محمد حنونفي معرضها الذي أقيم مؤخرا في غاليري رؤى للفنون في عمان، قدمت الفوتوغرافية الفلسطينية سمر حزبون القادمة من براغ.. صورا حاولت من خلالها إعادة اكتشاف المخيلة عبر التصوير الفوتوغرافي. ومن خلال تركيز الفوتوغرافية على البناء البصري الرمزي في صورها، وتحديد ملامح المشهد من خلال الإضاءات الخافتة تارة.. والجزئية تارة أخرى، برز نص بصري غير ناجز ومفرط بالرمزية، مما جعل بعض هذه الصور تعاني من البناءات المتكررة من حيث الكتلة والفراغ، وأضعف المعنى وغيّب الدلالات البصرية التي تقدم لهذا المعنى.في معرض ‘خيال استحواذي’ للفوتوغرافية سمر حزبون الذي احتوى على 31 صورة فوتوغرافية، والتي جاءت في أغلبيتها بالأبيض والأسود، وهو ما يستدعي بالضرورة.. وخصوصا في التصوير الفوتوغرافي الأدائي الداخلي.. تركيز المتلقي على البناء البصري والإضاءة بالإضافة للإخراج الحركي لإدراك المعنى وراء كل هذا؛ دون أن يكون هناك إضافة جمالية تتعلق باللون وتجاوراته والتي قد تكون على حساب المعنى أحيانا، فكثير من الصور الفوتوغرافية تفقد قيمتها وعمقها حين تكون ملونة، فالتصوير بالأبيض والأسود ليس رغبة فوتوغرافية مجانية ولا ترفا تقنيا.. بقدر ما هي حاجة ملحة فنيا لتخدم المعنى أو لإيصال إحساس ما للمتلقي، والأبيض والأسود قيمة فنية وأسلوب تقني تأسس لأسباب تتعلق ببداية فن الفوتوغراف تاريخيا وليس بسبب تطور الرؤية أو الأساليب الفنية.بالرغم من التغيير في العناصر التي أضافتها الفوتوغرافية حزبون في كل صورة، كحركة اليدين والنظرة ووضعية الأدوات المستخدمة كالريش في الصور الثلاث، ‘وايت فيذر جيرل’، و’طب وهاي’، و’فيذر هولد’، إلا أن الصور حملت رتابة أثرت على المنجز البصري الجمالي في واحدة من هذه الصور واقصد هنا الصورة الأخيرة ‘فيذر هولد’، فلو أن حزبون قدمتها وحدها دون الأخريات لكانت متميزة لما تحمله من قيم جمالية وفنية عاليتين، لأن الصورة إذا عرضت ضمن مجموعة صور تحمل الموضوع ذاته ‘الثيمة’ فإن رؤيتها تتم في سياق رؤية بقية الصور وتتأثر أيضا ببقية الصور.لم تعمل حزبون على تمييز بعض صور المعرض عن بعضها بعضاً وخصوصا تلك التي بدت كـ’ثيمة’ ولكنها في حقيقة الأمر قد شوشت على بعضها بعضاً من حيث التقنية ونقاط الجذب في المشهد، ولكن ما يبرر للتجربة.. بأنها قد نجحت في خلق ‘ثيمة’ في مجموعة صور أخرى تماهت وكمّلت بعضها البعض، وهو ما نراه جليا في الصور الأربع للكف والبيضة.. والتي جاء المعنى فيها مؤثرا ومدروسا، ويحمل فكرة متصلة، وهو ما نراه أيضا في مجموعة صور القدم وبذور البطيخ.نجد في بعض الصور التي اختارت الفوتوغرافية أن تقدمها بالأبيض والأسود، بأن اختيارها لم يكن موظفا توظيفا بصريا ناجحا باستثناء صورة ‘ فيذر- هولد’ التي كان بناؤها البصري وزاوية الإضاءة متوافقتين مع استخدام الأبيض والأسود بشكل متميز، ونجد ذات الشيء في صورة أخرى’الفم- الماسة1′ التي استخدمت فيها أسلوب التقريب.. الـ ‘كلوس أب’ للفم، مع إضافات بسيطة كالماسات عدسية الحجم على الشفتين والذقن، وفي الفم سبيكة من الفضة وقد تساقط بعض ماساتها، وبالرغم من بساطة هذه الإضافات إلا أنها أثْرَتْ من مشهدية اللقطة، غير أن الفوتوغرافية حزبون عادت وسلبت من هذه اللقطة خصوصيتها ونجاحها من خلال الصورة ‘ أكل الماس’ التي اتسمت بالمُباشرة والتسطيح، وصورة ‘ فم ملعقة’ التي لم تحمل خصوصية بالمطلق.. بل كانت نسخة عن ‘أكل الماس’مع تغيير طفيف في وضعية الملعقة.أما الصور التي حملت قيما لونية وهي قليلة، كصورة ‘خرابيش’ والتي اعتمدت فيها الفوتوغرافية حزبون على الكولاج الضوئي.. الرقمي، حيث قامت بتكثيف الألوان وتأجيجها للخروج بقيمة لونية تخــدم العناصر الموجودة في المشهد، فكانت النتيجة صورة فوتـوغرافية تطمح للتشكيل بصيغة فنية ولكنها لا تخلو من العادية والبهرجة اللونية. كما نجد أن في مجموعة صور أخرى والتي كان اللون الأخضر طاغياً فيها حد الإشباع، ‘ساند ليبس’، ‘كورالي’، ‘ذهبي حجاب’، نرى في هذه الصور الثلاث العناصر ذاتها، البناء البصري ذاته.. وحتى الأدوات المستخدمة هي ذاتها، ناهيك عن القيمة اللونيـة والإضاءة التي تطابقت، مما جعل الرتابة – وليس الخيال – تستحوذ على المجموعة. كما نجد في صورة ‘الثــــدي الذهبي’ صورة غاية في الرمزية، ولكنها رمزية غير مفرطة، باستثناء صبغ الثدي باللون الذهبي الذي حتى لو كان موجودا لما أثر على الفكرة ومعانيها، فبدا اللون الذهبــــــي طارئا على الصورة. في هذه الصورة مفاهيم كثيرة، كالخصب والعطاء، ووضعية كفيّ المرأة حول الثدي توحي باحتواء الماء وهو ما يتناقض مع التشققات الموجودة في ثدي الأم، مما أعطى عمقا في المعاني ومتناقضاتها.. مما كفل إثارة الكثير من الأسئلة.بعض صور المعرض لم تقدم الكثير فيما يخص الأسلوبية والتقنيات البصرية، كصورة ‘أنيمال’ و’هاها ليبس’ و’لوك آت فيذرز’، حيث أن هذا النوع من الفوتوغراف تطرق له فوتوغرافيو الغرب منذ وقت مبكر في أعمالهم التجريبية ولكن بشكل أنضج، وتبعهم فوتوغرافيون عرب في بداية التسعينيات، والتي أدت إلى نضوج رؤيتهم الفوتوغرافية حول القيم الجمالية والتقنية وتوظيفها لتشكل رافعة بصرية تخدم بنيوية المعنى بعيدا عن المُباشرة والتقريرية. هذا المعرض في بعض جوانبه لم يكن إلا إعادة لإنتاج مراحل تجريبية خاضها فوتوغرافيون آخرون.. وخصوصا في الغرب، في رحلة بحثهم عن أجوبة بصرية منذ بداية الثمانينيات وحتى يومنا هذا، وكان المعرض في بعض جوانبه الأخرى مغامرة بصرية مليئة بالتجريب والبحث والذي سينعكس حتما على نضوج الرؤيا الفوتوغرافية عند سمر حزبون.الفوتوغرافية سمر حزبون، من الفوتوغرافيين الشباب الذين يثابرون بجدية لاكتشاف معادلات ومفاهيم فوتوغرافية من أجل الارتقاء بتجاربهم، وهو شيء يجب أن يتم دعمه من خلال القراءة الجادة لأعــــمالهم وليس المديح. وإذا سُمح لي بالقول بأن أكثر ما أفــادني كفوتوغرافي هو النقد الجاد الذي كنت أتوق له أكثر من الثناء، لتوسيع مداركي الفنية والبحث عن آفاق جديدة لتكوين هويتي الفوتوغرافية. في تجربة سمر حزبون الكثير من الدلائل على التوجه نحو النضوج في الرؤية من خلال المثابرة والتطوير والتجريب للخروج بأسلوبية وهوية خاصة بها، فهي في الثالثة والعشرين من عمرها.. ولا تزال في بداياتها ولديها الكثير من المفردات البصرية الفوتوغرافية الجميلة، التي لو تم توظيفها من خلال بناء بصري أقل صخبا وتكرارا، ومن خلال مشهدية تحمل خصوصية في الرؤيا.. لما عانت بعض الصور من التشابه والرتابة.. ولكانت المضامين أكثر تماسكا كما هي موجودة في مجموعة من صور المعرض والتي يمكن رؤيتها على موقع غاليري رؤى للفنون الذي يسجل له استقطاب هذا النوع من التجارب. فوتوغرافي وكاتب أردني