في ذكراها الـ71.. معمّرون فلسطينيون يروون تفاصيل مروعة عن مجزرة عيلبون

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”:
29 أكتوبر، تاريخ مبلل بالدم لما شهدته كفر قاسم عام 1956 وما شهدته عيلبون في 1948 والهدف غير المعلن كان واحدا. الكثير من القرى الفلسطينية طالتها أيادي القتل والمجازر، لكن عيلبون التي احتلت في 30-10-1948 شهدت مذبحتين بفارق يومين، فكانت الأولى في أول يوم للاحتلال، والثانية يوم 2 تشرين الثاني 1948، أي قبل 71 عاما.

وسجّل بعض المعمرين في عيلبون خلال أحاديث لـ”القدس العربي” عتبهم على الفعاليات السياسية لتراجع إحياء ذكرى المجزرتين.

السيدة حلوة متّى (أم حنا) التي بادرت لقداس خاص راحة لأرواح الشهداء، تستغرب إغفال إحياء الذكرى هذا العام كما يجب، وتعتب على الأحزاب في هذا الشأن. وتقول: “تسافر شبيبة اليهود إلى بولندا كل عام لتخليد ذكرى ضحاياهم ونحن هنا بين منازلنا وعلى أرض وطننا نشارك في طمس ذاكرتنا الجماعية”.

الشيخ سعود عطية مواسي (أبو عطية) عاتب هو الآخر بعدما كان شارك في الماضي في مسيرات إحياء ذكرى المجزرة التي هدمت طفولته وحطمت عالمه ولم ينج من تبعاتها. وقتها لم يتجاوز أبو عطية العاشرة من عمره، لكنه يذكر جيدا كيف داهمت دوريات إسرائيلية في 2 تشرين الثاني 1948 مضارب عشيرته (المواسي) المجاورة لقرية عيلبون، واقتادت تحت تهديد السلاح 15 رجلا أعدموا بدم بارد.

وقامت إسرائيل بترحيل غالبية أبناء عشيرة المواسي من منطقة طبريا وصفد وسائر الجليل، وظل عدد قليل منهم في عيلبون ودير حنا. واستذكر أبو عطية ملابسات المجزرة التي نفذتها إسرائيل بعد إعلان قيامها واعتراف الأمم المتحدة بها بشهور، وأوضح أن والده عطية وشقيقاه معجِل ومقبِل، وابن عمه كانوا قتلوا فيها.

أبو عطية يعتذر عن بكائه ويقول إن الدمعة تغالبه كلما استذكر الحادثة التاريخية أو شاهد مشاهد قتل على شاشة التلفاز. ويتابع وهو يكفكف دموعه: “كنا داخل بيوت الشعر رافعين رايات بيضاء حينما داهمتنا الدورية الإسرائيلية وجمعت 8 أو 9 بنادق من الأهالي وما لبث القائد أن سحب من جيبه قائمة بأسماء مطلوبين واعتقل 15 رجلا” وكانت القرية الصغيرة قد استسلمت كبقية الجليل بعد احتلاله في عملية حيرام نهاية تشرين أول. وقتها اصطحب الجيش الإسرائيلي رجال العشيرة لقرية المغار المجاورة حيث سجنوا في ساحة منزل أحد “أصدقائه” طيلة يوم لكن أبو عطية يرفض الكشف عن تفاصيل ما جرى هناك مكتفيا بالقول إن أقربائه اقتيدوا لقرية مجاورة.

“المأساة جرت قبل عقود ولدينا علاقات اجتماعية وما بدنا نفتح جروح”، قال أبو عطية مبررا تحفظه. ويكتفي باستذكار فشل محاولات إطلاق سراح المعتقلين. وتابع: “سارت سيدتان من القرية حافيتين حتى القرية المجاورة وتوسلتا لصاحب البيت الذي تذرع بعدم قدرته على الإفراج عنهم فعادتا تبكيان وتلطمان وجهيهما”.

شهادة المخبِر
وتؤكد الرواية التاريخية الشفوية على لسان الأهالي، أنه بعد يوم على اعتقالهم اقتاد الجنود الإسرائيليون أبناء عشيرة المواسي وأطلقوا النار عليهم قبيل مساء الثاني من تشرين أول بمحاذاة سهل البطوف المجاور من الجهة الشرقية، ولم ينج من المعتقلين سوى سعد ذيب مواسي الذي تظاهر بالموت بعد إصابته بعدة رصاصات وتماثل للشفاء في دمشق التي وصلها تهريبا من أجل التداوي بمساعدة والدته، ولاحقا أخبر أقاربه الباقين في الوطن قبل وفاته مطلع الستينات بأن “الجنود حصدوا الضحايا ببنادق رشاشة”.

وهذا ما أكده الشيخ خليل عوض الشواهدة (أبو إبراهيم) في شهادته المنشورة، حيث روى ما شاهده وسمعه بعد احتلال عيلبون. فيقول عن مجزرة عشيرة المواسي المجاورة لعيلبون بلغته العامية: “بعدما اعتقلوهن صففوهن عند عين عيلبون وكانوا بدهن يطخوهن. هجم الخوري مرقس وصار يصيح: ما كفاكم اللي ذبحتوهن. قالوا: يا خوري فوت على كنيستك. بالصدفة أجت سيارة للأمم المتحدة.. فما طخوهن ونقلوهن للشمال”.

ويوضح أنه بعد يومين وفيما كان يرعى أغنامه، بلغ منطقة باب الثنايا المجاورة لسهل البطوف، وشاهد رجلا مختبئا خلف شجرة، وما لبث أن تعرف عليه وهو يدعى سعد المواسي. ويضيف: “سألته ماذا حصل؟ فقال إن اليهود أطلقوا النار علينا. كنا 16 رجلا، قتلوا 14 وأنا والشاب معجِل العطية أصابنا الرصاص ولم نمت، وعندما شعروا فينا عادوا وأطلقوا رصاصة بين عيني الشاب معجل ومات فورا، أما أنا فمرت الرصاصة فوق رأسي وعندها قال الجندي: لازم تموت.. فوضع البندقية في فمي وأطلق رصاصة اخترقت فمي وخرجت من الجانب الثاني لكنني بقيت حيا. طلب مني معجل أن أحمله فقلت له لا أقدر على حملك، رغم أنني كنت شابا عمري 19-20 سنة “.

وكشف أن سيدة تدعى زهية الفواز مواسي جاءت وحملته على ظهرها ثم جلبت حمارا وحملته وخبأته في مغارة في منطقة “باب النميس” ودأبت على توفير الطعام والماء له حتى علمت عصابات “الهاغاناه “بالموضوع، فسألوها عنه فقالت: “حضرت أمه وأخذته على سوريا ولكنه كان في الواقع ما زال داخل المغارة”. بعد فترة جاءت والدته فعلا وأخذته إلى سوريا وظل هناك على قيد الحياة 20 سنة، وكان يبعث سلامات عبر إذاعة دمشق ويخص “أختي زهية اللي أنقذتني”.
وقد دفنت رفاة الشهداء في مغارة حتى عام 1968 قبل نقلها للمقبرة الإسلامية في عيلبون داخل ضريح جماعي. ويستذكر الشواهدة في شهادته عملية دفن الشهداء فيقول: “قبرت ضحايا المواسي أنا وأخوي محمد واسماعيل الحميد وابن اسماعيل الحسين. وجدنا جثامين الشباب في باب الثنايا وكانوا ممدين في صف واحد.. وآثار الرصاص واضحة، فمنهم من اخترق الرصاص جسده من صدره ومنهم رصاصة في رأسه أو في جبينه”.

وتابع: “علمت من سعد الذي ظل على قيد الحياة، فقد دلني على مكانهم فناديت أخي وآخرين. طلبنا من أحدنا أن يراقب كي ينبهنا حتى لا تداهمنا قوات الهاغاناه. وضعنا الجثث داخل مغارة في خربة عين الناطف المجاورة لسهل البطوف. وعندما شرعت شركة المياه الإسرائيلية “مكوروت” بحفر قناة المياه ضمن ما يعرف بمشروع المياه القطري نقلنا الجثامين في جرار لمغارة ثانية وأغلقنا عليهم. بعد فترة بنينا مقبرة في عيلبون فجلبنا رفاتهم ودفناها فيها”.

حرم الكنيسة
وعما جرى في عيلبون أفاد أحد الناجين من المجزرة الشيخ فريد زريق، قبل رحيله، أن أهالي عيلبون استيقظوا مذعورين عند فجر السبت، الثلاثاين من تشرين أول 1948، على دوي تفجيرات جنود “الهاغاناه” ومكبرات صوت تدعوهم للتجمع في ساحة البلدة. واستذكر أبو زريق أن أهالي القرية قرروا البقاء فيها بعد نزوح جيش الإنقاذ، لكن جنود إسرائيل كانوا يضربون الرجال بأعقاب البنادق وعيونهم تنطق كراهية وحقدا.

وتابع: “أمام حشد الأهالي في ساحة الكنيسة قتلوا رجلا أردنيا كان يقيم عندنا وكانت رسالتهم واضحة: هذا مصير كل من يبقى هنا”. ونوه أنه أمام حالة الرعب وبكاء الأطفال والنساء تدخل الكهنة فاحتمينا داخل الكنيسة لكن الجيش رحلهم عنوة بعدما استوقف 16 من شبابهم تم إعدامهم بعد ساعة من تهجير أهالي عيلبون الذين عادوا من لبنان بعد عدة أسابيع جراء تدخل الفاتيكان.

“ذاكرات” اليهودية
يشار إلى أن جمعية ” ذاكرات” اليهودية ساهمت في الماضي، بتوثيق المجزرتين، ووزعت كتيبات بالعربية والعبرية حولهما استنادا للروايات الشفوية وللمراجع المكتوبة. ويوضح رئيس الجمعية السابق إيتان بوريشطاين، أنها تعمل منذ تأسيسها عام 2001 لتعميم الرواية التاريخية الفلسطينية على الإسرائيليين.

وردا على سؤال هل يرى أن الإسرائيليين اليوم مطلعون أكثر على حقيقة ما جرى عام 48 نتيجة عدة أسباب منها نشاط “ذاكرات”. أجاب: “ننادي من أجل اعتراف إسرائيل بالنكبة وتحمل مسؤولية نتائجها تمهيدا للمصالحة وعودة اللاجئين، فبدون ذلك يبقى السلام كلاما في الهواء ولن تتحقق المصالحة على الأرض”.

بيني موريس
في المقابل يشار أيضا إلى أن المؤرخ الإسرائيلي يستذكر في كتابه “حرب 48” بصياغة تستبطن لهجة تبرر المجزرة، فيقول إن جنود الهاغاناه وجدوا رأسي جنديين إسرائيليين كان جيش الإنقاذ قتلهما بجوار عيلبون.

شهداء المجزرة الأولى
نعيم غنطوس زريق، بديع جريس زريق، فؤاد نوفل زريق، جريس شبلي حايك، فضل فضلو عيلبوني، محمد خالد أسعد، عازر سالم مسلم، حنا إبراهيم أشقر، ميلاد فياض سليمان، سمعان جريس شوفاني، عبد الله سمعان شوفاني، رجا ميخائيل خليل، زكي موسى اسكافي، ميخائيل متري شامي.

شهداء المجزرة الثانية
عطية حمود ارشيد، معجِل عطية ارشيد، مقبِل عطية ارشيد، صالح عبد الله ارشيد، سعيد محمد قاسم، أسعد محمد قاسم، باير حسن طه، محمد محمود طه، حسين ابراهيم احمد، حسن قاسم وحش، محمود حسن نوادري، أحمد حسن نوادري، خالد عبدو نوادري، صالح يوسف رملي ونايف أسعد عيسات.

فيلم أبناء عيلبون
يشار إلى أن فيلما وثائقيا جديدا قد روى وقائع المجزرة المروعة التي نفذتها المنظمات الصهيونية في قرية عيلبون. وقد عرض للمرة الأولى عام 2010، بعنوان “أبناء عيلبون” من إخراج هشام زريق، وهو فيلم وثائقي يشتمل على شهادات مبللة بالدموع يرويها شهود عيان نجوا من المذبحة التي وقعت قبيل ترحيل القرية.

وفي الفيلم يستعرض المؤرخ الإسرائيلي التقدمي إيلان بابه الخلفية التاريخية لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم خلال النكبة، ويلفت باللغة الإنجليزية لخطة التطهير العرقي الصهيونية التي قادها ديفيد بن غوريون.
وأشار بابه، مؤلف كتاب “التطهير العرقي في فلسطين” في الفيلم إلى زيف الرواية الصهيونية حول نزوح الفلسطينيين عن ديارهم نتيجة الحرب، وأكد أن الصهيونية انتظرت الحرب واستغلتها لتطبيق خطتها المبيتة بـ”تنظيف” البلاد من سكانها العرب.

ويستذكر بابه استنادا لأرشيف الصهيونية خطط التهجير، مشيرا إلى قيام عناصرها في مطلع الثلاثينات بتقسيم فلسطين إلى عشرة ألوية تمهيدا لتدمير 531 قرية، و11 مدينة فلسطينية بواسطة الإرهاب القائم على فصل الرجال عن النساء، وقتل مجموعات من الشباب وطرد بقية السكان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية