الناصرة ـ «القدس العربي»: يؤكد كاتب ومحلل عسكري إسرائيلي بارز أن «السابع من أكتوبر» هو الفشل الأكبر في تاريخ إسرائيل وإنه نتيجة إخفاقات متراكمة تتجاوز الجيش والحكومة وتطال كل المجتمع الإسرائيلي. ويقول الكاتب والمحلل العسكري في صحيفة «هآرتس» عاموس هارئيل متسائلا بلهجة لا تخلو من السخرية المرة: «نصر مطلق؟ نحن في أزمة أمنية هي الأكبر في تاريخ إسرائيل منذ قامت عام 1948»، وبذلك يتكاتب مع مقولة رئيس حكومة الاحتلال المتعجرفة «نحن نحقق نصرا مطلقا». في الفصل الأول من الكتاب الصادر بالعبرية بعنوان «06:25» (موعد شن حركة المقاومة الفلسطينية في غزة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023») يستعرض هارئيل مسيرة حركة «حماس». في الفصل الثاني من الكتاب يتوقف عند التغير الذي طرأ على مفهوم إسرائيل للأمن – التحول نحو التفكير الهجومي والتكتيكي، وغياب التفكير الاستراتيجي. يتجول عاموس هارئيل، كبير المعلقين العسكريين في صحيفة «هآرتس»، بين الأنقاض: بين بيوت مستوطنات «غلاف غزة»، كفار غزة ونير عوز وباري المهجورة، والثكنات العسكرية الإسرائيلية التي شهدت مقتل وأسر الجنديات المراقبات اللواتي أطلقن الإنذار الأول مع بدء الهجوم من غزة، والملاجئ التي تحولت إلى مصائد موت، وصولاً إلى موقع حفلة «النوبة» ، مروراً بأرض المعارك في جنوب البلاد وطرقها التي لا تزال حتى اليوم تصرخ بالهجران. طبقا لما جاء في مقدمة دار النشر الصادر عنها الكتاب، تمر هذه «الرحلة» أيضاً بين أنقاض العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي انهارت في لحظة من صباح 7 أكتوبر 2023، ولكنها تفككت تدريجياً قبل ذلك بكثير. لكن هارئيل يعود للخلف عقودا متتبعا التحولات العميقة داخل الجيش وفي صفوف الإسرائيليين مراقبا بعيون النسر المحلق من أعلى. في كتابه يقول هارئيل إنه في غضون خمسين عاماً، حلت مظاهر الغرور والغطرسة محل خيبة الأمل السابقة التي أعقبت حرب أكتوبر 1973. ويتابع في استعراض التحولات: «لأجيال من القتال منخفض الحدة، على شاكلة معركة بين حربين، مارس الجيش الإسرائيلي لعبة أعتقد ذلك، متفاخراً بنفسه، بدون أن يرى العدو القاتل الذي يكبر أمامه. تجاهلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ومعظمها برئاسة بنيامين نتنياهو، علامات التحذير. إن الاستيقاظ من هذا الوهم كابوس، وإغراء العودة إلى الغفلة لدى المسؤولين عنه هائل. لكن الثمن الذي دفعناه، وسندفعه، هو الأغلى». في الكتاب الذي ربما يراه مراقبون إسرائيليون جرعة ماء بارد ضرورية لكل إسرائيلي يرغب في الحياة، لا يتردد هارئيل في توجيه أصابع الاتهام – إلى رئيس الوزراء، والوزراء، والجيش الإسرائيلي، وجهاز الأمن العام «الشاباك»؛ إلى المسؤولين عن السابع من أكتوبر. يتهم هؤلاء «الذين سمحوا، بأفعالهم وتقصيرهم، لحماس بالنمو وارتكاب المجازر، رغم كل مؤشرات التحذير؛ أولئك الذين أسكتوا كل من حذر مسبقًا؛ أولئك الذين تخلوا عن السكان المحاصرين ليواجهوا حتفهم؛ أولئك الذين لم يعيدوهم من الأسر في الوقت المناسب، تاركين العشرات منهم يموتون في غزة». يضع هارئيل أحداث «أكتوبر 7» ضمن سياق متصل وليس كفشل معزول ولا كفشل شخص واحد أو وحدة واحدة، بل كنقطة انهيار للافتراضات الأساسية، والعلاقات، مفاهيم الأمن والثقافة التنظيمية. يقول هارئيل إنه يقدم كتابه لكل من يريد من الإسرائيليين أن يفكر في «السابع من أكتوبر» ليس فقط كحدث صادم، بل كفشل منهجي وسياسي واجتماعي، مذكرا أن 06:29 ليس مجرد وقت على الساعة بل إنها لحظة انهار فيها مفهوم بأكمله – وما زلنا بحاجة إلى البدء في إعادة بنائه. ويتابع «لم يُكتب هذا الكتاب من غرفة مكيفة، أو من وجهة نظر شخص يراقب الأحداث من أعلى. بل كُتب من صميم الموضوع، من خلال سنوات تغطيته للمؤسسة الأمنية، ومن خلال الأشهر الطويلة التي حاولت فيها، مثل الآخرين، فهم كيف وقعت أكبر كارثة في تاريخ البلاد هنا». يشير هارئيل في مقدمته إلى أن كتابه يهدف إلى تذكير الإسرائيليين جميعًا بثمن الأكاذيب التي يصدقونها ويتابع محذرا: «من المدهش كيف ننسى ذلك بسرعة». لذا، يُعدّ كتاب «06:29» بمثابة جرس إنذار. طبقا لمقدمة دار النشر «كنيرت» إنه بهذا المعنى، تكمن أهمية الكتاب في رفضه تبسيط الأمور للقارئ، فهو لا يسمح له بالرضا بتفسير واحد ملائم، فهو يذكر بأن الفشل التاريخي الكبير نادرًا ما يولد في مكان واحد؛ يتراكم، ويعتاد على نفسه، ويتخذ أسماءً مهنية، ويصبح سياسةً – ثم ينهار. كما تقول إن عاموس هارئيل يكتب كتابه بصفته مراسلًا ومعلقًا عسكريًا مُلِمًّا باللغة والأنظمة والطبقات والأشخاص الذين يقفون وراء العناوين الرئيسية ويتميز الكتاب في قدرته على التعامل مع الواقع الإسرائيلي الأمني والاستراتيجي من منظورين في آنٍ واحد: نظرة شاملة واستراتيجية ومنهجية للانهيار الكبير؛ ونظرة دقيقة، شبه يومية، للطريقة التي استيقظ بها بلد بأكمله في الساعة 6:29 صباحًا على واقع لم يرغب أحد في تخيله. وتتابع: «هذا ليس كتابًا للراحة ولا كتابًا للغضب. تكمن قوته في ضبط النفس. لا يحتاج هارئيل، إلى الصراخ ليُظهر صعوبة الأمور. إن مجرد الترتيب، والترابط بين الأحداث، والعودة إلى العمليات التي سبقت الكارثة، ومحاولة فهم كيف وصلت أنظمة بأكملها – عسكرية وسياسية واستخباراتية واجتماعية – إلى ذلك الصباح، كافية لخلق شعور حقيقي بالخطورة. يقع هذا الكتاب على مفترق طرق بين التحقيق التاريخي والاتهام التاريخي. إنه ليس رواية، وبالتالي لا يسعى إلى الغوص في عقل شخصية واحدة أو بناء حبكة بالمعنى التقليدي. لكنه يحمل نوعًا مختلفًا من التوتر: توتر القارئ الذي يعرف النهاية، ومع ذلك يواصل القراءة ليفهم كيف سارت الأمور نحوها. ربما يكون هذا أحد أصعب أشكال الكتابة عن كارثة – عندما لا يكون السؤال ماذا سيحدث؟، بل كيف بحق الجحيم حدث هذا؟».
عمل عاموس هاريل مراسلاً عسكرياً لصحيفة «هآرتس» منذ عام 1997، ومعلقاً عسكرياً فيها منذ عام 2007، تناولت كتبه السابقة الانتفاضة الثانية، وحرب لبنان الثانية، وعلاقات الجيش الإسرائيلي بالمجتمع الإسرائيلي.