فيلم «الدشاش»: صراع القيم بين التلوث المديني والنقاء القروي

حجم الخط
0

غالبية من تناولوا الفيلم المصري «الدشاش» إنتاج عام 2025 في الصحافة الثقافية والفنية، يذكرون الدور المختلف للفنان محمد سعد، عن بقية أدواره السابقة، لاسيما سلسلة أفلام «اللمبي» التي استغرقت ما يقارب 25 عاماً من مسيرته الفنية. يتحدث المتناولون من نقاد وصحافيين، عن انطلاقة جديدة لهذا الفنان النجم، بعد قطيعة خمسة أعوام عن العمل في السينما، واقتداره في هذا الفيلم، لجهة الأداء الكوميدي والتراجيدي معاً، ولذلك فهو من أهم أسباب نجاح الفيلم، وحصده أعظم الإيرادات من شباك التذاكر مطلع هذا العام. ومن أسباب النجاح قصته الإنسانية ذات الطابع الميلودرامي الاجتماعي بتوقيع الكاتب المصري جوزيف فوزي، فضلاً عن الإخراج الرائع للراحل سامح عبد العزيز، والتمثيل المذهل لمحمد سعد ونخبة من نجوم السينما المصرية؛ زينة، وباسم سمرة، ونسرين أمين، ونسرين طافش، وخالد الصاوي، ورشوان توفيق ونوليا مصطفى. مع ظهور أسماء فريق العمل في الفيلم، يظهر «الدشاش» محمد سعد خادما في مسجد. ومع كل مفردات الخدمة من تنظيف وفرش الأرضيات، تبرز لقطات استرجاعية من ماضيه كصاحب ملهى ليلي متجبّر. أول مشهد دال في الفيلم يعود إلى طفولته، حيث يقسو عليه جده، ويطلب منه أن ينال كل ما يريد بالقوة والجبروت، ومن هنا يطلق عليه اسماً جديداً.. الدشاش.

تقنية الاسترجاع

ما يلي مشهد البداية هو استرجاع لماضي الدشاش قبل أن يتوب، قسوته مع المحيطين به، المشهد تلو الآخر، يبين خصوماته معهم، وتكالب عداواتهم ضده، منهم مديرة أعماله «قوت» (نوليا مصطفى). ومن ثم تظهر كواليس العمل في المخدرات على المكشوف، حيث الخلاف الكبير مع تاجر المخدرات «فهد» (باسم سمرة) وينتهي الصدام بينهما إلى لغة التهديد والوعيد من قبل الأخير، بينما الأول «الدشاش» غير مبال بذلك. وتتالى الصدامات الواحدة تلو الأخرى مع الآخرين، من بينهم الراقصة «ولعة» (نسرين أمين) حيث تطالبه بتنفيذ وعده بعقد زواج بينهما، وينتهي الحوار إلى صفعات قوية يوجهها إلى الأخيرة. ومن ثم أخته الطالبة الجامعية «منى» (مريم الجندي) التي يرفض المتقدم لها المعيد في الكلية «معتز» (أحمد الرافعي) حيث يشهر سيرته أمام أبويه على أنه نصّاب ومزوّر ومتزوج من أخرى تكبره بثلاثين عاماً. ومن ثم مشهد الخلاف المستديم مع زوجته «لبنى» (نسرين طافش) التي تطلب الطلاق منه وهو يرفض، وأيضاً لا يريد أن تنجب له أطفالاً، لسبب غير مكشوف، ربما لعدم ارتياحه الخفي منها. وهناك تابعاه الصغيران «مليجي» (محسن منصور) و»شعبان» (محمد يوسف/ أوزو)، اللذان يتحينان الفرصة للانقضاض على الدشاش، لكي يصبحا تاجرين كبيرين. هؤلاء كلهم نتاج التلوث المديني. يقف على النقيض منهم أتباعه القرويون، الذين ظلوا مخلصين له إلى آخر لحظة، ومنهم «قناوي» (أحمد فهيم) خال «صفاء» (زينة) صديقته منذ الطفولة، وجاءت إلى القاهرة، للتعلم في الجامعة المفتوحة، هي التي كانت تحب الدشاش حباً نقياً من دون أطماع.

