هذا؟ يشرب ويسكي بعد أول طلقة… يقول المثل ‘ يجب أن نتبجح عندما نعود من الحرب وليس عندما نذهب إليها’… عندما فشل الهجوم أمر بقصف جنوده المتخاذلين بالمدفعية… رفض ضباطه تنفيذ الأمر… من ضمن الفرقة الاولى التي هاجمت نجا جنديان اثنان فقط… للتغطية على الهزيمة، يريد الجنرال إعدام مئة جندي لإعطاء العبرة بالمتخاذلين الذين لم يغادروا الخنادق… يعرض العقيد داكس أن يعدم هو، يرد رئيس الأركان ‘ الضباط لا’. بعد مساومة حقيرة تقرر انتقاء ثلاثة جنود، وأوكل لثلاثة رقباء انتقاء جندي ليعدم ويكون عبرة… الرقيب السكير قدم الشاهد على تقسيمه لوحدة استطلاع وعلى قتله لجندي وعلى فراره … رقيب آخر أجرى قرعة… القاضي اعتبر القرعة عادلة… جلسة محاكمة ذات طابع انتقامي… دون صك اتهام… الحكم معروف… المهم هو تقديم كبش فداء… بينما تجري الاستعدادات للإعدام كان الضباط يرقصون في حفل بهيج بفضل النساء… حينها جاء العقيد داكس إلى رئيس هيئة الأركان ليخبره أن الجنرال ميرو أمر بقصف جنوده… يستغل رئيس هيئة الأركان الحدث للتخلص من الجنرال… يعرض موقعه على داكس لأنه ‘ يجب ألا تسلم فرنسا جيشها لعقول ضعيفة’.يرفض داكس لأنه يريد إنقاذ الجنود وليس المنصب، فيصفه قائد الأركان بأنه مثالي غبي. اقتبس فيلم ‘ دروب المجد’ من رواية بنفس العنوان، وهنا يظهر العمق الأدبي في صياغة عظمة العمل السينمائي. دروب المجد مقتبس عن رواية عن واقعة حقيقية، لذا كان الفيلم مؤلما للفرنسيين فمنعوه لعدة سنوات. واضح في الفيلم أن كوبريك قد خطط لتسفيه الجيش الفرنسي على كافة المستويات. ما هي هذه المستويات؟رجعت لكتاب ‘ فن الحرب’ للجنرال الصيني Sun Tzuوفيه يؤكد أن الحرب هي القضية الكبرى للدول وهي مسألة حياة أو موت وتخضع لخمسة عوامل هي: Vertu- climat topographie – organisation – commandementالفضيلة، المناخ، الطبوغرافية، التنظيم والقيادة.والملاحظ أن كوبريك يدرك جيدا هذه العوامل وقد استخدمها كلها ضد الجيش الفرنسي. الفضيلة نادرة:يلوح قائد الأركان الخبيث بفرصة ترقية لجنرال انتهازي… يعده بنجمة زائدة على صدره… بعد مساومة محجبة بكلمات مبدئية ووطنية يتغير موقفه إلى النقيض… لدى الجنرال 8000 رجل يخطط لهجوم يموت فيه 6000 جندي من رجاله ليحصل على نجمة نحاسية… المناخ مضاد: جرى الهجوم في يوم بلا ضباب أو مطر كانت الشمس مشرقة لا مجال للتخفي، الجيش مكشوف للعدو. الطبوغرافية مكشوفة:يهاجم الجنود الفرنسيون على أرض منبسطة بلا أشجار مما مكن المدفعية الألمانية من سحقهم. التنظيم ضعيف:سرية قيادة الأركان مباحة… تنعدم الثقة بين الضباط… يزايد بعضهم على بعض في الوطنية، وهذه المزايدة هي التي تحكم قراراتهم العسكرية وليس حسابات توازن القوى على ارض المعركة… هناك أخطاء عسكرية: الخروج لجولة استطلاعية في حالة سكر، تقسيم وحدة استطلاع ليلية، يقوم الرقيب بسلوك يكشف وحدته للعدو، يفجر قنبلة يدوية قتلت عضوا في وحدته… القيادة فاسدة: أجواء موبوءة داخل الجيش الفرنسي. قائد الأركان يقرر هجوما مباغتا بسبب ضغوط إعلامية وسياسية… يقول ما لا يعتقد، ليس واثقا من قواته، لكنه تلقى أمرا بالهجوم، لو رفض لأقيل، منصبه أهم بالنسبة له من صحة القرارات التي يتخذها… يسيطر على جنرالاته بضرب بعضهم ببعض، يستغل طموحاتهم الشخصية لإحكام سيطرته على الجيش… يظهر من هذا التطابق بين نظرية الجنرال الصيني Sun Tzu وفيلم كوبريك مدى اطلاع المخرج على شؤون الحرب… وقد كان الفيلم مؤلما للفرنسيين… كانت الحرب العالمية الأولى إهانة لهم… لم تكن لديهم لا العقيدة العسكرية ولا السلاح الكافي لمحاربة ألمانيا… وهذا امر حلله هنري كيسنجر في كتابه الضخم ‘ الديبلوماسية’ وهو مرجع رئيسي يؤرخ للعلاقات الدولية منذ معاهدة فيينا في 1814… وفيه يقارن بين كمية الفحم التي تستهلكها ألمانيا وتلك التي تستهلكها فرنسا ليحدد وضع ميزان القوى… كما يحلل خطط زعماء فرنسا… ويستنتج ‘ أدركهم العجز والضعف عن تحديد ما يخشونه أكثر: أهي الأخطار التي يواجهونها أم الوسائل المطلوبة لدرئها؟’ ( كيسنجر ص471).يتضح من خلال الفيلم أن كوبريك مناهض للحرب وفضح تفكير العسكر… ففي المشهد الأخير من دروب الذل، ومن باب الانتقام، يتسلى الضباط الفرنسيون بأسيرة المانية شابة، ترغم على الغناء وهي تبكي… لكن أداءها الحزين قلب الجو وجعل الوجوم والصدمة تسيطر على الضباط… وهذا جانب الشر الذي اهتم به كوبريك. هذا جانب، الجانب الآخر هو الصورة في الفيلم، وفيه جانبان، الأول هو حب كوبريك للشطرنج والثاني هو أثر السينما الصامتة في بناء اللقطات. كان كوبريك لاعب شطرنج ماهراً… لذا سهل عليه تصوير تقدم البيادق والضباط… تقدم يرسم صورة مريعة للجيش الفرنسي… الشطرج هو حرب أيضا، وفيه يجب التقدم على الرقعة مع حماية الملك والملكة والضباط جيدا… يفتتح المشهدان الأولان بـ plan scequence في لقطة من 55 ثانية يقودنا فارس إلى دراجة، تقودنا الدراجة إلى صف جنود، ثم تدخل سيارة رئيس الأركان وتقف بجانب الجنود الذين يؤدون التحية الرسمية لقائدهم… في لقطة من دقيقة وخمس وعشرين ثانية عبر ترافلينغ للخلف نكتشف الخندق وحال الجنود فيه وهم يتابعون جولة الجنرال التفقدية… منظر يدعو للرثاء… لكن الجنرال مصر على تنفيذ الهجوم… وهو النازل من قصر إلى خندق… الكاميرا تتجول في الخنادق ثم تصعد لتتلصص على العدو الألماني الذي لا نرى منه إلا قذائفه الساحقة… ربع الساعة الأول تحفة سينمائية هائلة، أناقة في السرد، كل مشهد يسهم في تعقيد الوضع، لا ثرثرة بالصور، تأطير ( كادراج) دقيق، خلفية مضاءة جيدا بفضل وضع البروجيكتورات خارج النوافذ الزجاجية لمضاعفة ضوء النهار… ‘في لحظة تنفيذ إعدام الجنود الثلاثة يرفع الضابط يده آمرا كما في فيلم ‘ البارجة بوتمكين’ عندما رفع الأميرال يده للأمر بإعدام البحارة الثائرين… نفس اللقطة لدى إيزنشتاين… ونفس التمييز بين الضباط والجنود… يشبه الضابط الجنود بالفئران ويشبههم أدميرال إيزنشتاين بالكلاب… ( يعجبني كثيرا بحث التناص السينمائي وكيف تتكرر لقطات وتغير دون أن تطمس أصلها الأول. أطور ملفا خاصا لهذه المتابعة كما فعل النقاد بالشعر القديم). في الفيلم: يستخدم كوبريك لقطات تمتد حتى 30 ثانية دون مونتاج وهذا يجعل اللقطات تتدفق بسلاسة… في فيلم حركة، لا تشتم منه رائحة المتاحف التي تحنط الأفلام التاريخية عادة… نعود الآن للسيرة المدهشة، تمتد على 695 صفحة قرأتها ولخصتها في أسبوع… وهي تغني مشاهدة الفيلم وتجعلها أكثر فائدة… هذه أول مرة يتوفر لي وصف دقيق لمراحل كتابة سيناريو وتمويل وكاستينغ وتصوير ومونتاج وتسويق … فيلم أشاهده… مفيدة جدا متابعة سيرة المخرج وسيرة تصوير الفيلم مع مشاهدته… مثلا حصل الممثل كيرك دوغلاس على 350 ألف دولار وهي ثلث ميزانية الفيلم لذا فإن مايكل دوغلاس غني جدا… الفتاة الألمانية التي تظهر في المشهد الأخير صارت زوجة كوبريك الثالثة… وقد عاشا في مزرعة ضواحي لندن حيث صنع كوبريك أفلامه، حتى تلك التي تناولت حرب فيتنام صورها في لندن… وأيضا: أبدا في حياته لم ينخرط كوبريك في الدردشة ولم يجد لها معنى… تميزت شخصيته بالهدوء الفظيع ومكنه حبه للشطرنج ‘ من صقل قدرته على اتخاذ القرارات الصعبة التي تعتبر عموما المهمة الرئيسية في عمل المخرج السينمائي’، أخرج أفلاما قليلة نفذت في وقت طويل جدا… قبل التصوير كان يلعب الشطرنج مع الممثلين، يهزمهم ليثبت لهم أنه متفوق عليهم قبل أن يقفوا أمام الكاميرا… يقدم توجيهاته لكل ممثل على انفراد… يستخدم مدربا للحوار… يصر على أن يحفظ الممثل الحوار لكي لا يفكر بالكلمات أثناء التصوير فيتجمد وجهه…. يصور لقطات حتى 70 مرة بحثا عن اللحظة السحرية… حسب كاتب السيرة صور ‘ دروب المجد’ بكاميرا محمولة فكان ذلك امتدادا لعمل كوبريك كمصور فوتوغرافي، وقد تمكن من سد الثغرة بين التصوير الفوتوغرافي الثابت والتصوير السينمائي… فقد طور فلسفة تتناول ناحية التصوير السينمائي لأفلامه… صاغ عقيدته الضوئية الخاصة به… استثمر كافة أدواته السينمائية كوسيط لفهم واستيعاب رؤيته التصورية بهدف تجاوز التقاط الصور الجميلة إلى توسيع الحدود التي تقيد التصوير… وقد خطط اللقطات لتصبح جسرا مهما يربط بين عينه الداخلية والنتيجة النهائية على المادة الفيلمية ( وهكذا حل مشكلة خطيرة تواجه المخرجين والفنانين عموما، وهو الجسر بين التصور والتنفيذ والنتيجة النهائية المحصل عليها).عودة لفرضية السيرة. أين يتجلى الشر؟يظهر فيلم ‘ البرتقالة الآلية’ مدى اهتمام كوبريك بجانب الشر في الإنسان… فيلم عرف عنفا لا محدودا… هذا دون نسيان الاهتمام بالحرب… حتى فيلم ‘ دروب المجد’ مأخوذ من رواية بنفس الاسم، وعنوان الرواية بدوره مأخوذ من قصيدة ورد فيها هذا البيت ‘ دروب المجد مصيرها القبر’. أين يتجلى الصمت؟ استخدم كوبريك أقل من نصف ساعة حوار في فيلم ‘ أوديسا الفضاء’ الذي يمتد أكثر من ساعتين، يبدأ فيلم ‘ لوليتا’ برجل يصبغ أظافر مراهقة تثير هوسه… في نهاية فيلم ‘ سبارتاكوس’ تظهر عشرات الجثث مصلوبة على الأعمدة، بينما الحبيبة الوفية تقبل قدم قائد ثورة العبيد كيرك دوغلاس… في أفلامه يستخدم كوبريك طريقة سرد تلغرافية يظهر فيها التعاقب الزمني واضحا، يعرّف الشخصيات بالأفعال والإيحاء لا بالحوار… يتواصل بالصوت والصورة وليس باللغة… وهذا واضح في لحظة التفاوض في ‘ دروب المجد’، فالتفاوض يجري بصريا بالذهاب والإياب… بداية يتبع رئيس هيئة الأركان الجنرال… بعد عرض الترقية صار الجنرال يتبع رئيس الأركان… وحين اتفقا مشيا وذراعاهما متشابكتان… رفض الجنرال الترقية شفويا بينما صب لنفسه كأس ويسكي… لقد وافق سلوكيا. لقطة أخرى بصرية: يظهر العقيد في اللقطة التي يسأل فيها الرقيب عن دورية الاستطلاع. يرد القبطان: قتل جندي.يرفع العقيد داكس قنينة الخمر الفارغة ويسأل:كيف قتل؟ كان ذلك هو الجواب البصري، بينما في الجواب الشفوي، بدأ الرقيب يكذب… بعد مشاهدة ‘ دروب المجد’ ومطالعة السيرة، شاهدت أفلاما أخرى لكوبريك، ‘ البرتقالة الآلية’، ‘ أدويسا الفضاء’ و’ لوليتا’… ومن فرط التأثر لم أشكل وجهة نظر مستقلة حول ما شاهدت… كنت مندهشا أمام مرجع عالمي في السينما… تركت الأمر وقتا ثم سجلت خلاصتي:كوبريك لا يصور الخام… الإخراج ( لاميز أونسين) بالنسبة له هو أن يعيد تشكيل ما يصوره ليتساوق مع وجهة نظره… أفضل مثال هو شخصية أليكس في ‘ البرتقالة الآلية’: لباسه، ماكياجه، منحرف محبوب… يوفر اعتماد كوبريك على راويات لتحويلها إلى أفلام مادة خصبة لخياله… لكن يعيد ترجمة الروايات بصريا… عمق الصورة مهم بالنسبة له… الفضاء يحتوي الشخصيات بشكل كامل… اللقطات مركبة في الغالب… لذا لا تجد لقطات من ثانيتين كل مرة… يخطط لتدوم اللقطات حتى عشرين ثانية… كيف؟ دائما هناك شيء يحدث وممثلون يتحركون… ليظهر الديكور… حين لا يتحرك الممثل تتحرك الكاميرا… يبدو لي أن كوبريك هو المخرج الذي جسد روح البراغماتية الأمريكية سينمائيا.’ ناقد من المغربqadqpt

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية