في مجال الفلسفة لا يتم الهدم إلا بغاية البناء، فالبناء الرصين أساسه الهدم العنيف، ولعل هذا بالذات هو المحرك الأول لتاريخ الفلسفة، منذ أول فيلسوف إلى يومنا هذا، فتاريخ الفلسفة هو قراءة لتاريخها. لا أحد من الفلاسفة يرفض تعريف الفلسفة بغير ماهيتها، إلا إذا كان سفسطائيا، والسفسطائي هو من اضطره زمانه إلى تمويه الحقيقة خدمة لوالي نعمته؛ فهل كان أبو حامد الغزالي سفسطائيا، ينسب إلى الفلاسفة ما ليس من قولهم؟ بل أكثر من ذلك، هل كان اعتناقه لمذهب الأشاعرة وراء كتابة «تهافت الفلاسفة»؟ وإلا ما معنى اضطره زمانه إلى هذا الكتاب لينفي عن نفسه الظنة بأنه يرى رأي الحكماء؟
ثمة إشارة قوية إلى إبيستيمية عصر الغزالي، وهي إبيستمية الأشعرية، بمعنى عدم الاعتراف برأي الحكماء، ويمتهن صناعة التغليط والمخادعة، إلى درجة أنه يفتري على الفلاسفة، حين ينسب إليهم ما ليس من قولهم، فالفعل لا ينسبه أحد من الفلاسفة إليه، وإنما ينسبه إلى المحرك الأول، غير أن الغزالي بروحه السفسطائية قام بتغيير العلم الإلهي حتى صار ظنيا، وصارت كل أقواله سسفطائية مغلطة لأهل زمانه.
من أجل تفكيك بنية كتاب «تهافت الفلاسفة» وتحويله إلى «تهافت التهافت» سيعمل ابن رشد على فحص كل المفاهيم التي تم نقلها من مجالها البرهاني إلى مجال الجدل والسفسطة، قد فقدت معناها، فالمحرك الأول ليس هو الصانع، والفاعل بإطلاقٍ ليس هو الفاعل بالجزء، وقِدم العالم ليس معناه أنه ليس له خالق: «وإنما سمت الحكماء العالم قديما تحفظا من المحدث، الذي هو في شيء وفي زمان وبعد العدم». كما أنه بقلب الضروري إلى ممكن، والعدم إلى وجود، والوحدة إلى كثرة والإرادة إلى عدم الإرادة: «والرجل معذور بحسب وقته ومكانه، فإن هذا الرجل امتحن في كتبه»، لكن إلى أي مدى كان الغزالي سفسطائيا، يسعى إلى مداهنة أهل زمانه؟ وما علاقة زمن الغزالي بالراهن؟
الواقع ان كتاب «تهافت الفلاسفة» هو بلغة ابن رشد اعتراف بتهافت مؤلفه، والشاهد على ذلك، أنه كتب تحت الطلب، وعيب أقوال صاحبه تطفو على سطح صفحاته يصفها ابن رشد قائلا: «هذا قول في أعلى مراتب الجدل، هذا قول سفسطائي، هذا قول قليل الإقناع، قول خبيث، قول مغلط ركيك الإقناع… وهذا الرجل كفّر الفلاسفة في ثلاث مسائل، وهذا كله تخليط، ولاشك في أن هذا الرجل أخطأ في الشريعة كما أخطأ في الحكمة».
كان شعار الغزالي هو هدم العقل العربي، وبناء الأسطورة العربية بواسطة السفسطة التي يستعملها فقهاء وحدانيو التسلط في إطار ميثولوجية الخلافة، وخرافة الإمامة، باعتبارهما وجهان لأيديولوجيا واحدة تنبني على العنف والمقدس.
والحق أن كتاب الغزالي يكتفي بسرد ملامح نظام الفكر العميق للمذهب الأشعري، الذي أنتج إبيستيمي أصولي: «مدهش في استمراريته وطول أمده وقدرته على الانبعاث والتجييش، حتى في أواخر القرن العشرين» .فبالإضافة إلى اجتراره لمفاهيم علم الكلام، التي قادت الفكر العربي إلى الباب المسدود، فإنه لم يكن يحترم الحقيقة، ولذلك ظل يتحرك داخل مملكة الفلسفة، لأن الخوف من الحقيقة، معناه السقوط في متاهة الأيديولوجية، والسلاح الأيديولوجي يقتل الفيلسوف، ولكنه لا يستطيع أن يقتل الفلسفة. وبما أن مهمة الغزالي لم يكن لها هدف فلسفي، بل أيديولوجي، وإلا ما معنى تهافت الفلاسفة، وليس تهافت الفلسفة، فتشخيص الصراع من سمات الحروب الأيديولوجية التي تستغل الدين وتلبسه لباس الأساطير والخرافات، ولكنها غالبا ما تحقق عكس المطلوب، بتدشينها لعصر الانحطاط وإيقاظ الحركات المتطرفة التي تكره العقل وتحطم الفكر العلمي، حيث تحول الدين إلى ثيوقراطية تصارع من أجل السلطة.
نعم لقد كان شعار الغزالي هو هدم العقل العربي، وبناء الأسطورة العربية بواسطة السفسطة التي يستعملها فقهاء وحدانيو التسلط في إطار ميثولوجية الخلافة، وخرافة الإمامة، باعتبارهما وجهان لأيديولوجيا واحدة تنبني على العنف والمقدس. فثمة برهان خارج البرهان قاد إلى العيش خارج مملكة الفلسفة، والغزالي كان هو الناطق باسم هذا التيار، لأنه يدعي بأن إحياء علوم الدين لا يتم إلا بهدم علوم العقل. ومن المؤسف أن الفقيه حينما يكون مستعدا للكذب والخداع من أجل إرضاء عدوانية وحدانيي التسلط، ولذلك فإن محاكمة الفلاسفة لا تتم بالمعرفة، بل بالدين الرسمي، وأغلب فقرات كتاب «تهافت الفلاسفة» هي بمثابة محاكمة دينية بأدلة سفسطائية، ليس لها من مصدر سوى الاتجاه الأرثوذوكسي، والعقل الدوغمائي للفقهاء، وإلا كيف يمكن تفسير اختيار الغزالي لثلاث قضايا ملتبسة في المتن الفلسفي العربي، أي قضية قدم العالم، والعلم بالجزئيات، وبعث النفس، دون غيرها؟ بل لماذا تم تكفير الفلاسفة انطلاقا من تأويله السفسطائي لهذه القضايا بالذات؟ ألا يكون الغزالي نفسه ضحية هذا التهافت؟
يا له من كتاب تحت الطلب، والشاهد على ذلك أنه كتب بسرعة لأن الأمر يقتضي تصفية حسابات ايديولوجية لا غير. وبما أن المراجع التي اعتمدها في نقده للفلسفة لم تتجاوز كتاب «النجاة» لابن سينا وهو مجرد مختصر لكتاب «الشفاء»، فإن ابن رشد نبه إلى خطورة هذه المسألة أكثر من مرة، وأدرك بأن الغزالي كان ينسب إلى الفلاسفة ما ليس من قولهم، من أجل أن يكون تهافته متهافتا، وربما يكون الشرط الوحيد المتوفر في هذا الكتاب هو عدم احترامه للحقيقة، وحين لا يحترم الباحث في العلم الحقيقة، يتحول إلى سفسطائي غرضه التمويه والهدم وليس البناء وتكون الغاية هي الربح المالي، والغزالي كان يسعى إلى المال وحظوة السلطة. قد يقال إنه حجة الإسلام، نعم حين كتب «إحياء علوم الدين»، أما «تهافت الفلاسفة»، فإنه ظل مترددا في مقاصد الفلاسفة، إذ أنه لم يستطيع حذف الفلسفة من أرض الإسلام بواسطة تكفير الفلاسفة، لأن جدل الفكر أقوى من جدل الأيديولوجيا، كما أن الفلسفة لا يمكن أن تنهزم أمام السفسطة.
٭ كاتب من المغرب
اعتقد ان الغزالي استوحى افكاره من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ” اللهم ارزقنا ايمان العجائز “
أما بعد قراءة ما ورد تحت عنوان (في الفلسفة: ابن رشد يدمر الغزالي!) يا أيها المغاربي (عزيز الحدادي) فالجواب،
من أن أساس معنى الترجمة في أجواء العولمة بعد عام 1945،
يختلف عن معنى الترجمة في أجواء النظام البيروقراطي، بعد سقوط الدولة العثمانية، والأهم هو لماذا؟!
ما الفرق بين معنى (الترجمة) وبين معنى (التعريب) إلى الوظيفة/الموظف في أي نظام بيروقراطي،
قبل 2/8/1990 أو بعده في دول مجلس التعاون في الخليج العربي بالذات (دولة الكفالة والكفيل كأساس لمفهوم الإقتصاد بعد حادثة جهيمان ومحاولة الإنقلاب على الحكم)،
بداية من مكة المكرمة (المهدي المنتظر) في بداية أي قرن (عام 1400 هجري)، وليس فقط شاه إيران عام 1979؟!
ما الفرق، بين فكر أي إنسان وبين أيدلوجيا أي إنسان؟!
وما الفرق بين أطر محدّدات أي فلسفة، وبين أطر محدّدات أي دين؟!
وما معنى الوطنية، في دولة الإسلام بالذات، بناء على ما ورد في لغة سورة الكافرون، من معنى معاني، وصيغ تعبيرات، على سبيل المثال؟!
وأين حكم آل البيت لشعب الرّب المُختار، الذي هو أساس الحكم في الأردن/المغرب/إيران/الكيان الصهيوني/تركيا (رجب طيب أردوغان) بعد فشل آلة الإنقلاب الأمنية/العسكرية، من كل ذلك في عام 2020؟!??
??????
يقول الدكتور خالد كبير علال :(ص/97)
” ابن رشد لم يُعط للسنة النبوية مكانتها اللائقة بها كمصدر أساسي للشريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم ، ولم يتوسع في استخدامها في كتبه الكلامية والفلسفية ، ففاتته أحاديث كثيرة ذات علاقة مباشرة بكثير من المواضيع الفكرية التي تطرق إليها ، كما أن الأحاديث التي استخدمها في تلك المصنفات كثير منها لم يفهمه فهما صحيحا ، وأخضعه للتأويل التحريفي خدمة لفكره وأرسطيته ” انتهى.
هذه بعض مآخذ العلماء على عقيدة ابن رشد الحفيد ، وهي في محصلها ترجع إلى إلغاء كثير من موازين الشريعة التي ضبط بها الشارع حدودها ، والدعوة إلى سلوك التأويل والاجتهاد في بعض مسلماتها ، انطلاقا من أفكار دخيلة جاءت من حضارات بائدة .
ذه بعض الخطوط العريضة التي يمكن أن توضح بعض مآخذ العلماء على عقيدة ابن رشد الحفيد ، وهي في محصلها ترجع إلى إلغاء كثير من موازين الشريعة التي ضبط بها الشارع حدودها ، والدعوة إلى سلوك التأويل والاجتهاد في بعض مسلماتها ، انطلاقا من أفكار دخيلة جاءت من حضارات قديمة بائدة .
ولأجل ذلك احتفى به كثير من المحسوبين على التوجهات العلمانية والليبرالية المتحررة اليوم ، حتى نسبوا ريادة الفكر التنويري للفيلسوف ابن رشد ، وهم يعلمون أن كثيرا من العلوم الواردة في كتبه تعد من العلوم البائدة التي يجزم العلم الحديث بخطئها ، ولكن غرضهم تمجيد كل فكر متحرر من ثوابت الشريعة ، متحرر من حقائق نصوصها إلى المجازات والتأويلات ، وفي الوقت نفسه يلبس لبوس الدين والعلم والفقه ، فرأوا في ابن رشد ضالتهم ، وفي كتبه رائدا لهم ، وإن كنا نحسب أن في كتبه من إظهار التمسك بالشريعة والرجوع إليها ما لا نجده في كتب هؤلاء القوم ، وكان عنده من لزوم الجانب العملي في الشريعة ، وتعظيمها في الفقه والقضاء والفتيا ما لا يعجب القوم ، ولا يبلغون معشاره : قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ !!
هذا طعن في الغزالي لا أتفق معه. نعم لايمكن تحكيم العقل كليا دائما، فالناظر الى القمر عقله ربما يخبره ان القمر أخف من الكرة وبصره يخبره ان الكرة ربما أكبر حجما منه فإذا الوصول إلى حقيقة القمر يتطلب استعمال كل الأدوات التي يملكها الإنسان من عقل وبصيرة وحدس … إن السمع والبصر والفؤاد كل كان عنه مسؤولا. …. ليس العقل فقط.
بعيداً عن المواقف المسبقة والتفكير المعتمد على الرغبة، ما هو رأي الفلسفة الغربية المعاصرة بفكر الغزالي وفكر ابن رشد؟ هل ترجح هذه الفلسفة فكر الغزالي أم فكر ابن رشد؟! بعد مضي نحو ثلاثة قرون من الجهود الفكرية المضنية منذ آدم سميث حتى تاريخه، توصل العقل الغربي العقلاني بعدم امكانية التوصل من خلال العلم التجريبي والعقل النظري الى توصيف موضوعي لمفاهيم أخلاقية أو قيمية بسيطة مثل “الخير” و “الشر” و “الحسن” و “القبيح” و “الحق” و “الباطل”. وهذا ما يعرف بمذهب الشك الأخلاقي في فلسفة الأخلاق المعاصرة، سيما في عصرنا وهو عصر “ما بعد الحداثة”. وتعتبر ما يعرف ب “المغالطة الطبيعية Naturalistic Fallacy” تأكيداً لهذا المذهب في النظرية الأخلاقية الحديثة. الخلاصة، لا يزال العرب يعيدون اختراع العجلة، ويأملون في إعادة إحياء الفلسفة بعد فشل الفكر الغربي الصارم في بعثها من مرقدها.
هذا كلام من لم يقرأ للإمام الغزالي رحمه الله، ولئن قرأ فقطعاً لم يفهمه، بل التَّجنِّي واضح.
والإمام الغزالي قد بيَّن دراسته للفلسفة أنَّه عرف بطلانه بدراسته في كتاب [المنقذ من الضلال] وليس تحت الطلب بحسب زعم صاحب المقال.
وعلى كلِّ حال، يمكن النَّظر في كتب الإمام فخر الدين الرازي الناقضة لأصول الفلاسفة وكتب من بعده كذلك للنظر في أنَّ هذا الفريق من العلماء قد أسقطوا فلسفة المشائين وأبانوا كم هي منبنية على أوهام، ومن أظهر هذه الأوهام تعليقهم الحوادث الأرضية على حركات الأفلاك وفق التصور القديم الذي ثبت قطعاً بطلانه وفق الفلك المعاصر. فضلاً عن أمور كثيرة أخرى.
ولينظر الباحث عن الحق إلى رسالتي خوجا زاده وعلاء الدين الطوسي رحمهما الله اللتين كتباها بأمر السلطان محمد الفاتح رحمه الله تعليقاً على ما قرره الإمام الغزالي في تهافت الفلاسفة تصحيحاً ونقداً.
ملحوظة أخيرة: لو قورن مستوى كلام ابن رشد بكلام ابن سينا مثلاً فمن الواضح جداً سقوط عقلية ابن رشد مقارنة بابن سينا، لكن هناك نفخ متعمد لابن رشد بغير حق.