انقضاض الخونة

آلية الانقضاض على الدشاش كانت مُدمّرة، وهي إحدى حركات الأكشن المؤثرة في الفيلم. كان واسطة العقد في هذه الآلية، «الدكتور عوني» (خالد الصاوي) الذي يمتلك مستشفى تخصصياً، وكانت عليه ديون كثيرة للدشاش، فاقترح على أعداء الأخير، الذين ذكرناهم أعلاه خطة قذرة تتنافى قطعياً مع الأمانة الطبية، مقابل تدمير دماغ الدشاش، وهو أن يتولى كلّ قطب من الأعداء دسّ المخدّر في السوائل التي يتناولها الدشاش، مثلاً العصير والخمور، التي يكرعها بكثرة، إلى أن يؤدي هذا السيناريو الجهنمي إلى انهياره، ويُنقل إلى مستشفى الدكتور عوني، الذي يبلغه، بعد أيام من الرقاد في المستشفى، بأن لديه ورماً في الدماغ، وأن أيامه معدودة لا تتعدى أربعة أشهر.

العودة إلى الله

هنا يعود الفيلم إلى نقطة البداية، بلجوء الدشاش إلى بيت من بيوت الله – المسجد وإعلانه التوبة مما تقدّم من جميع الذنوب وكل المظالم بحق الآخرين. أجمل ما في الفيلم مشاهد التوبة، حيث كانت قمة الأداء التراجيدي للنجم محمد سعد، فيها بكى كثيراً واستغفر كثيراً، وانقطع عن العالم الدنيوي الفاسد كلية. إلاّ أن عصابة السوء لا تتركه لحاله، وها هي قوت تأتي إلى عقر عزلته التعبدية، لتخبره بأن الجميع يفتقدونه. يستشير إمام المسجد الشيخ «فاروق» (رشوان توفيق)، فيتحدث له الأخير عن صلة الرحم وإيفاء كل ذي حق حقه. ليبقى التقرب لله جل جلاله، المكسب الكبير لعبده ولو خسر كنوز الدنيا كلها.
عاد «الدشاش» ليوزّع كل أمواله وممتلكاته إلى هؤلاء المتآمرين عليه. الذين أحكم المخرج سحنات وجوههم في الحالتين، الأولى؛ توزيع أملاكه عليهم، إذ كانوا يتباكون بدموع التماسيح. الثانية؛ حين كان راقداً في المستشفى، غلبت على وجوههم سيماء التشفي والشماتة. ولكن يا للمفارقة، توبة الدشاش الصادقة وأصله القروي وشيمة الوفاء، كل ذلك جعله يتصرف بهذا الشكل إزاء حتى من أخرجوا له شهادة وفاة، فعلت ذلك مديرة أعماله قوت. وفوق ذلك طالبهم بالصفح عنه جميعاً.
اكتشاف المؤامرة
أوى الدشاش مرة ثانية إلى المسجد، ليموت هناك، وفق المدة المُزيفة لموته، كان الشيخ فاروق خير سند له، لتغذية روحه بالإيمان والشكر لله في كل حال. وهو في عمله الخيري في محيط المسجد، تأتيه نوبة الإغماء، فيتنادى المحيطون به من الفقراء لاسعافه ونقله الى المستشفى. وهنا اكتشف المؤامرة، إذ ليس لديه ورم دماغ، وحين عاد ليواجه الدكتور عوني، ارتبك كثيراً. عاد اليهم، لكنهم تبرأوا منه وطردوه بمن فيهم أخته منى.

أكشن الانتقام

من هنا تبدأ مشاهد الإثارة في الفيلم ذروتها، باكتشاف حقائق ما جرى تحت التهديد. اكتشف جميع خيوط المؤامرة، على لسانهم واحداً واحداً، اولهم تابعاه مليجي وشعبان، وولعة، والدكتور عوني، وقوت. وبعد أن يعرف حقيقة الدكتور عوني الذي كان عرّاب المؤامرة يعود إليه، ويدسّ قنينة مُخدر في كوب قهوة، ليتلوى ألماً وخوفاً من الموت. ووقّعه على توريثه كل أمواله، تاركاً إياه يحتضر، وقبل أن يغادر نصحه بالذهاب الى الحمام وتقيؤ ما تناوله. وبذا استطاع استرداد جميع ما منحه للخونة. بتوقيعهم على وثائق بيع أملاكه الأصلية له ثانية. أما فهد وزوجته السابقة لبنى، فقد سرق الدشاش، عبر عملية لصوصية للفيلا العائدة إليه أصلاً، وثائق ملف تهريب سلّمها إلى السلطات، لينالا جزاءهما العادل.
لكنه صفح عن أخته منى بعد أن كشف لها حقيقة زوجها الخائن معتز زير النساء. أعاد لها الشركة، التي سجلها باسمها، بعد أن سجلتها المخدوعة باسم زوجها. وهنا يتضح نقاءه القروي. ويكافئ أتباعه القرويين، وأولهم صفاء. في نهاية الفيلم يعود إلى الشيخ فاروق، ليبلغه أن إيمانه وتوبته النصوح منعاه من قتل الخونة، وكان بإمكانه ذلك.

ثنائيات متقاطعة

هذا الفيلم فيه من الميلودراما الاجتماعية الشيء الكثير، بحبكته المثيرة، والعواطف المُبالغ فيها لإثارة استجابة قوية لدى الجمهور، وفيه التركيز على الصراعات الأخلاقية والاجتماعية. وتقديمه شخصيات خيرة وأخرى شريرة. وفق ذلك نلحظ في الفيلم الثنائيات المتقاطعة للقيم الإنسانية: الرذيلة والفضيلة، الخيانة والوفاء، الإصرار على ارتكاب الذنوب والتوبة. تعاضدها التباينات المكانية؛ الملهى والمسجد، كما التباين الكبير الماثل في الشخصيات، على سبيل المثال: الخادم في المسجد وصاحب الملهى الليلي، الراقصة والشيخ، طبعا في النهاية يكون الانتصار لكل القيم الإيجابية واندحار الرذيلة والفساد والجريمة.
سامح عبد العزيز الذي رحل مبكراً
المخرج الراحل سامح عبد العزيز تُوفّي مبكراً في يوليو/ تموز عام 2025، عن عمر يناهز التاسعة والأربعين، بعد سبعة أشهر من عرض الفيلم في دور السينما. وهو من المخرجين الذين لهم بصماتهم في السينما والشاشة الصغيرة خلال الربع الأول من القرن الحالي. كان فيلم «درس خصوصي» انطلاقته الأولى في عالم السينما. بعده تتالت أفلام، مثل «كباريه» و»الفرح»، فكان بارعاً في إخراج الأفلام ذات الطابع الشعبي وبرؤية واقعية. وقدم أعمالاً مهمة مثل «أحلام الفتى الطايش»، «أسد وأربع قطط»، «تيتة رهيبة»، «تتح»، «حلاوة روح».

جوزيف فوزي

وهو كاتب مصري له العديد من الأفلام ومنها: «سيكو سيكو» 2025، «الشاطر» 2025، «روكي الغلابة» 2025، وغيرها. وقد تحدث في العديد من اللقاءات الصحافية عن فيلم « الدشاش». وأن الدافع وراء تأليفه يتمحور حول «الصراع بين الحياة والموت، والسؤال الذي يطرحه كل إنسان على نفسه: «لو جاءني الموت، هل أنا مستعد؟». وكان فوزي حريصاً «على تحقيق توازن طبيعي بين العناصر الدرامية والاجتماعية، دون افتعال، من خلال شخصيات واقعية تنتمي إلى البيئة التي تدور فيها الأحداث، كما ركّز على الصراعات الداخلية والخارجية التي تعيشها الشخصيات، ما جعل الدراما تنبع من الواقع». سعياً منه إلى تقديم فيلم يحمل بعداً إنسانياً عاكساً لقضايا تهمّ الجمهور، فضلاً عن التشويق العاطفي الذي يتيح للجمهور التفاعل مع الأحداث.

كاتب عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية