يثير شخص القاضي اللبناني طارق بيطار وتمسّكه بمهمّة التحقيق في انفجار نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، الذي أودى في 4 آب (أغسطس) 2020 بحياةِ أكثر من مئتي شخص وأصاب عشرات الألوف في أجسادهم وممتلكاتهم، الكثير من المواقف والأسئلة والانفعالات والتجاذبات في أوساط القوى السياسية وداخل الجسم القضائي ولدى الجمهور الواسع في لبنان.
ذلك أن الرجل الذي استلم ملفّ التحقيق بعد ستة أشهر من وقوع الانفجار بدا منذ تكليفه بالمهمة، رغم فترة انقطاع لاحقة نتيجة محاولات السلطة الضغط عليه وكفّ يده، مثابراً ومصرّاً على التقدّم في عمله ورافضاً للابتزاز وللتهديدات التي تعرّض لها مباشرة أو عبر التسريبات الإعلامية. أي أنه بدا نقيضاً في مسلكه وجدّيته لقضاة تولّوا قبله تحقيقات في قضايا حسّاسة وارتضوا بسقف ما هو «مسموح» لهم به في بلدِ حصانة المرتكبين وفظاعة فجورهم.
وهذا ما جعل الاحترام والتأييد له يزدادان عند ذوي الضحايا والمتضرّرين من واحد من أضخم الانفجارات غير النووية في التاريخ، كما عند المعارضين للسلطة القائمة بأطيافهم المختلفة، الذين رأوا في دفاعه عن استقلاليّته وإصراره على صلاحيات القضاء ما يُبشّر بالقدرة يوماً على الكشف عن ملابسات جريمةٍ تُجسّد أسبابُها ومعالمها وآثارُها أصدق تجسيدٍ أخلاقَ النظام وقواه الحاكمة، لجهة الفساد والإهمال والاستهتار والتواطؤ الجرمي والثقة بالإفلات من العقاب.
والأرجح أن لتأييد بيطار والتضامن الواسع معه أربعةُ أسباب تضاف إلى ما ورد.
الأول يرتبط بالخوف على سلامته الشخصية لخطورة مهمّته في ظلّ المعلومات حول علاقة نيترات الأمونيوم واستيراده إلى بيروت بالنظام السوري وحلفائه المحليّين، كما ببراميله المتفجّرة التي تساقطت على الآلاف من السوريين. وقد سبقَ مباشرتَه التحقيق اغتيالان أطاحا بالعقيد المتقاعد في الجمارك منير أبو رجيلي وبالمصوّر الصحفي جوزف بجّاني، اللذين عملا كلٌّ في مجاله في المرفأ ومحيطه. والاغتيالان اعتُبرا على صلة بالانفجار والتحقيق به وما يملكه المغدوران من معلومات أو من وثائق.
والسبب الثاني يتعلّق برفض محاولات جرّ البلد إلى قسمة طائفية حول عمله واستدعاءاته، بدأتها التظاهرات (الشيعية) الشهيرة ضدّه في محلّة الطيونة – بدارو (المسيحية) في بيروت في تشرين الأول (أكتوبر) 2021، حيث تلتها صدامات بين متظاهرين ومسلّحين وعناصر من الجيش راح ضحيّتها قتلى وجرحى في شوارع سبق أن شهدت خلال الحرب في السبعينات والثمانينات مواجهات شرسة ما زالت آثارها ماثلة، ولا يمكن لاشتباكٍ هناك ألّا يعيد أحياء ذكرياتٍ وبثّ خوفٍ أو خشية من تكرار حدوثها.
السبب الثالث يتّصل بكون بيطار بات يمثّل لكثرٍ من الناس ما يشبه الـ«بدل عن ضائع». والضائع قد يكون انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 المغدورة، وقد يكون الكرامة المهدورة منذ الانهيار المالي الكبير، وقد يكون دولة «الحق والقانون» المعطّلة منذ عقود، وقد يكون أيضاً القدرة على مواجهة القتَلة ومطاردتهم بواسطة قاضٍ يتشبّه بقُضاةٍ إيطاليين لاحقوا المافيا بلا هوادة وبلا مساومات (رغم التضحيات) ممّا أدّى إلى توقيف العديد من قادتها والحدّ من أنشطتها.
أما السبب الرابع، فيمكن اعتباره مرتبطاً ببيطار نفسه وبقلّة ظهوره الإعلامي. فالقاضي لم يكن معروفاً من الجمهور الواسع قبل تكليفه، وما نُشِر عن سيرته الذاتية والعائلية يقرّبه إلى شريحة واسعة من اللبنانيين الذين تعلّموا ثم تدرّجوا في وظائفهم من دون استفادة زبائنية أو دعم سياسي يستوجب منهم ولاءات وتنازلات وحسابات تنال من مصداقيّتهم ونزاهتهم. وهو مُقِلّ في الكلام، وككلّ قاضي تحقيق جدّي مُقِلّ أيضاً في قبول المقابلات الصحفية أو في البحث عن النجومية المتلفزة. وهذا يجعله مثيراً لفُضولٍ يزيد من الاهتمام به، ويُساهم في تحويله إلى «بطلٍ» آتٍ من صفوف الناس «العاديّين» في مواجهة وحوش من وزراء ونوّاب وقوى ميليشياوية لا يتردّد في استدعائها إلى التحقيق ولا يكترث برفضها وبتهديد بعضها «باقتلاعه» من مكانه.
على أن الأسباب المذكورة هي أيضاً ما يجعل المعارضة لبيطار والغضب عليه يزدادان لدى أقطاب السلطة السياسية ومريديهم ومعهم بعض القضاة والأمنيّين القلقين من مسار عمله، ومن تحوّله إلى «نموذج» قد يُحتذى. أو لعلّ بين هؤلاء من ظنّ لفترة أن تعيينه وتركه يصطدم بصعوبات تُظهر «دونكيشوتيّته» وعجزه عن تنفيذ الاستدعاءات وترجمة مزاعمه حول هيبة القضاء واستقلالية التحقيق إلى وقائع سيُنهي «الهالة» المحيطة به، ويدفعه إلى التنحّي أو يحوّله إلى مجرّد محقّق «آخر» يطوي تعثُّره المستمرُ صفحةَ تحقيقاته ويبعث بها إلى الأرشيف ورفوفه المُغبّرة.
لكن الأمور الآن خرجت عن هكذا نطاق أو فرضيّات، وبات بيطار في استئناف نشاطه عنصر تجاذبٍ حاد يصعب ألّا يُفضي إلى حسمٍ ما لجهة محاصرة عمله عبر مدّعي عام التمييز وجزء من الجسم القضائي ومن خلفه القوى السياسية الرافضة للمسّ بالحصانات وصولاً إلى تنحيته، أو نجاحه في المحافظة على موقعه ومواصلة المواجهة ولَو في ظروف وملابسات ستشتدّ مع الوقت صعوبةً وخطورة وحروب إشاعات ومعلومات متضاربة…
وفي ما هو أبعد من كلّ ذلك، يشي ما يجري اليوم في لبنان بأن «قضية طارق بيطار» صارت صنوَ قضية انفجار المرفأ، بمعنى أن قضية حماية قاضي تحقيق مستقيم وجدّي باتت مرادفاً لحماية التحقيق نفسه وصون محاولة انتزاع مناعة القضاء وإسقاط مبدأ إبقاء المرتكِبين إن كانوا سياسيين أو أمنيّين أو إداريّين «أقوياء» بمنأى عن أي محاسبة أو مساءلة.
وهذا يجعل من بيطار إذاً، في ما يتخطّى شخصه وتمثيله «البدل عن الضائع» أو «البطل المصارِع للتنّين»، عنوان معركة مواطنية وحقوقية وسياسية متجدّدة لا قيامة لعدالةٍ ولا سيادة لقانونٍ من دون خوضها وعدم الاستسلام لأيٍّ من نكساتها المحتملة…
*كاتب وأكاديمي لبناني
سيدي العزيز من يمتلك هذه النترات هو نظام الاجرام اي سفاح دمشق وهذه قصه معروفة للجميع
ولا احد يجرأ علي الحديث بها لكنها دخلت بواسطة انصار حلف العار في بيروت فهذه هي المشكله الاولي لبنانيا اما المشكله الاساسيه ان من سيتهم بها هو سفاح دمشق لهاذا لا يريدون اكمال التحقيق في هذه الجريمه والسلام فالتحقيق سيبقي عرضه للعرقلة من الجميع
شكرًا أخي زياد ماجد. لاأعرف لماذا، فكرت في كتابة تعليقي هذا قبل قراءة تعليق الأخ زياد لكن تعجبت بقراءة تعليقه أننا نتفق تمامًا في تقدير الحال. أصابع التنين ومخالبه الخفية يديرها بشارون أسدوف وبالطبع بالتعاون الوثيق مع منفذي الإجرام ضد الشعب السوري حزب الله وأعوانه. المشكلة في لبنان أن كل شيء واضح للعيان ويكاد لايختلف ناظران بشكل موضوعي على تشخيص الحال ومن المسؤول عن سوء الحال وانهيار الدولة مع بقاء النظام المافوي، لكن المأساة انه لايوجد طريق واضح المعالم كيف الخروج من عنق الزجاجة هذا، فالسيطرة السورية الإيرانية هي التي تدمر لبنان ومخالبها في لبنان قوية أو مازالت!. نتمنى لطارق البيطار أن ينجح في مقارعته الشريفة الصادقة الوطنية بكل المعايير لهذا التنين المجرم مهما اشتدت الصعوبات.
لماذا نسبة الطلاق من زواج الحب، أضعاف مضاعفة من نسبة الطلاق من زواج العائلة هذا من جانب،
ومن جانب آخر لماذا ليس هناك عدالة في أي دولة أو نظام، رأسمالي أو شيوعي، أو ديمقراطي/ديكتاتوري/بيروقراطي على أرض الواقع يا (د زياد ماجد)،
تعليقاً على ما قرأته لك تحت عنوان ورابط (طارق بيطار أو البحث عن القضاء الضائع) https://www.alquds.co.uk/?p=3129122
والذي نشرته لك جريدة القدس العربي، البريطانية، بالذات، والأهم هو لماذا، وما دليلي على ذلك؟!
لأن هناك فرق بين أي (نظرية/أكاديمية) وبين التطبيق العملي حتى لأي (قانون) على أرض الواقع،
فلذلك لا ينفع تطبيق أي شيء بدون مشاعر وأحاسيس إنسان(ة)، ذو ضمير حي،
بينما في مشاكل الأسرة تحتاج إلى حكم من أهلها وحكم من أهله، وليس قاضي واحد، في لغة القرآن وإسلام الشهادتين، وإلّا سيكون (الطلاق) هو القرار/الحكم/الفتوى،
كما حصل في قضية الأميرة (هيا بنت الحسين)، التي هربت بالأموال والأولاد وفوق ذلك حكم لها القاضي البريطاني، بتعويضات قاربت المليار دولار، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أليس في ذلك (ظلم)، للزوج، أم لا؟!??
??????
أخي عبد الله، ظلم حقًا لكن من المظلومة المظلوم المظلومين؟ لا هو لا هي، بالتأكيد!