غزة وحدود الحرية الأكاديمية في أمريكا

حجم الخط
2

في السادس والعشرين من الشهر الماضي تجمع لفيف من أعضاء منظمة «طلاب من أجل العدالة في فلسطين» في جامعة نيويورك، وعدد من الأساتذة، ليقرأوا قصائد لشعراء من فلسطين، في باحة مكتبة الجامعة، تعبيراً عن تضامنهم مع أهل غزة ورفضهم لحرب الإبادة. ورفعوا لافتات تطالب بغلق فرع جامعة نيويورك في مدينة تل أبيب، وهو مطلب ليس جديداً. وكما دأبت إدارة الجامعة ومسؤولو الأمن فيها منذ بدء العدوان على غزة، فقد سارع موظفوها إلى إيقاف القراءة بعد عشر دقائق. وتحجج المتحدث باسم الجامعة بأن القراءة تخالف قواعد التصرف في مكتبات الجامعة، وتشوش على الطلاب. وهو غير صحيح لأن الباحة مكان للتجمع والاستراحة، وليس للدراسة، والقراءة كانت دون مكبرات صوت.
لم تكن تلك أول ولا آخر مرة يسارع فيها المسؤولون في الجامعة إلى محاولة إسكات أصوات الناشطين من الطلاب والأساتذة، الذين يعبرون عن تضامنهم مع فلسطين ويدعون لوقف إطلاق النار والدعم الأمريكي لإسرائيل. وكما حدث مباشرة بعد كل فعالية أو نشاط له علاقة بفلسطين، استدعي الطلاب الذين اشتركوا في القراءة لتحذيرهم من مغبة مخالفة قواعد التصرف (واللافت أن الجامعة عدلت هذه القوانين في الأشهر الأخيرة، أكثر من مرة لتضييق مساحة حرية التعبير المتاحة على أرض الجامعة وأخذت تستعين بشرطة مدينة نيويورك، سيئة الصيت). واستدعي الأساتذة الذين اشتركوا في القراءة من قبل العمداء للفت انتباههم أيضاً!

ليس مفاجئاً خنوع إدارات الجامعات الأمريكية، وخضوعها لضغوط خارجية، إما من كبار المتبرعين، أو من منظمات داعمة لإسرائيل ترفع دعاوى قضائية ضدها تطالب بمزيد من القمع والرقابة

جاء اختيار باحة المكتبة بعد أن منعت الجامعة الطلاب من التظاهر في أي أماكن أخرى، وأغلقت المساحات التي تستخدم عادة لذلك.. كما غيرت القوانين لمنع تعليق الملصقات ومنعت «طلاب من أجل العدالة في فلسطين» من تنظيم فعاليات في قاعات الجامعة، بحجة المخاطر الأمنية المترتبة على ذلك. وطالت العقوبات بالفصل أو الإيقاف عددا من الطلاب، لتعليقهم ملصقات مساندة لفلسطين أو لنزعهم ملصقات تدعم إسرائيل، أو لكتابة أسماء الشهداء الفلسطينيين بالطباشير على اللوحات. كما أُوقِف أستاذان في جامعة نيويورك عن التدريس، بسبب مواقف وتصريحات انتقدا فيها إسرائيل خارج نطاق الجامعة. كل هذا غيض من فيض يثبت، من جديد، تهافت مقولات الحرية الأكاديمية وحرية التعبير، بالذات حين يتعلق الأمر بفلسطين ويبين الانحياز السافر لإسرائيل. ولا يختلف الأمر كثيراً في جامعات أخرى في الولايات المتحدة، عما يحدث في أروقة جامعة نيويورك. فقد أصبح إلغاء الفعاليات والدعوات ومعاقبة الطلاب والأساتذة أمراً متوقعاً. وليس مفاجئاً خنوع إدارات الجامعات، وخضوعها لضغوط خارجية شتى، أما من كبار المتبرعين، أو من منظمات داعمة لإسرائيل ترفع دعاوى قضائية ضدها تطالب بمزيد من القمع والرقابة. ولكن هناك، على الجانب الآخر، جهود حثيثة لتنظيم الصفوف للوقوف بوجه هذا القمع وللتأكيد على ضرورة دعم حقوق الشعب الفلسطيني والدفاع عن الحق في التظاهر وحرية التعبير. وأثمرت هذه الجهود عن تأسيس منظمة «أساتذة من أجل العدالة في فلسطين» في نهاية العام الماضي في جامعة نيويورك. وهناك اليوم أكثر من 80 فرعاً في جامعات وكليات في أنحاء الولايات المتحدة.
للحرية الأكاديمية في الولايات المتحدة والنزاع حولها، ومحاولات الحد منها، وتقييدها تاريخ طويل. إذا عدنا إلى الحرب العالمية الأولى (1914ـ 1918) سنجد أن الكثير من الجامعات فصلت طلاباً لأنهم تظاهروا ضد الحرب. ووقف القضاء مع الجامعات وضد الطلاب، حيث دعمت المحاكم قرارات الجامعات بفصل الطلاب دون استئناف. ومثل ما يحدث اليوم فقد لعبت الصحافة دوراً في إثارة الذعر ودعم قمع إدارات الجامعات للطلاب والأساتذة. وكان البعبع آنذاك هو الأفكار الشيوعية والاشتراكية، فكتبت «ذا ناشيونال ريبابلك» مثلاً، تشكو من «ندرة الجامعات الأمريكية التي يمكن أن يرسل الأهل أولادهم إليها، دون أن يتلوثوا بأفكار الشيوعية وما شابهها» حين ساهم أستاذ في جامعة نيويورك في تنظيم حزب العمال الأمريكي الاشتراكي في 1935، قادت إحدى المجلات حملة لطرده من الجامعة. والمفارقة هي أن نسبة الاشتراكيين والماركسيين بين الهيئات التدريسية كانت أصلاً بسيطة. وكان أغلبية الأساتذة من المحافظين سياسياً. واحد من الحوادث الفارقة في تاريخ الحرية الأكاديمية جاء في 1940 حين عينت كلية مدينة نيويورك الفيلسوف البريطاني برتراند رسل (1872-1970) لتدريس المنطق، لكن كتاباته ضد الدين وآراءه بخصوص المثلية أثارت جدلاً فتعالت أصوات المحافظين داعية لإلغاء التعيين وفصله. ورفعت إحدى العوائل دعوى قضائية وصلت إلى محكمة نيويورك العليا. وتبنى مجلس نيويورك التشريعي بالإجماع قرارا يقضي بسحب التعيين.
يشبه الكثيرون ما يحدث اليوم بالحملة المكارثية سيئة الصيت التي قادها السيناتور جو مكارثي في خمسينيات القرن الماضي، التي لاحقت المشتبهين في الانتماء إلى الحزب الشيوعي ووضعتهم على القوائم السوداء. وطرد في تلك السنين مئة أستاذ جامعي من مناصبهم. أما الستينيات فقد شهدت المد اليساري، ورياح التمرد والتحرر، وبروز حركة الحقوق المدنية للسود، وكان لكل هذه تبعات وانعكاسات في سياق حرية التعبير في الجامعات، وكان الطلاب والأساتذة في الطليعة في النضال ومعارضة الحرب في فيتنام. بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 وترسيخ خطاب وقوانين الحرب ضد الإرهاب، تصاعدت أصوات اليمين المحافظ تدعو لمواقف أكثر حزماً إزاء الأصوات المعارضة لحروب أمريكا في الجامعات. ففي ديسمبر من ذلك العام نشرت منظمة «المجلس الأمريكي للأمناء والخريجين» التي كانت ترأسها لين تشيني زوجة نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، نشرت تقريراً مطولاً يتضمن أسماء أكاديميين وينتقد مواقفهم ويصنفها أنها غير وطنية. وعد الكثيرون التقرير وتوصيات المؤسسة الأخرى هجوماً على الحرية الأكاديمية، ودعوة لإملاء ما يمكن أن يدرس، وعودة إلى المكارثية.
في كل اللحظات المفصلية أعلاه، وهناك أمثلة كثيرة غيرها، حين قمعت المؤسسات الأكاديمية الأصوات المعارضة للحرب والداعية للعدالة وحاولت تكميمها، كان هناك تضامن ودعم من الزملاء بالطبع. لكن، كان هناك من التزموا الصمت أيضاً. وكأن شيئاً لم يكن. كأن إسرائيل لم تدمر جامعات غزة الست وتحولها إلى أطلال ولا اغتالت خمسة وتسعين أستاذاً جامعياً، ولا حرمت 80 ألف طالب وطالبة من إكمال تعليمهم الجامعي. في واحدة من مقولاته الأثيرة، قال مارتن لوثر كنغ «في النهاية لن نتذكر كلمات أعدائنا، بل نتذكر صمت أصدقائنا».

كاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    غزة فضحت النفاق الأمريكي لعصابة البيت الأسود الصهيوني الأمريكي يا انريكي 🇵🇸🤕☝️🐕🐕🐕🐕🐕🐕🐕🐕🐕

  2. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شكراً أخي سنان أنطوان. يساعد كثيراً على فهم مايحدث اليوم! البارحة خطر الشيوعية واليوم معاداة للسامية!

اشترك في قائمتنا البريدية